أيّ مصير ينتظر العالم بعد سقوط حلب؟!

  • الكاتب MY Dream
  • تاريخ اﻹضافة 2016-12-17
  • مشاهدة 10

كان النصف الأول من القرن الماضي شاهدًا على أسوأ اللحظات في تاريخ العالم الحديث، الحرب العالمية الأولى والثانية، الكساد التجاري الأعظم، موجات متتابعة من الاستبداد والمذابح الجماعية. تعددت الأسباب إلا أن ذروة سنامها كان في احتماء الدول الكبرى بحدودها، وانكفائها على نفسها، ظانّةً أنها بذلك بعيدةً كل البعد عن مشكلات الجغرافيا والسياسة، والاقتصاد، متنصلةًَ عن مسؤولياتها في معالجة الأمور خارج حدودها، فانسحبت الكوارث عليهم دون مبالاة، وكان ما كان.

أنتجت لنا هذه الحقبة السوداء نظامًا عالميًا جديدًا، يقر مبدأ التعاون المشترك، والتجارة الحرة، ويرفع مصالح النظام العالمي فوق مصالح الدول والمؤسسات، ورغم أنه كان مجحفًا للدول، الراغبة في تغيير موقعها من الخريطة السياسية، الطامحة لما هو أعلى من مكانتها، إلا أن دولًا استطاعت أن تتخطى الأدوار المحددة لها سلفًا، من خلال تقوية الداخل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، والتماهي الخارجي من خلال التحالفات والتراتبات الدولية المعقدة. أمثال تركيا وإيران واليابان وغيرها من الدول التي خرجت عن المسار قليلًا، برغبة ذاتية، في تحدٍ (محسوب) للنظام العالمي الحديث.

تحت عنوان ⨠خارج النظام≫، نشرت مجلة السياسة الدولية ≪فورين أفيرز≫ تقريرًا فريدًا. نتناول في الأسطر القادمة، الدور الذي لعبته الثورة السورية في تغيير النظام العالمي، معددين مآلات المرحلة الحالية، التي سقطت فيها حلب، إيذانًا – ربما – بهزيمة الانتفاضة السورية، كما يراها البعض.

6 أعوام مليئة بالدروس والعبر

في 17 ديسمبر(كانون الأول) لعام 2010، أضرم الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في العالم العربي، وكان العالم العربي من جراء الظلم والاستبداد مستعدًا لهذه الجذوة من النار. تلقفتها يد الشباب التونسي فأسقطوا بها نظام بن علي في 14 يناير(كانون الثاني) 2011. وسرعان ما انطلقت إلى الشبان في مصر فأحرقوا بها نظام مبارك، رحل مبارك عن السلطة في 12 فبراير(شباط)، لتنطلق ثورة الليبيين بعدها بثلاثة أيام.

ليبيا لم تكن كمصر وتونس، كما قال الراحل معمر القذافي، ربما لأنّ بها رجلًا عُرف عنه الجنون، وهو بالفعل ما دفعه لقتال الثورة بوحداتٍ من الجيش كان يسيطر عليها، وميليشياتٍ إفريقية كان يشتريها بالمال، ولأنّ بلاده كانت غنيةً بالنفط، وحدوده مفتوحة على البحر، في مواجهة شواطئ القارة العجوز، وبلاده إذا ما ضاعت ستفتح صنبور اللاجئين إلى أوروبا، ولأن علاقاته الدولية لم تكن كذلك بالقدر الكافي كغيره، تدخّل النظام العالمي لإسقاطه، مخافة أن تذهب البلاد إلى الفوضى، أو في روايةٍ أخرى: خوفًا منه!

تزامنًا مع ما حدث في ليبيا كانت اليمن تشقّ طريقها، وسقط نظام علي عبدالله صالح بعد عام من الثورة، لأنه استطاع مغازلة النظام العالمي بورقة القاعدة، ولأن تفاهمات خليجية سبقت استقالته.

الأمر في سوريا كان مغايرًا، لأسباب عدة، منها أن النظام السوري كان صلبًا للنهاية، ولم تكن بوادر انشقاق سياسي أو انقلاب قصر يلوح في الأفق. وثانيها أن النظام وجد له حلفاء أوفياء للنهاية، وثالثها أن الأسد عرف من أين يؤكل النظام العالمي، وهو ما سنأتي على تفصيله.

لماذا كانت الانتفاضة السورية استثناءً؟

التسوية السياسية

قوبلت الانتفاضة منذ بدايتها بالقمع المعروف في سوريا عن آل الأسد، وحُمل السلاح مبكرًا في وجه النظام الذي لم يفتح أفقًا للحوار مع معارضيه. تجدر الإشارة هنا لنقاط تبايُن الثورة السورية عن باقي ثورات الربيع العربي، ولنبدأ بملفالديموغرافيا، إذا تمتاز البلاد بتنوع عرقي وطائفي، يرجع لتاريخيَّة المنطقة، ولا يتواءم توزيع السلطة في سوريا مع توزيعات الديموغرافيا.

هذه المشكلة جعلت التدخل الخارجي من قبل حزب الله وإيران والسعودية مبكرًا بما أخرج الثورة عن مسارها، ووطنيتها، في وقتٍ مبكِّر. وبدأت ميليشيا حزب الله رحلتها في سوريا بلا مواربة، تعاضدها وحدات الحرس الثوري الإيراني، في حين كانت المملكة العربية تبحث بين الفصائل المعارضة عن حلفائها لتزودهم بالسلاح والمال، في نفس الوقت الذي دعمت فيه الأسد أيضًا! وتحولت الثورة إلى صراع طائفي، امتدادًا للحرب الباردة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية في المنطقة.

العلامة الثانية، التي تميزت بها الانتفاضة، تمثلت في لعب التنظيمات الجهادية دورًا أساسيًا، واستطاعتها في وقت قصير أن تكون رقمًا في المعادلة. وهذه الإشكالية تتقاذفها الأطراف، فبين من يتهم النظام بإيجاد هذه المجموعات لخلق مبررات للقمع، وهذا تمثل حقيقةً في إصدار
الرجل قرارات بالعفو عن سجناء راديكاليين، كانوا فيما بعد عناصر ضمن ميليشيات جهادية، وبين من يجعل المملكة العربية السعودية، سببًا في وجود هذه الجماعات بالدعم والتسهيلات.

على أي حال، استطاع بشار الأسد إيجاد مسوغٍ للقتل والتنكيل بالمعارضين، كما أوجد بديلًا أسوأ منه لا يمكن للعالم أن يذهب لمساعدته أو يرتاح لوجوده. تزامن هذا مع بعض حوادث التفجيرات شهدتها العواصم الأوروبية كان أكثرها بشاعةً،هجمات بروكسل، عاصمة الاتحاد، وباريس.

ومن هنا تحوّل بشار نسبيًا إلى محارب لـ ≪الإرهاب≫، رغم أنه من أوجد البيئة الحاضنة، العالم بالنهاية تعامل مع الوضع القائم دون تمحيص.

اقرأ أيضًا: هجمات «الذئاب المنفردة» تؤرق الغرب

كيف نجح بشار الأسد؟

الحديث عن نجاح بشار الأسد في هذه المرحلة من عمر سوريا، ليس مقصودًا به بالتأكيد فرض سيطرته على سوريا، وإنما قضائه على الانتفاضة وكسر شوكتها. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ناشطون، عن ضرورة استكمال القتال في وجه بشار الأسد، وقواته الرديفة -حزب الله والحرس الثوري والطيران الروسي-، يتحدث محللون عن فوات الأوان على هزيمة الأسد، بعد سقوط حلب.

لذا نحاول أن نُجمل في هذه السطور، الركائز الأساسية لنجاح الأسد، الذي توّجَهُ أخيرًا بالسيطرة على حلب.. فأولًا أجاد بشار الأسد استخدام عامل الوقت لصالحه وتماسك في الأشهر الأولى، حين بدت الثورة غالبة، حتى أتاه المدد في سبتمبر(أيلول) 2015، بالمشاركة الروسية، وتغير الموقف الدولي تجاهه للأسباب المذكورة عاليه.

أجاد كذلك اللعب بورقة اللاجئين، وبها ألقى الرعب في قلوب الزعماء الغربيين، فكان الخروج البريطاني في أغسطس(آب) الماضي أكبر شاهد على هذا الخوف. وهنا كان أقصى ما يتمناه القادة الأوروبيون هو انتهاء الحرب لأي الأطراف، بُغية التخلص من طوفان اللجوء المفتوح على أراضيهم، سيما بعد أن حاولت تركيا الاستفادة من هذه الورقة لصالح مفاوضاتها بشأن الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وأي الأطرف كان جديرًا بحسم الحرب؟ بالتأكيد كان حليف روسيا وإيران وحزب الله، صاحب التماسك على الأرض.

شهدت هذه الفترة كذلك انتكاسة الربيع العربي في مصر واليمن، وعودة النظام في تونس، كلها كانت مؤشرات على أن الربيع العربي في طريق الأفول، بينما لم يُحسم ربيع سوريا بعد.

كانت فصائل المعارضة كذلك أحد عوامل النجاح، التي انتهزها بشار الأسد، عشرات الألوية كانت تحارب في مساحاتٍ ضيقة، مع قليلٍ من التنسيق، حتى في أحلك الأوقات كانت خلافات بالأسلحة الخفيفة تنشب بين فصائل المقاومة. نذكر منها، الاقتتال الذي دار بين الفصائل شرقي حلب مطلع نوفمبر(تشرين الثاني)، بينما كان النظام يتجهَّز لغزو المدينةَ!

استخدمت روسيا في دعمها لبشار الأسد، كافة الأدوات، ليس العسكري منها فقط، فاستخدمت على سبيل المثال حق الفيتو 6 مرات، لتعطيل أي قرار أممي بشأن سوريا. ماطلت الجميع للانتصار، بدايةً من تركيا وانتهاءً بأمريكا.

تزامن هذا مع موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي لم يكن على ذات القدر، ولعل أهم من وصّفوا الموقف الأمريكي في سوريا، هو الصحفي الأمريكي جيفري غولدبيرج، في مقاله المعنون بعقيدة أوباما، وقال فيه بأن عقيدة أوباما تجاه القضايا الخارجية لا سيما قضايا الشرق الأوسط، تقلصت بالقدر الذي لا يسمح إلا بالتدخل فيما يتقاطع مع مصالح واشنطن.

أيّ مصير ينتظر العالم بعد سقوط حلب؟

الله

(1)

بنظرة سريعة، نجد أنّ الثورة السورية ارتبطت في نظر العالم بأمرين اثنين، أولها ≪الإرهاب≫، وثانيها أزمة اللاجئين. ولا يكون ثمة مبالغة في قول البعض إن الأزمة السورية غيرت شكل العالم، فالخروج البريطاني تكلل بشبح اللجوء، وموجات الصعود اليميني المتطرف تستخدم من أزمة اللجوء شبحًا لإشاعة الرُّعب في نفوس الناخب الأوروبي، فنجد حركة البديل من أجل ألمانيا، تدخل برلمان العاصمة برلين لأول مرة في تاريخها، ونجد نوربرت هوفر، ممثل حزب الحرية النمساوي، اليميني المتطرف، يخسر الجولة النهائية من انتخابات الرئاسة 4 ديسمبر(كانون الأول) الحالي، بفارق ضئيل، وفوزه كان يعني أول يميني متطرف يحكم دولة أوروبية غربية. شعبية الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند تتقلص إلى 4%، بينما تزيد حمية المنافسة الرئاسية بين قطبي اليمين، فرانسوا فيون ومارين لوبان.

(2)

المشهد السوري بعد حلب، كما تراه الصحفية في جريدة بلومبيرغ، كارولين ألكسند؛ يسيطر بشار اليوم على 40% من المساحة الكلية لسوريا، بتعداد سكاني يقارب 60%. بقي من الأرض السورية قرابة الثلثين، متفرقةً بين تنظيم الدولة، المسيطر على أغلب المناطق الشرقية، وقوات سوريا الديمقراطية – التي يشكل الأكراد قوامها الأساسي – متمركزة في الشمال، إضافة لما تبقى بيد المعارضة السورية كإدلب ودرعا، وما حازته الجماعات المنضوية تحت لواء تركيا شمالًا في إطاردرع الفرات.

ترى كارولين، أن الخاسر الأكبر مما آلت إليه الأوضاع هو المعارضة المعتدلة، التي ستلجأ بعد خسارة أكبر معاركها لحرب العصابات، مستغلة انشغال النظام بمحاربة باقي الفصائل على الأرض. وقد شاهدنا مدينة تدمر، تسقط مرة أخرى بيد تنظيم الدولة، مستفيدًا من انشغال النظام بتحرير حلب من قبضة الثوار. حرب العصابات تعني أنه لا حلول سلمية ممكنة، ولا أفق لانتهاء الصراع على الأرض.

(3)

كان النظام العالمي مطلع القرن منشغلًا بمحاربة تنظيم القاعدة، الذي مثّل أقصى يمين الإسلاميين، وكان الربيع العربي فرصةً كبيرة لصعود ≪إسلام ديمقراطي≫، قادر على هزيمة ≪التشدد≫، بما أتيح له من أدوات، وأفق مفتوح للمشاركة البناءة بعيدًا عن العنف باعتباره أداة تغيير.

النظام العالمي الذي سمح لبشار دون تدخل مماثل لما كان في ليبيا على سبيل المثال، من حظر للطيران ودعم حقيقي لفصائل الثورة، متذرعًا برغبته في حرب الإرهاب الذي بينّا في البداية أنه إما كان صنيعة النظام أو جذبته خصوبة التربة السورية، التي عمل على إنتاجها كذلك النظام، سيكون عليه أن يحارب التشدد لفترات أطول. لأن السبب لا يزال قائمًا وهو انعدام الأفق، وقلة وسائل التغيير.

باعتباره مثالًا مصغرًا، الأوضاع في مصر، إحدى دول الربيع العربي، ظلت هادئة نسبيًا منذ قامت الثورة، وحتى حركة الجيش في الثالث من يوليو(تموز) 2013، لأن أفق التغيير السلمي كان واسعًا وأدواته متعددة. بعدها صار الوضع كما هو عليه الآن، حرب بين الدولة والإرهاب في سيناء، امتدت لتشمل العاصمة، ولا يبدو أنها ستنتهي في القريب العاجل، لأن التربة لا تزال خصبة في ظل القمع المتزايد من الدولة للمعارضين السياسيين، بل وفق تقارير
استقصائية، أضحت البلد تصدر الإرهاب لغيرها.

(4)

يجادل بعض المحللين في أن الأزمة السورية على فظاعتها، لم تعد مشكلة السوريين وحدهم، إذ أصبحت عقبة في طريق التغيير الشعبي في بلدان العالم الثالث.

وكما استطاع بوتين منذ توليه السلطة أن يقدم نظامًا للحكم، يطلق عليه البعض ≪البوتينية≫، تَمثله عددٌ من زعماء الدول، كرئيس الشيشان، وبعض بلدان آسيا الوسطى، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو. سيصبح الأسد أنموذجًا في قمع الثورات، وحركات النضال الشعبي السلمي. إذ بات بإمكان أي زعيم تقوم بحقه ثورة أن يتلمس الأسباب التي أفضت بنجاح بشار، ومن ثم يبقى على كرسيه ما شاء أن يبقى.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة