ألعاب الفيديو تزيد كفاءة الدماغ

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 9

كشفت دراسة حديثة، أجراها باحثون بجامعة كاتالونيا المفتوحة في إسبانيا ومستشفى ماساتشوستس العام بالولايات المتحدة، أن ألعاب الفيديو يمكن أن تغير مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والمهارات البصرية، وتجعلها أكثر كفاءة.

بحثت الدراسة المنشورة في دورية (Frontiers in Human Neuroscience)، مايو الماضي، أيضًا مناطق الدماغ المرتبطة بنظام المكافأة، وكيفية ارتباطها بعمليات إدمان ألعاب الفيديو.

تابع الباحثون نتائج 116 دراسة علمية أُجريت في هذا الشأن، بينها 22 دراسة رصدت التغيرات الهيكلية التي تطرأ على الدماغ، وراقبت 94 دراسة التغيرات التي تحدث في وظائف الدماغ أو السلوك، فوجدوا أن ألعاب الفيديو يمكن أن تغير من كيفية أداء الدماغ، وحتى هيكله، كما يمكنها أن تؤثر على اهتماماتنا.

وكشفت النتائج عن أن مناطق الدماغ المشاركة في عمليات الاهتمام والمكافأة أكثر كفاءة لدى مَن يمارسون ألعاب الفيديو، وأثبتت أن ألعاب الفيديو يمكن أن تزيد أيضًا من حجم مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة المكانية وكفاءتها؛ إذ تؤدي إلى توسيع منطقة الحصين الأيمن.

لكن في المقابل، تشير الدراسة إلى أنه يمكن لألعاب الفيديو أيضًا أن تتسبب في الإصابة بما يسمى «اضطراب ألعاب الإنترنت»، إذ إنها تُحدِث تغيرات وظيفية وهيكلية في نظام المكافآت العصبية لدى مدمنيها. ووفق القائمين على الدراسة، تماثل هذه التغيرات العصبية تلك التي تظهر في اضطرابات الإدمان الأخرى مثل إدمان الكحول والتدخين وغيرها.

علاج الإعاقة المعرفية

وفي تصريحات لـ"للعلم"، قال مارك بالوس -قائد فريق البحث بجامعة كاتالونيا المفتوحة في إسبانيا-: إن الدراسة تأتي في سياق مشروع بحثي كبير يدرس كيفية تحسين الإدراك البشري أو المهام المعرفية الأخرى، عبر استخدام ألعاب الفيديو أو تقنيات تحفيز الدماغ التي تعتمد على حفز الخلايا أو الشبكة العصبية في الدماغ باستخدام تيار كهربائي لأغراض علاجية أو بحثية.

وأضاف أن الهدف الأساسي من الدراسة هو أن نكون قادرين على تطبيق كل هذه المعرفة لتطوير برامج إعادة تأهيل فعالة للأشخاص الذين يعانون إعاقاتٍ معرفية خفيفة.

ومن المعلوم أن قدرتنا على أداء مهام متعددة، وإمكاناتنا في السيطرة المعرفية تنحدر خطيًّا وتدريجيًّا مع تَقَدُّمنا في العمر. وقد أظهرت دراسة نشرتها دورية نيتشر أن التدريب الإدراكي يمكن أن يساعد في إصلاح هذا الانحدار. ولوحِظ أنّ المسنِّين الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و85 عامًا الذين تدربوا في المنزل بممارسة لعبة «نيوروريسر» NeuroRacer -لعبة فيديو ثلاثية الأبعاد، مصمَّمة خصيصًا لتدريب كبار السن إدراكيًّا- تحسنت قدرتهم على أداء مهام متعددة، كما تحسنت السيطرة الإدراكية لديهم، مع آثار إيجابية تواصلت لستة أشهر. وامتدت فوائد هذا التدريب إلى وظائف إدراكيّة لم يتدربوا عليها، كتَواصُل الانتباه، والذاكرة العاملة. وتشير هذه النتائج إلى أنّ الدماغ المُسِنّ قد يكون أكثر لدونة (قابلية للتشكل) مما كان يُعتقَد سابقًا؛ مما يتيح التعزيز الإدراكي باستخدام استراتيجيات مصمَّمة على نحو سليم.

وعن الوقت الذي يستغرقه الدماغ للاستجابة للتأثيرات العلاجية لألعاب الفيديو قال بالوس: "الدماغ لا يستغرق وقتًا طويلًا لبدء التغييرات وتحسين الإدراك؛ إذ إن الفترات القصيرة التي تقل عن 10 ساعات أظهرت بالفعل آثارًا ملموسة".

وكانت ألعاب الفيديو الناجحة تجاريًّا قد ظهرت في بدايات 1970، كوسيلة للترفيه في صالات الألعاب، وسرعان ما شقّت طريقها إلى المنازل أيضًا. في الوقت ذاته، أجرى مُقدمو الرعاية الصحية العقلية العديد من المحاولات لاستخدامها كجزء من العلاج النفسي.

ووفق المركز الوطني للمعلومات التقنية الحيوية التابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، فإن الألعاب الإلكترونية والترفيهية، استُخدمت على نطاق واسع في تعزيز الصحة وتحسين الأداء البدني والنفسي للمرضى، وزيادة الحافز والاهتمام، والمشاركة، والمعرفة، والكفاءة الجسدية، وساعدت في تقليل الغثيان المرتبط بالعلاج الكيميائي، وحالات توتُّر ما قبل الجراحة وإعادة التأهيل المعرفي.

العلاج بالألعاب

 ورغم الجدل الدائر بشأن تصنيف إدمان ألعاب الفيديو كاضطراب عقلي ضمن دليل التشخيص والإحصاء للاضطرابات العقلية، تناولت عشرات الأبحاث الفوائد العلاجية لتلك الألعاب، إذ خلصت دراسة أجراها باحثون بجامعة كاليفورنيا الأمريكية إلى أن ألعاب الفيديو قد تكون قادرة على علاج الاكتئاب، من خلال ممارسة نوعية محددة من الألعاب، لا سيما تلك التي تعزِّز بعض وظائف الدماغ.

وفي بحث آخر، استطاع علماء من جامعة "ماكجيل" في مونتريال بكندا استخدام نسخة من لعبة "تيتريس"، في علاج أشخاص يعانون من مرض "الغمش"، أو ما يُعرف بمرض العين الكسول الذي يُفضي إلى ضعف البصر. فعن طريق التدريبات، من المفترض أن يتعلم مخ اللاعب طريقةً أفضل لتنسيق الرؤية بين العينين، ومساعدة العين الضعيفة في إعادة اكتشاف كيفية رؤية الأشكال وتحسين إحساس العين بعمق تلك الأشكال داخل الصورة نتيجةً لذلك.

وفي السياق ذاته، كشفت دراسة علمية ألمانية نُشرت في مجلة "الطب النفسي الجزيئي" أن لعبة "سوبر ماريو"، إحدى أنجح ألعاب الفيديو وأكثرها انتشارًا عبر أجهزة نينتندو اليابانية، تؤدي إلى تقوية بعض المناطق في الدماغ، لا سيما المسؤولة عن الاتجاهات وتدريب الذاكرة والتخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى المهارات الحركية الدقيقة.

وعن نوعية الألعاب المفيدة، أشار بالوس إلى أنه لا توجد ألعاب معينة قد تحسن وظائف المخ المعرفية، ولكن الفائدة تتعاظم في حال ممارستنا مجموعةً واسعةً من ألعاب الفيديو.

وأوضح أن الألعاب التي تعتمد على الرماية مفيدة في تدريب انتباهنا ومهاراتنا البصرية، إذ تُحسِّن ردود الفعل لدينا وتجبرنا على الاستجابة بسرعة وبدقة لما يحدث على الشاشة.

من جانبه، اتفق محمد لطفي -أستاذ ورئيس قسم جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب قصر العيني جامعة القاهرة- مع نتائج الدراسة، مؤكدًا أنها تأتي لتدعيم دراسات أخرى أُجريت في هذا الشأن حول الاستخدامات الطبية لألعاب الفيديو في علاج أمراض المخ والأمراض النفسية.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن التأثير الإيجابي لألعاب الفيديو على الدماغ يكون وفق نوعية اللعبة؛ إذ تُسهم الألعاب التي تركِّز على الأماكن في تنمية مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة المكانية، فيما تُسهم الألعاب التي تركِّز على المهارات البصرية في تحسين الرؤية، وينطبق ذلك على الألعاب التي تعتمد على المهارات المعرفية والذاكرة والألغاز.

خطر الإدمان

في المقابل، قال أيمن إبراهيم باشا- أستاذ مساعد جراحة المخ والأعصاب بكيلة الطب جامعة كفر الشيخ-: إن موضوع ألعاب الفيديو لا يخلو من التناقضات، فرغم الأثر الإيجابي الذي ذكرته الدراسة، أقرَّ فريق البحث بخطر الإدمان كأثر جانبي.

وأضاف باشا لـ"للعلم" أن الدراسة تابعت نتائج 116 بحثًا أُجري حول ألعاب الفيديو، لكن ينقصها عرض الجوانب المختلفة لتلك البحوث، مثل خصائص المشاركين وأعمارهم، ومميزات كل نوع من ألعاب الفيديو، والأهداف التي أُجريت من أجلها تلك الدراسات.

ورأى أن ألعاب الفيديو قد تسبب الإدمان، أو تَشتُّت انتباه الأطفال، وربما تدفعهم إلى العزلة الاجتماعية والإصابة بالتوحُّد في حالة إدمانها. وأضاف: وإذا كانت الدراسة قد أثبتت أن ألعاب الفيديو تعالج الاضطرابات المعرفية المعتدلة فهذه قضية أخرى، لكن يجب ألا نُغفِل آثارها الجانبية.

فيما أشار لطفي إلى أن خطر إدمان تلك الألعاب يأتي فقط عندما يفرط الأشخاص في استخدامها، ما يؤثر على حياتهم اليومية، وذلك بسبب المؤثرات السمعية والبصرية التي تدخل في تكوين تلك الألعاب، وتجذب الأشخاص إلى الاستمرار في اللعب والبحث عن تحقيق إنجاز في اللعبة لفترات أطول.

وفي الإطار ذاته، أوضح بالوس أنه "على مر السنين، تناولت وسائل الإعلام المختلفة الادعاءات المثيرة حول أضرار ألعاب الفيديو وفوائدها وتأثيرها على صحتنا وسعادتنا، ولكن من دون بيانات حقيقية تدعم هذه الادعاءات"، على حد قوله.

وشدد على ذلك بقوله: "ركزت دراستنا على كيفية تفاعُل الدماغ مع ممارسة ألعاب الفيديو، ولكن مجال البحث في آثار ألعاب الفيديو لا يزال في مهده".

واختتم حديثه بالقول: "من المرجح أن ألعاب الفيديو إيجابية فيما يتعلق بالاهتمام والمهارات البصرية والحركية، لكن لها جوانب سلبية تتعلق بخطر الإدمان"، مشددًا على أنه "من الضروري أن نستوعب هذا التعقيد".

وعن الحد الآمن لممارسة ألعاب الفيديو دون أن يتطور الأمر إلى الإدمان، قال بالوس: "إذا كنا نشعر بالقلق إزاء خطر الإدمان، فعلينا أن نضمن أن الوقت الذي نقضيه في ألعاب الفيديو لا يؤثر على الجوانب الأخرى من الحياة اليومية، مثل المدرسة والعمل والعلاقات الاجتماعية".

وأضاف أن "ألعاب الفيديو -كغيرها من أشكال وسائل الترفيه- لا ينبغي أن تأخذ كل أوقات فراغنا، فعلى الرغم من وجود فوائد تعود على دماغنا من ورائها، لكن تظل الأنشطة البدنية والاجتماعية والفكرية الأخرى مفيدةً أيضًا لتحسين الإدراك".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة