أذرح والجرباء

أذرح والجرباء 

 قريتان في الاردن ، متجاورتان ، ومتلازمتان إذا ذكرتا ؛ تقعان شمال غربي مدين معان ، وأذرح جمح ذَريح وهي الهضاب الحُمر التي تنبسط على الارض ، أو جمع الذَرَح ؛ والذرح شجر تتخذ منه الرحال ، والجرباء : كأنه تأنيث الأجرب ؛ ووقع عند بعض رواة البخاري ممدواً ( جربى )؛ وهو خطأ ، وفي القاموس المحيط: ( والجرباء : السماء ، أو النّاحية التي يدور فيها فلك الشّمس والقمر ، والأرض المقحوطة ، والحرية المليحة ).

وفي كل من أذرح والجرباء قال ياقوت الحموي :( هو اسم بلد في اطراف الشام من أعمال السراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز ). وأذرح هي المدينة الريئسية في الشراة سابقاً ؛ قال الإدريسي :( وشراة مدينتها تسمى       أذرح )

ذكرهما البني صلى الله عليه وسلم ؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه عن البني صلى الله عليه وسلم قال (أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح ) وفي صحيح مسلم :( إن أمامكم حوضاً ، ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح )

تم فتح أذرح والجرباء في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع للهجرة صلحاً وذلك لمّا حل جيش المسلمين في أرض تبوك ولم يرى أثراً لجيش الروم ، وكأن جنود الروم لمّا علموا بكثرة جنود الإسلام وبشهامتهم وتضحيتهم النادرة التي شهدوا نموذجاً منها عن كثب في غزوة مؤتة رأوا من الصالح أن ينسحبوا إلى داخل بلادهم ، ولا يواجهوا المسلمين .

ولمّا كان هناك حكام وولادة يعيثون في المناطق الحودية الشامية والحجازية فساداً ، ولهم نفوذٌ كبيرُ في قبائلهم ومناطقهم ، وكان من المحتمل بقوة أن يستغل الروم قواهم ضد الإسلام ، فقد تعيّن أن يعقد الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة عدم إعتداء ؛ ليأمن جانبهم ، ويحصل على أمن أوسع ، فأجرى عليه الصلاة والسلام اتصالات مباشرة مع أولئك الحكّام والولاة الذين كانوا يعيشون على الشريط الحدودي على مقربة من تبوك ، وعقد معهم معاهدات عدم تعرض وإعتداء بشروط خاصة ؛ ليحقق بذلك مزيداً من الأمن للمسلمين ، فاتصل الرسول صلى الله عليه وسلم شخصياً بزعماء أيلة – العقبة – وأذرح والجرباء .

قال الواقدي : ( نسخت بيدي كتاب أذرح وإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح ، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة ، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين ، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة والتعزيز إذا خشوا على المسلمين وهم آمنون ، جتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه )

وفي كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم :( أذرح : مدينة متطرفة حجازية شامية ، وعندهم بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده وهو مكتوب في    أديم )

كان ملك أيلة قد خشي أن يرسل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً يحاربه ، فقدم على النبي عليه الصلاة والسلام واشترط عليه النبي قرى من مرّ بهم من المسلمين  ، وكتب لهم كتاباً أن يحفطوا ويمنعوا ، وقد ذكر ابن كثير [8]مصالحته صلى الله عليه وسلم ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل عودته من تبوك في السنة التاسعة للهجرة ، ولمّا انتهى رسول الله الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة[9] ملك أيلة ، فصالح رسول الله واعطاه الجزية ، ( وأهدى ملك أيلة النبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء ، وكساه بُرداً ، وكتب له ببحرهم )  ونصه ( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سنُُفُنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من اهل الشام ، واهل اليمن ، واهل البحر فمن أحدث منهم حدثاً فانه لا يَحُول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقاً من بر أو بحر ) زاد ابن اسحاق بعد هذا ( وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ، وقال ابن اسحاق :           ( أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل ايلة بردة من كتابه أماناً لهم ) ، وفي كشف الظنون : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من أملى كتب العهود والمواثيق منها عهده لنصارى أيلة بخط علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ) ، وقال ابن سعد  ( كساه رسول الله صلى الله عليه وسلم برداً يمانية ، وأمر بإنزاله عند بلال ) ، وأما البردة فاشتراها أبو العباس بثلاثمائة دينار ، فكانت عند معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه وفقدت عند زوال دولة بني أمية.

هذا الكتاب يكشف عن قاعدة مهمّة في السياسة الإسلامية ، وهي أن أي شعب أراد أن يسالم المسلمين وفّر الإسلام له كل امن وسلام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح بقية الحكّام الحدوديين ، مثل سادة أقوام أذرح وجرباء التي تتمتع بأهمية إستراتيجية وبذلك ضمن أمن المنطقة الإسلامية من ناحية الشمال .

ولأذرح والجرباء تاريخ ثرٌ فذّ بين الآثار الإسلامية في الاردن ، لأن من يقف عليه ويشاهده بوعي يرى فيه الحاضر الماثل ، يراه حياً بيننا بتداعيات ما وقع فيه قبل قرون ، ففي سنة 37هـ نشبت معركة صفّين على شاطئ نهر الفرات من الجانب الغربي بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، وشبّت الحرب ، وقُتل خلق ٌ، وضجروا ، فرفع الناس المصاحف وقالوا : ندعوكم الى كتاب الله ، والحكم بما فيه ، وكتبوا بينهم كتاباً على ان يوافوا الى أذرح ، وانتهت المعركة بقبول مبدأ التفاوض والتحكيم ، واختيرت منطقة أذرح مكاناً للقاء    الحكمين [16] عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وسمي ذلك بعام أذرح


شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة