أم العز.. قصة عن أطفال النطف المهربة

داليا.. ام العز

ينعن اخت الزعل

داليا، بسبب "الزعل" والحزن الشديد فقدت جنينها الثاني..

بدأت القصة تحديداً منذ سبع سنوات، حين حاصر الجنود المسعورين منزلها الذي تقطن فيه رفقة زوجها الشاب وطفلتهما الصغيرة ذات العامين.كان وقع أقدام الجنود حول المنزل هو ما أيقظ داليا بسمعها المرهف. إنها تسكن داخل أزقة المخيم ولم يكن سهلاً أن تتوغل الجيبات العسكرية وصولا الى باب البيت. لقد أدى الجنود المشاة هذه المهمة.حاصروا المنزل وطفقوا يضربون على الباب بعنف، لم ينتظروا دقيقة واحدة! لقد فجروا باب البيت وأصبحوا في الداخل؛ فوق رؤوس النائمين.بالكاد سترت داليا نفسها بملابس الصلاة وشرعت تصرخ بعنف وخوف، كان الصراخ السلاح الوحيد في كنف امرأة عزلاء يُضرب زوجها ويُقاد أمامها إلى مصير مجهول..ما انفكت الصغيرة تبكي ويرتجف جسدها رعباً من هول ما يحدث، إنها أصغر من أن تدرك خشونة الموقف وبشاعة مايعنيه.لقد أخذوه.. أخذوا سالماًركضت داليا وهي تبكي خلف الآليات المصفحة الخارجة من المخيم، كانت تحمل ابنتها بيد وترفع طرف تنورتها باليد الأخرى لتتمكن من توسعة خطواتها.. لكنها لم تلحق بهم.. أبداً ولم تثر شفقتهم!لقد كان الأمر شاقاً! واستغرق ذلك كثيراً من الصفعات العصبية للصغيرة حتى تتوقف عن قول كلمة بابا.. كانت الكلمة تثير استياء داليا وغضبها وحزنها وتدفعها للبكاء بهستيرية وضعف وقلة حيلة.. بيد أن المشكلة حُلت بعد عدة أيام بصفع الصغيرة إن هي طلبت والدها..لقد توقفت عن مناداته حتى يقض الله أمراً.. مضى بعض الوقت لتتكيف داليا مع الوضع الجديد.. اعتقل زوجها، وفقدت جنينها الذي كانت تحتضنه بحب ولذة في أحشائها، وطفلة صغيرة تكبر أمامها يوماً وراء يوم بدون أب-على الأقل حتى إشعار آخر! ******لقد مضى الأمر، فالحياة لاتتوقف.. ها نحن ننهي اليوم العام السادس، لينا الصغيرة أصبحت في الثامنة، وهاهي تستعد لدخول الصف الثالث وداليا تعمل في روضة أطفال، وتعيش في شقة صغيرة ملاصقة لبيت العائلة، تزور سالم مرة كل شهر وتأخذ معها لينا، لابد لها أن تراه ويراها فتنحفر الملامح وتتجدد الألفه، أما المحبة فهي خالدة!الصيف الماضي طلب سالم أن تأتي داليا وحدها، بدون والدته وبدون لينا ولا أي أحد، هناك أمر ما..فكرت داليا... لم تنم اليل بأكمله، لم تعرف كيف انقضت الساعات وكيف ابتلعَ الوقتُ طول الطريق ووصلَت أسوار السجن.. أخيراً هي هناك، تمسك السماعة بيدها وتحدق عبر الزجاج بعينيه..- ماذا؟ أخبرني.. لقد أرهقني التفكير- عزيزتي، لست أعلم كيف يمكنني ترتيب الكلام وصياغته ليغدوا إكسسواراً مزيناً لفكرتي، فتتمكني من تقبلها واستيعابها بشكل أفضل- أخبرني ماذا لديك- أريد أن أنجب طفلاً، أخ أو أخت للينا.. والآن.. وهنا..مرت لحظات من صمت..- أنت جاد؟- أنا جاد الى أبعد مدى يا عزيزتيكانت تعابير كثيرة ترتسم على محيا الزوجة، الدهشة كانت أعظمها، الاستغراب، الاستنكار الخوف.. عدم التصديق والحيرة-عزيزي..- أجل داليا، سيكون كل شيء على مايرام.. لا تقلقي يا عزيزتي.. فكري بالأمر بجدية. أنا أعني ما أقول.. فكري بالأمر وسوف أطلعك على التفاصيل في مكالمة هاتفية ريثما يتوفر أحد الهواتف المهربة هنا، فكري بالأمر.. ها.. جيداً ****أسرَّت داليا عن الطلب الغريب لإحدى زميلاتها المقربات في العمل، الزميلة أخبرت داليا بأن ذلك ليس مستحيلاً.. أخبرَتها بأن هناك تجارب سابقة مماثلة.. الأمر صعب لكنه ليس مستحيلاً!هذا التشجيع المبطن من زميلة العمل، دفع داليا للتفكير بصوتٍ أعلى، لقد أخبرت أمها وأخواتها ووالدة زوجها، وبدأ الجميع يناقش الأمر بلا خجل.. كل الأمور الجديدة والغريبة غير الاعتيادية تكون مستهجنة في البداية، ومن ثم فإن الجميع يباركها ويتبناها.. بل ويفاخر بها!طريقة الحمل غير الاعتيادية ومشقتها؛ إضافة الى حديث الناس الذي لن ينتهِ كان أكثر ما أثار ريبتها وضيقها. بيد أنها فكرت مرات ومرات.. خاطبت الصديقات والأقرباء.. سجدت لله مراراً في صلوات الاستخارة وناجته كلما سمعت صوت الأذان.. لقد طلبت من رب الكون ومن الكون بأكمله المعونة.."يارب إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ودنياي فيسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي فأبعده عني وأبعدني عنه واقدر لي الخير حيث تشاء"رن هاتفها الخليوي..-أنا موافقة، قالت داليا-حقاً، هل أنت جادة؟ واثقة؟ راضية من أعماقك؟ أم أن هناك من أجبرك على الموافقة؟-بل أنا مقتنعة تماماً ومستعدة، بل ومتشوقة أيضاً-حسناً إذاً.. راجعي طبيبك وأخبريني التفاصيل لتكون الزيارة القادمة موعدنا-بإذن الله.. إبق بخيرانتهت المكالمة بالإيجاب والقبول.. مضى الكلام وبدأ العمل الحقيقي الآن! *****راجعت داليا طبيبها الخاص، والمركز الطبي المتخصص بالتلقيح المخبري. وتم تجهيز كل شيء لتغدو المهمة الصعبة أيسر. وفي الزيارة التالية كانت البطلة لينا الصغيرة.. إنها مستعدة لتنقل مني والدها ونطفة أخيها أو أختها المستقبليين وتشارك في جلب حياة جديدة إلى هذا العالم.. إنها تساهم في صنع قدر للعائلة!وصل الأهالي الى السجن وحادثوا أبنائهم واطمئنوا عليهم، وفي الدقائق الأخيرة عندما سمح للأطفال بمصافحة آبائهم وملامستهم تمت المهمة..عانق سالمٌ طفلته ودس في يدها كيساً من البلاستيك الشفاف، بداخله قطعٌ صغيرة مغلفة من السكاكر.-هذه لماما، احتفظي بالكيس جيداً وستكافأك هي بلعبة جميلة جديدة!انطلقت لينا بالغنيمة المغلفة الى والدتها.. حاولت داليا تمالك أعصابها قدر المستطاع.لا شيء في هذا الكون يستطيع رسم صورة كاملة لما كانت تشعر به هذه المناضلة المتعبة، المخاطرة بحد ذاتها كانت حكاية.. وما في قلبها لن يعلم به أحدٌ غير الله..أخذت داليا الكيس ودسته في حافظة طعام مبردة حتى تصل الى المدينة.. وحالما وصلت سارعت الى المركز الطبي. كان أخوها والأطباء بالانتظار، وأخذو يبحثون بين السكاكر المغلفة عن تلك الشوكولا المفخخة بالمني!فكوا أغلفة القطع جميعها وأخذت داليا تضغط ضغطاتٍ خفيفة بأصابعها حتى تبينت قطعة الشوكولا المحددة؛ قسمتها الى نصفين واستخرجت قطعة نايلون بحجم عقلة أصبع. كيسٌ صغيرٌ جداً ينام بداخله ما سيصبح قريباً صغيرها، ينام هادئاً مطمئناً.. *****باشر الأطباء حفظ المني بوسائلهم الخاصة، وحدد موعداً خلال الأيام القادمة يتناسب وتوقيت تبويض داليا، ليتم تلقيح البويضة بالمساعدة الطبية الضرورية.وتم الأمر!بحضور شهود من عائلة داليا وعائلة سالم، تمت الموافقة وإشهاد الجميع أن الأمر قد حصل في المركز الطبي، وأدخلت دليا الى العملية.. انتظرها الجميع بشوق وترقب، حتى أنهت عمليتها، وانتظروا جميعاً مرور بعض الوقت حتى يظهر في التحليل الطبي أن المرأة غدت حاملاً.في السجن..كان سالم ينتظر بشوق وقلق، أمله بالله كان كبيراً.. وإمكانية نجاح العملية من بدايتها في الاستمناء وانتهاءً بالتلقيح المخبري كان موازياً تماماً لإمكانية فشل الأمر؛ فكثير من الأسرى عمدوا الى الإنجاب بالطريقة ذاتها، منهم من نجح ومنهم من فشل.. ليس أمامه إلا الانتظار.. الانتظار وحسب.رفاقه المقربين والمقربين من المقربين، واتسعت الدائرة كثيراً؛ الجميع كان يعلم أن سالماً ينتظر نتائج فحوصات زوجته، كانوا يصلّون بصمت وصدق آملين من الله أن يتم الحمل ويخرج الطفل الجبار الى النور.. هذا الطفل الذي لن ينسى أحد أبداً كيف حارب قبل أن يولد وتحدى ظلام السجن ليخرج إلى هذا العالم.. رغم أنوفهم وأسوارهم ******* أقدام داليا لا تكاد تحملها، تمشي ووالدة زوجها العجوز، تساعد العجوز على المشي.. لا أحد منهم يعرف من يتعكز على الآخر، لكن بدا أن داليا هي من يحتاج كتفاً تتكأ عليه..بيدً مرتعشة مدت يدها لتأخذ الورقة التي تحمل رسماً مستقبلياً لقدرها.. أمر سيغير كل شيءالأطباء يقفون بصفٍ مائل والممرضون، كذلك بعض أقارب وأصدقاء سالم وداليا.. لقد جاؤا أيضاً، برغم الخجل الذي يعتريها لكن وجودهم كان ضرورة ملحة وحاجة.ارتبكت داليا، خانتها الأصابع المرتعشة فلم تستطع فتح الورقة المطويةاختصر الطبيب الأمر-عزيزتي. مبارك، أنت حامل وليباركك الله القدير ويتم الأمر على خيرالدموع انهمرت بلا توقف، البكاء كان تعبيراً وحيداً قادراً على تفسير كل ما يحدث، زغرودة انطلقت من فم والدة سالم هزت أركان المكان والدموع انهمرت من عيون كل من هناك، حتى الرجال لم يستطيعوا صبراً..لقد كان عُرساً للأملالحمد لله، الحمد لله *****مرت الشهور التسعة، وخرج الشبل من رحم التحدي الى رحم الحرية.لقد فعلتها داليا وفعلها سالمهكذا يرسم الفلسطينييون نصرهم ومجدهم.. يقعون فلا ينكسرون.. يناضلون ليقفوا مجدداً..تحاول الحياة إقناعهم بأن الأمر انتهى عند هذا الحد.. ولكن لاحدود لهميضربون صخور اليأس بمعاول الأمل، فيتفجر النور كينبوعلقد جاء "عز الدين".. أسماه والده عزاً، لأنه جاء بعزة وكرامه.. ولأن داليا كانت قوية عزيزة لما أنجبته.. ولأن كل قيود هذا الكون لن تسلب منا العزة..منذ اليوم أصبح سالم "أبو العز" بيسان عناب

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة