آفــة المـخدرات

آفــة المـخدرات

المقدمة :

1.    لقد باتت مشكلة تهريب المخدرات وإساءة استعمالها على النحو غير المشروع ، من أهم واعقد المشاكل الاجتماعية والإنسانية على الإطلاق ، لما لهذه المشكلة من انعكاسات مؤثرة على حياة الأفراد والمجتمعات ، وباتت تلك المشكلة سرطاناً يسري في أحشاء الشعوب؛  لا تشعر بها الحكومات إلا بعد أن يستفحل بها الداء ، ويصعب الدواء  ، كما أن التطورات والمستجدات التي شهدتها حركة تهريب المخدرات محلياً ودولياً حتّمت على كافة السلطات المعنية بالتّصدي للمخدرات ضرورة الوقوف والتأمل ملياً وإعادة النظر في إستراتيجيات وأساليب التصدي  .

2.    وفي الأردن ؛ أصبح الموقف العام للمخدرات - وكما تعكسه جهود المكافحة - يشير بشكل لا يقبل الشك إلى تزايد حقيقي في حجم مشكلة المخدرات بكافة أبعادها تهريباً وترويجاً وتعاطياً ، مما يحتم علينا جميعاً ضرورة التصدي لهذه المشكلة والحد من تفاقمها من خلال مواكبة التطورات والمستجدات المرتبطة بعمليات التهريب وضرورة دعم الأجهزة المعنية المختصة بهذا الشأن ، إضافة إلى تنسيق كافة الجهود الوطنية وتوحيدها من خلال لجنة وطنية عليا لمحاصرة هذه المشكلة والحد من انتشارها ، ووضع الحلول العاجلة الآنية والحلول المستقبلية ( بعيدة المدى ) والتي تعزز جهود مكافحة المخدرات والوقاية منها ، وعلى هذا الأساس ، وإنطلاقاً من ضرورة تطوير الإستراتيجيات العامة للتصدي لمشكلة المخدرات على الساحة الداخلية ، فقد سارعت إدارة مكافحة المخدرات إلى السير بكافة محاور التصدي بدأً بالوقاية ومن ثم المكافحة والعلاج .     

التعريف بالمخدرات :

3.    وقبل الخوض في الحديث حول التعريف الذي اصطلح عليه للمخدرات ، لابد من الإشارة إلى أن كافة القوانين في العالم وبحسب نشرات الأمم المتحدة لم تتطرق إلى ذكر تعريف لهذا المصطلح بل اكتفت بالإشارة إلي المواد المدرجة في جداول العقاقير الخطرة ، وذلك بالنص على أسماء المركبات والسلائف الداخلة في تكوينها ، وكذلك ذكر الأسماء العلمية لتلك المواد ومشتقاتها والتأكيد على اعتبارها مواد مخدرة وخاضعة للعقوبات القانونية متى أسيء استخدامها . وبالطبع فإن السبب في ذلك يرجع إلى تنبه المشرّع لمسألة إمكانية استحداث مواد مخدرة جديدة تكون خارجة عن التعريف وتفلت من العقاب لحين تعديل القانون وإضافتها إلى التعريف على الأقل .

4.    إما هيئة الرقابة الدولية فقد كان لها تعريف عام للمخدرات من الناحية القانونية وهو (كل مادة خام أو مستحضرة تحوي عناصر أو جواهر مهدئة أو منبّهة أو مهلوسة إذا ما استخدمت لغير الأغراض الطبية فهي تؤثر على الجهاز العصبي المركزي وتؤدي إلى إحداث خلل كلي أو جزئي في وظائفه الحيوية ، وتجعل المتعاطي يصاب بحالة الوهم من والخيال بعيداً عن الواقع، وتؤدي كذلك إلى إصابته إما بالإدمان أو التعود ).

5.    و يقودنا ذلك التعريف إلى التفريق بين الإدمان والتعود من خلال توضيح المقصود من كل حالة ، فالإدمان هو : تكرار تعاطي المادة المخدرة الذي يصاحبه رغبة جامحة للحصول على المادة وميل مستمر لزيادة الجرعة ، وعند الانقطاع المفاجئ يصاب المدمن بأعراض انسحابية خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة أحياناً نتيجة إصابته بالاعتماد البدني والنفسي، أما التعود فهي حالة أخف من الإدمان حيث لا تحدث فيها الرغبة القهرية ولا الميل لزيادة الجرعة ولا تظهر تلك الأعراض الانسحابيّة الخطيرة ، ويحدث فقط اعتماد نفسي خفيف نوعاً ما، وإن أساس التفرقة بين الحالتين يعود إلى المادة التي يتعاطاها المدمن ، حيث أن هناك مواد مخدرة قوية تصيب بالإدمان كالهيروين مثلاً، كما توجد مواد أخرى أقل خطورة منها وتصيب بالتعود فقط كالحشيش .

أنواع المخدرات:

6.    وكما أشرنا سابقاً إلى عدم وجود تعريف محدد للمخدرات في القانون ، نشير الآن إلى أن القوانين لم تحدد أنواعاً للمخدرات من حيث الشكل أو التأثير أو اللون .. الخ ، بل جاءت القوانين بالإشارة إلى المركبات العلمية التي تعتبر مخدرة أينما وجدت ، فأدرجت كل تلك المركّبات قي قائمة واحدة تحت اسم المخدرات والعقاقير الخطرة ، وذلك قطعاً بهدف قطع الطريق على منتجي المخدرات الذين سيسعون بالتأكيد إلى إنتاج مواد جديدة تخرج عن ذلك التعداد وتفلت من العقاب ، لذا جاء النهج القانوني بعيداً عن أطماع ومآرب منتجي وتجار المخدرات . إلا أن علم المخدرات -وكغيره من العلوم الأخرى – كان له من الدارسين والباحثين من خاض في عمليات التقسيم والتفصيل وبحسب النظرات المختلفة المبنيّة على التأثير أو الطبيعة أو غيرها ، ومن هنا جاءت عمليات تقسيم المخدرات إلى مجموعات مختلفة وكما هو وارد على النحو الآتي:-

أ. من حيث تأثير المخدرعلى المتعاطي، حيث تنقسم المخدرات إلى المجموعات التالية:-  

(1) المجموعة الأولى( العقاقير المهبطة ) :وتضم مجموعة العقاقير التي تبطئ نشاط الجهاز العصبي المركزي للإنسان ، وقد تكون مواد طبيعية أو صناعية ، كما تفيد في العلاج لاستخدامها في تخفيف الآلام وتسمى مسكنات وقد تصل إلى درجة النوم وهي المنومات ، وكذلك تستخدم في تهدئة الهيجان العصبي أو علاج الاضطرابات العصبية وتخفيف حالة القلق وتسمى بالمهدئات ، أي أن هذه العقاقير تؤثر على الجهاز العصبي وتؤدي إلى تسكينه وإزالة الآلام التي يشعر بها المريض، وتضم هذه المجموعة ما يلي :

(أ) مادة الأفيون ومشتقاته : يشتق الأفيون من خشخاش الأفيون ، وتطلق صفة مشتقات الأفيون على هذه المادة ومشتقاتها  –المورفين والهيروين والكودائين – كما تطلق على بعض العقاقير المختلفة مثل الميثادون والبيثيدين ذات التأثير المماثل ، وهي تسكّن الألم وتقلّل الضيق وتبعث الإحساس بالغبطة والسعادة الزائفتين نتيجة الفقدان الجزئي للوعي والإدراك كونها مواد مثبطة للجهاز العصبي المركزي " .

(ب) المخدرات التخليقيّة ذات التأثير المورفيني : وقد ذكرنا بأن هنالك عقاقير لها تأثير مماثل لمادة المورفين والتي هي إحدى مشتقات   الأفيون، ومن هذه المواد مادة الميثادون ومادة البيثيدين ومادة النورميثادون . ومن الجدير ذكره هنا أن أهمية مادة المورفين تكمن في كونها المادة الأولية لمادة الهيروين .

(2)   المجموعة الثانية :

وتشمل العقاقير التي تؤثر على الجهاز العصبي للإنسان بإثارته وتنبيهه ، والاستعمال الطبي لها يتحدد في مجال تقوية التركيز والنشاط العقلي وتشمل هذه المجموعة المواد التالية :

(أ) مادة الكوكائين : وتستخرج هذه المادة من أوراق شجرة الكوكا وتحتاج هذه الشجرة إلى مناخ مناسب لتنمو وهي مادة قلوية بلورية بيضاء ، وقد كانت النساء تتعاطى هذه المادة لتخفيف حدة الألم أو الجوع أو التعب في العصور السابقة.

(ب) الامفيتامينات : وهي مواد مخدرة منبهة للجهاز العصبي، وتكون غالباً على شكل مسحوق ابيض ، ويؤدي تعاطيها إلى اكتئاب نفسي وتلف في الدماغ ، وأكثر هذه المواد استعمالاً : الكسامفيتامين ، الميثامفتامين.

(3)   المجموعة الثالثة :

وهي التي يطلق عليها اسم عقاقير الهلوسة ؛ والمقصود بها العقاقير التي تستخدم لإثارة الهلوسة والأوهام عند الشخص الذي يتعاطاها ، وبعض هذه العقاقير طبيعي وبعضها اصطناعي ، ولها تأثير كبير على النشاط العقلي للإنسان، ومن أخطر المواد المسببة للهلوسة مادة (ل.س.د) والمعروفة باسم عقار الانهيار النفسي .

(4)   المجموعة الرابعة :

والتي تنفرد بها مادة القنب والمعروفة باسم الحشيش،  والقنب" عبارة عن نبتة ذات أغصان وأوراق عديدة ملتفة وتزرع في عدة بلدان مثل إيران، الهند، تركيا، لبنان ويسمى القنب بالماريجوانا" ويستخرج منها زيت الحشيش ولا يوجد لها أيّة استعمالات طبية ولكن يستفاد منها في بعض الصناعات  ، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن باحثو علم المخدرات اختلفوا حول تصنيف هذه المادة، فمنهم من اعتبرها إحدى المواد المهلوسة وبالتالي ضمها إلى المجموعة الثالثة ، ومنهم من أفرد لها مجموعة مستقلة بالرغم من تشابه التأثير مع عقاقير المجموعة الثالثة ، إلا أن الإفراد جاء هنا بناءً على الفارق في كمية المادة التي تحدث الضرر فضلاً عن أنها المادة الوحيدة التي لا تجد أيّ من مركباتها يستخدم في أغراض علاجية .

      ب.    من حيث المصدر المخدر :-

(1) المخدرات الطبيعية :

ويمكننا القول هنا بأن المخدرات الطبيعية معظمها مشتقة من ثلاثة نباتات وهي : شجرة الخشخاش والتي تستخرج منها مادة الأفيون وشجرة الكوكا ونبتة القنب .

(2) المخدرات الاصطناعية :

وهي التي يتم استخراجها من مواد طبيعية بعد القيام بعمليات معينة ومن أمثلتها المخدرات التخليقية ذات التأثير المورفيني مثل البيثيدين والميثادون وكذلك المهدئات والمنومات والمسكنات مثل مادة السيكونال ومادة الفاليوم .

(3) المخدرات المستخرجة كيميائياً من مواد طبيعية :

وهي مجموعة المواد المخدرة التي يتم استخراجها من المواد الطبيعية مثل مادة المورفين المستخرجة من الأفيون ومادة الهيروين المستخرجة من المورفين ومادة الـ (ل.س.د) المستخرجة من الحامض الليزري الناتج من بذور الآرغوت الشليم.

أسباب وعوامل انتشار المخدرات

7.    وهنا لا بد من الإشارة إلى أن معظم الأسباب التي سنذكرها تالياً لا تواجه المجتمعات العربية فحسب - والتي هي في الغالب مجتمعات مسلمة - وإنما يمكن أن تمتد برمتها أو بعضها لتشمل دول العالم النامي وحتى العالم بأسره  ، وسوف نتناول فيما يلي وبإيجاز أهم تلك الأسباب التي لها الأثر الكبير في انتشار وتفاقم مشكلة المخدرات .

أ. ضعف الوازع الديني:-

يعتبر الوازع الديني من العوامل الرئيسية التي تضبط سلوك الأفراد وتعاملهم ، حيث  أن السعي الحثيث للظفر بالمنجزات الحضارية - والتي تطالعنا كل يوم بما هو جديد - ومحاولة الاستفادة من التقدم التقني السريع الذي قصّر المسافات الجغرافية ، وأزال الحدود الطبيعية بين البلدان ، واتصال المجتمعات ببعضها ؛ كل ذلك ساهم في التحلل من الوازع الديني وبالتالي أدى إلى ارتكاب المحرمات ومنها التعامل بالمخدرات . وبرأيي فإن الوازع الديني هو أساس الحماية من كافة الأخطار والحفاظ على الإنسان بأعلى درجات العز والكرامة بعيداً عن ارتكاب الجرائم والموبقات، فالأمر لا يقتصر على جرائم التعامل بالمخدرات بل يتعداه إلى كافة أنواع الجرائم ، ولا يمكن فصل هذا السبب – ضعف الوازع الديني – عن أي سبب آخر من الأسباب التي سيرد ذكرها لاحقاً .

ب. أسباب اقتصادية :-

حيث أن سوء الأحوال المادية في أي مجتمع ، وتدني مستوى المعيشة يؤدي إلى عجز الفرد عن تأمين احتياجاته الأساسية ، و إذا ما اقترن هذا الأمر بضعف في قدرة ذلك الفرد على التحمل ؛ فانه – بلا شك - سيقوده إلى ارتكاب الجريمة لتحسين حالته المعيشية، ويعتبر  التعامل بالمخدرات سواء أكان تجارة أم  تهريباً أم ترويجاً  ؛ افضل هذه الجرائم وأسرعها وصولاً إلى الغنى .

 جـ. أسباب اجتماعية :-

جريمة المخدرات - وكغيرها من الجرائم -قد تتولد كنتيجة للتشرد المتأتي من المشاكل العائلية المستمرة والتفكك الأسرى ، فمشاكل الطلاق أو حتى مجرد استمرار الخلافات بين الآباء والأمهات غالباً ما يؤدي إلى تحطيم نفسية الأبناء وخروجهم من المدارس ، وبالتالي الزج بهم إلى الشارع يرمي بهم كيفما تشاء الظروف .

وكذلك فإن تدني مستوى الثقافة لدى البعض ، قد يدفع لممارسة وسائل غير مشروعة لتعويض هذا النقص وتحقيق الشعور بالمساواة مع الآخرين.

د. تدني المستوى الصحي والتعامل مع الدواء:-

 يعتبر تدني المستوى الصحي والتعامل مع الدواء بشكل سيء ؛ من ابرز ملامح المجتمع النامي ،  وان سوء استعمال هذا الدواء واللجوء إليه دون مشورة طبيب ؛ غالباً ما يقود إلى الوصول للمواد النفسية التي أصبحت اكثر المواد إساءة للاستعمال وبالتالي انعكاس التأثير الإيجابي إلى تأثير سلبي قد يقود للإدمان .

هـ. القرب من مناطق إنتاج المخدرات :-

إن توفر المادة المخدرة في السوق يساعد في الوقوع في براثن المخدرات والإدمان عليها ، سيما وأن هذه المادة المخدرة تأخذ شكلاً تجارياً بين عرض وطلب ، وبالتالي فان القرب من بلدان العرض والطلب يؤثر سلبياً على ذلك المجتمع ويؤدي إلى انتشار المخدرات في تلك الدول .

و. الجهل بمضار المخدرات (ضعف التوعية والتثقيف):-

فالكثير من المروجين يلجأون إلى خداع الشباب  وسوقهم لتعاطي المخدرات من خلال إقناعهم بفائدتها لهم من حيث تقوية الجسم وتنشيطه ومنحة طاقة هائلة ...الخ ،  مستغلين النقص الحاصل لدى هذه الفئة في معرفة ماهيّة هذه المواد وإدراك أخطارها  وأضرارها ، وأن ما يقصده المروج هو الأثر الآني أو السريع والذي لا يدوم اكثر من ساعات معدودة ولا يتكرر لأكثر من مرّة أو مرّتين على الأكثر ،  لكنه أخفى حقيقة أن هذه المواد تؤدي إلى  الاعتماد النفسي والبدني ( الإدمان ) ، ليفقد الإنسان ذلك الأثر السريع ويبدأ الأثر الحقيقي للمخدرات ، وهي الأخطار التي تحاول كل سلطات المكافحة في العالم مواجهتها والتصدي لها والتي ستعرض لاحقاً .

ز. رفاق السوء:-

كلنا يعرف طبيعة مجتمعاتنا والتصاقنا بالأصدقاء والأقرباء إلى حد كبير ، حيث انه من السهل الانصياع وراء تصرفات معينة دون إدراك كنه هذه التصرفات وأهميتها لمجرد أن صديق أو قريب يسير في هذا الاتجاه ، وهذا يشكل خطورة كبيرة فبدلاً من نصحه وردعه عن أفعاله السيئة تجد أننا نحن من أنحرف في تيارهم دون أدنى تفكير ، وخاصة في أعمار الشباب الذين هم أسرع ما يكونوا للانحراف كونهم مندفعين متسرعين، ويتصف الكثير منهم بالرعونة  . فضلاً عن الخطورة الأخرى المتمثلة برسوخ فكرة التستر على الصديق مهما ارتكب من أفعال وتصرفات شائنة، على اعتبار أن السكوت هنا من أساسيات الصداقة وأنه من علامات الرجولة ، وينسى الواحد منا أنه بذلك قد أغضب الله عز وجل بأن ساهم بتمادي ذلك الصديق في تصرفاته السيئة ، بل وساهم في القضاء على أشخاص آخرين قد يقوم الصديق بسوقهم  إلى براثن تلك الآفة .. فهل هذه صداقة ؟؟ وهل تلك رجولة ؟؟ .

ح. السفر للخارج ( سواء للدراسة أم العمل )  :-

إن اغتراب الأبناء وسفرهم إلى دول الانفتاح والتحرر من كل المبادئ والقيم التي عشناها واستقيناها عن أجدادنا - سواء أكان ذلك السفر بداعي الدراسة أو بداعي العمل – وقضاء ما يزيد على أربع سنوات ، وإتاحة الفرصة للانخراط بتلك المجتمعات والتأثر بأنماط سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم  دون وعي وإدراك ودون رسوخ العقيدة والإيمان بالأخلاق   الحميدة ، كل ذلك قد يؤدي بهم إلى الوقوع ضحيّة في حبائل الإدمان على المخدرات ، وعندما يعودوا إلى أوطانهم ينقلوا معهم هذا الداء لأبناء مجتمعهم الذين سرعان ما ينقادوا خلفهم  بناءً على الصداقات الزائفة التي صارت الإشارة إليها في البند السابق .

ط. غياب أدوار بعض المؤسسات :-

ما تزال بعض الجهات الرسمية والخاصة تعتقد خطأً أن عملية مكافحة المخدرات والحد من انتشارها قاصرة على إدارة مكافحة المخدرات وحدها، وبالتالي فأنها لا تقوم بالواجبات الملقاة على عاتقها حيال هذه المشكلة ، فعملية المكافحة هي سلسلة حلقات مترابطة بعضها ببعض لتشكل سواراً يحد من الزحف الفتّاك لتلك المشكلة ، وكل حلقة في هذه السلسلة هي دور لمؤسسة أو معهد تدريبي أو جمعية أو هيئة ، وباختصار فإن تلك الأدوار هي كلّ لا يتجزّأ .

أضرار التعامل بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية

8.    لا شك أن كافة صور التعامل بالمواد المخدرة تقود صاحبها إلى الهاوية ، فالإنتاج والتهريب والاتّجار والترويج ؛ لابد وأن ترمي بصاحبها إلى الهاوية – سواء في الحياة الدنيا أم عند الله سبحانه وتعالى – فضلاً عن الأضرار التي تخلفها تلك المواد على مستوى المتعاطي نفسه أو أسرته أو على مستوى المجتمع الذي يعيش فيه ، وبالرغم من كون أشد تلك الأخطار هي ما قد يلحق بمن يتعاطى المخدرات وبأسرته ؛ إلا أن الدول والمجتمعات ستدفع بلا شك ثمن تعاطي بعض أبنائها لمثل تلك المواد ، وفي هذا المجال سيصار إلى الحديث حول الأضرار الصحيّة التي تلحق بالمتعاطي  ومن ثم الأضرار الأخرى التي تتجاوز المتعاطي لتصيب الأسر والمجتمعات كالأضرار الاجتماعية والاقتصادية والدينيّة وغيرها وعلى النحو التالي :

أ. من الناحية الصحية :    

تختلف الأضرار الصحيّة التي تسببها كل المواد المخدرة تبعاً لاختلاف أنواعها، الأمر الذي يتطلب إفراد هذه الأضرار بحسب نوع المادة المخدرة التي يتم تعاطيها وحجم الجرعات التي يتناولها المدمن وحالة الإدمان وذلك كما يلي :     

(1) أضرار تعاطي مادة الهيروين والمورفين المخدرتين :-

  يؤدي تعاطي مادة الهيروين إلى ضعف عام في جسم المتعاطي نتيجة بذل الجهود والطاقات بدون داعي ، وكذلك تؤدي إلى ضعف المناعة عند الشخص المتعاطي والإصابة بالأمراض المعدية نتيجة لاشتراك المتعاطين في استخدام نفس الحقن أحياناً ، إضافة إلى هبوط التنفس الذي يؤدي إلى إحداث خلل في وظائف الدم والأنسجة ، ويتسبب كذلك بالإصابة بحالات من الغيبوبة والتشنجات والتهاب الرئتين وسرطان الكبد والتهاب الدماغ واضطراب النفس . كما يؤدي تعاطي المورفين إلى القيء والإسهال وإفراز العرق ، وكذلك فان له تأثير كبير على خلايا الدماغ والذي يتمثل في تلف تلك الخلايا ، وقد يؤدي تعاطيهما إلى الوفاة وذلك عندما يقوم الشخص المدمن بتعاطي جرعة زائدة منها .

 ويتضح هنا - ومن خلال  تأثير هاتين المادتين على الإدراك والوعي للمدمن - أنه لا يستطيع التركيز في الأعمال التي يقوم بها ، ليس هذا وحسب بل وسيصل به الحال إلى عدم التفريق بين الأعمال المشروعة والأعمال غير المشروعة وذلك لتأثير تلك المواد على الدماغ وتعطيل العقل.

وكذلك فان الهيروين يسبب البطء في التنفس مما يؤدي إلى ازدياد الحاجة إلى الأكسجين لتنقية الدم وهذا  يسبب خللا" في وظائف الدم والأنسجة. ويعتبر الهيروين من اشد العقاقير التي تؤدي إلى الإدمان الجسدي والنفسي.

(2) أضرار تعاطي مادة الحشيش " القنب " :-

تعتبر مادة القنب الهندي هي مادة الشيوع  في غالبية الدول المستهلكة للمخدرات، أي أنها المادة الأولى التي ينحرف الشباب من خلالها ، سيما وأن غالبية من يتعاطاها لا يعتقد بأن أضرارها تتجاوز أضرار الدخان والسجائر العاديّة ( وهذا يؤكد ما سبق الإشارة إليه في معرض الحديث حول أسباب انتشار المخدرات وبالتحديد الجهل بأضرارها ) .

وعلى العكس من ذلك فإن تعاطي مادة الحشيش يؤدي إلى الإصابة بالكثير من الأمراض الجسدية والنفسية ،  فنلاحظ أن المدمن على هذه المادة يصاب بالقيء والغثيان وزيادة نبضات القلب ويؤدي كذلك إلى الأصابة بالتهاب الجهاز التنفسي والذي قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة ، كما يصاب المتعاطي لمادة الحشيش بانفصام الشخصية وذلك بعد فترة زمنية من   التعاطي ، وكذلك قلة التركيز وعدم السيطرة على النواحي الفكرية والعقلية ، هذا بالإضافة إلى اختلال الذاكرة والهلوسة والتوتر العصبي والاكتئاب.

وبذلك نستطيع أن ندرك أن الشخص المتعاطي لمادة الحشيش المخدر لا يمكنه السيطرة على تصرفاته لعدم قدرته على التركيز  ولعدم إدراكه لكنه تصرفاته ، وحتماً سيقوده إلى القيام بكثير من الأعمال غير الطبيعية والملفتة للانتباه ، ويؤدي الحشيش إلى حالة الاعتماد النفسي فقط .

(3)  أضرار تعاطي مادة الكوكائين :

يستخرج الكوكائين من شجرة الكوكا ، وهو عبارة عن مادة قلويّة بلورية بيضاء، ويؤدّي تعاطي الكوكائين إلى فقدان الشهية للطعام وكذلك ضعف في القوى العقلية وفي الرغبة الجنسية، هذا بالإضافة إلى التشنجات والاضطرابات السمعية والبصرية والحسية، فضلاً اتساع حدقة العين والإصابة بالكآبة الشديدة ، كما يؤدي إلى التشنجات العصبية الناتجة عن ازدياد نشاط الجهاز العصبي وهبوط في التنفس ، وقد يقود ذلك إلى الوفاة أحياناً سيما إذا ما أصيب بتقلصات شديدة في الشرايين . وأخيراً فإن تعاطي مادة الكوكائين يؤدي إلى الاعتماد النفسي فقط .

(4)  أضرار تعاطي الامفيتامينات :

إن الامفيتامينات عبارة عن مواد منشطة للجهاز العصبي المركزي، وتكون على شكل مسحوق ابيض تصنع منه أقراص مخدرة ، وتعاطي مثل هذه المواد يؤدي إلى فقدان الشهية وتوسع حدقة العين وقلق مستمر وتشنجات مختلفة ، وكذلك قيام الشخص المدمن عليها بتصرفات وسلوكيات عدوانية ، وإن الاستمرار في تعاطيها يؤدي إلى حدوث اكتئاب نفسي وتلف في الدماغ ، ويؤدي تعاطيها إلى حدوث الاعتماد النفسي فقط .

(5)  أضرار تعاطي المهدئات والمنومات :

أن تعاطي مثل هذه المواد يؤدي إلى فقدان الشخص للاتزان الجسدي والنفسي وفقدان  الوعي ، وبالتالي فإن تصرفاته ستكون غير طبيعية ، وكذلك يؤدي إلى الإغماء والتشنج والأرق والصداع، وهذه المواد تؤدي إلى حدوث الاعتماد الجسدي ، ومما لا شك فيه أن هنالك كثير من الأفعال غير المشروعة - والتي يمكننا وصفها بالجرائم المتنوعة- تكون مثل هذه المواد سبباً في ارتكابها ، وتزداد خطورة هذه المواد بحيث تصل إلى  الوفاة في حالة التسمم التي قد تلحق بالمتعاطي .

ب.     من الناحية الاجتماعية .

لا شك إن الإدمان على تعاطي المخدرات يخلق من  المدمن شخصاً منبوذاً في نظر المجتمع ، مخالفاً للقوانين والأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد، وأول ما تظهر الأضرار الاجتماعية على المدمن نفسه حيث تجده منطوياً على نفسه مهملاً لواجباته الاجتماعية ، ويصبح لا مبالياً لكل ما قد يحدث ، بالإضافة لابتعاده عن رفاقه وأصدقائه عدا رفاق السوء الذين اقتادوه إلى ذلك المصير  .

ولا يتوقف الأمر عند حد المدمن فحسب ، بل تمتد تلك الأضرار  لتصيب كافة أفراد أسرته فيؤدي ذلك إلى هدم بناء الأسرة وبالتالي نبذ المجتمع للأسرة بأكملها ،  فضلاً عما قد يسببه ذلك من هدم الترابط والتكافل الاجتماعي وقتل روح العمل الإنساني ، وكل ذلك لا شك سيقود إلى انحراف بعض أفراد تلك الأسرة على الأقل سيما لو كان رب الأسرة هو نفسه المتعاطي ، الأمر الذي يؤدي إلى ارتكاب الجرائم كالسرقة والاحتيال والدعارة والشذوذ الجنسي والاعتداء على الأعراض والخيانة ، تبعاً للظروف الخلقية والعقلية والدينية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية السيئة التي باتت تعيشها تلك الأسرة .

جـ.     من الناحية الاقتصادية .

كلنا يدرك حقيقة أن المجتمع يزدهر وينمو بالجهود المبذولة من قبل أبنائه ، وبالتالي إذا أصيب الفرد بعقله وصحته ونفسيته فأنه لن يستطيع تقديم شيء لامته ، ولهذا فإن الأضرار الاقتصادية ناتجة عن عدم قيام أبناء الأمّة بتقديم الخدمات لمجتمعهم ، وعدم إسهامهم بأي ناحية من نواحي النمو والتطور ، تبعاً لتوقف قدراتهم الإنتاجيّة ، وهدر طاقاتهم كنتيجة حتميّة لتأثير المخدر على أجسامهم وعقولهم وأعصابهم ، الأمر الذي غالباً ما يؤدي إلى فصل المتعاطين من وظائفهم على اختلافها ، فيفقد أعداد كبيرة من المتعاطين أعمالهم ويعيشون عالة على الآخرين ، وتزداد نسبة البطالة وارتكاب الجرائم التي يبحثون من خلالها عن تأمين ثمن الجرعات .

ولا يتوقف حد الأضرار الاقتصادية على المدمن نفسه وأفراد أسرته ، بل يتعدى ذلك إلى الإضرار بالنمو الاقتصادي الوطني ، حيث أن إنفاق الأموال على شراء المخدرات يعتبر هدراً للأموال ويقلل من فرص القيام بالمشاريع المختلفة ، وكذلك سيؤدي إلى استنزاف للعملة الصعبة ، وخروجها خارج البلاد ، فضلاً عن المبالغ التي تنفقها الدولة لأغراض الوقاية والمكافحة والعلاج ، والتي قد تصل أحياناً إلى 3-5 % من الميزانيّة الكليّة لبعض الدول ، ومثل تلك الأموال لو قدر لها أن تستغل في مشاريع تنمويّة لساهمت بلا شك في نمو وازدهار تلك الدول بمختلف المجالات .

د. من الناحية الأمنية .

لقد بات ثابتاً إن تعاطي المخدرات يهيّئ الفرص لارتكاب العديد من الجرائم، فقد ذكرنا سابقاً فإن المدمن عندما لا يستطيع الإنفاق على نفسه ، وعندما لا يستطيع تأمين الأموال لشراء المخدرات ، فإنه بلاشك سيقوم بارتكاب الجرائم للحصول على المال ، وإذا ما أضفنا الحقيقة الرقمية التي تمثل أعداد المتعاطين في أي بلد ، وأيقنا بأن ربع ذلك العدد فقط سيقترف جرائم مختلفة بهدف تحصيل ثمن الجرعات ، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى زعزعة الأمن الداخلي لذلك البلد . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الأضرار الأمنية أول ما تلحق بالفرد نفسه ، حيث يعيش المدمنون في جو مليء بالخوف والقلق ، خوفاً من علم الجهات المسؤولة عن قيامه بتعاطي المخدرات وما سيلحق به من عقوبة ، وخوفاً من علم أسرهم ومجتمعاتهم الصغيرة بذلك ، فهم مدركون تماماً – في بداية فترات التعاطي على الأقل- انه إذا علمت عائلاتهم ومجتمعهم بأمر الإدمان على المخدرات ، فإن عقوبة ذاك ستكون اشد واكثر تأثيراً عليهم من علم رجال الأمن العام ، وهذا يسبب لهم خوفاً متكرراً يؤدي إلى الانطواء والانعزال عن باقي أفراد أسرهم ومجتمعهم .

وفي المقابل ؛ سيعيش أفراد أسرة المدمن بجو مليء بالرعب بسبب توقعهم قيامه بتصرفات غير طبيعية في أي وقت . ولذا يمكننا القول انه من الأضرار الأمنية التي تلحق بالمجتمع نتيجة انتشار  ظاهرة تعاطي المخدرات والاتجار غير المشروع بها، إثارة الرعب والفزع بين المواطنين بسبب الجرائم المختلفة التي يرتكبها المتعاطون خصوصاً في التجمعات والأحياء السكنية .

هـ. من الناحية السياسية .

إن انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات داخل الدولة يؤدي إلى زعزعة تماسكها من الداخل وبالتالي يسهل اختراقها والنيل منها ، بالإضافة لعدم الاهتمام بالقيم الاجتماعية والنظر الدائم للمصلحة الفردية وإهمال المصلحة القومية ، ومن الجدير بالذكر أن الأشخاص المدمنين على تعاطي المخدرات سيقومون ببوح أية أسرار تخص الدولة في سبيل الحصول على المخدرات لعدم إدراكهم لكنه أفعالهم.

و. من الناحية الدينية .

أن المدمن على تعاطي المخدرات سيفقد صلته بربه وبالتالي لن يقوم بأي واجب من الواجبات الدينية ، ويرجع ذلك إلى أسباب مختلفة جسدية ونفسية وعقلية ، ذلك أن تأثير المخدرات يشمل جميع أعضاء الجسم ، وبالتالي لن يقوى المدمن على القيام بالعبادات .مما يهيّئ الفرصة أمامه لارتكاب الرذائل نظراً للانحرافات السلوكية التي تحيط بأفعاله .

9.         تم تأسيس المجلس الوطني لمكافحة المخدرات والذي يضم كافة المؤسسات الرسمية والشعبية والأجهزة الأمنية والذي قام بدوره باطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات ، والتي تهدف إلى محاربة آفة المخدرات والحد من انتشارها من خلال تكاتف كافة الجهود

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة