إطار جديد لفهم الإرهاب والتطرف

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 14

ثمة مفارقة مهمة يطرحها مقال بحثي حول ظاهرة الإرهاب والتطرف، تقول بأن غالبية الأفراد من أصحاب الآراء المتطرفة لا يتحولون إلى الإتيان بالفعل الإرهابي. وقد نادى باحثون أمريكيون متخصصون في دراسة الإرهاب بضرورة الفصل بين "تطرف الرأي" و"تطرف الفعل"، بعد أن لاحظوا وجود خلل جوهري اعترى ذلك الجهد البحثي المتراكم الذي تناول ظاهرة الإرهاب عبر عشرات السنين، إذ جرى التعامل مع التطرف في الرأي أو "راديكالية الرأي" على أنها مرادف للإرهاب أو مقدمة حتمية لحدوثه، وبالتالي جرى التعامل مع مَن لديهم أفكار متطرفة على أنهم إرهابيون محتملون.

ويطرح المقال العديد من الأسئلة المشروعة حول العوامل التي قد تدفع البعض إلى التطرُّف العنيف في حين لا يفعل أقرانهم من حاملي الآراء المتطرفة ذاتها ذلك؟ وإذا ما كانت هناك صلة بين المرض العقلي والتورط في الفعل الإرهابي؟ ولماذا يعتقد بعض المحققين أن اللجوء إلى العنف مع المشتبه بهم سيكون أكثر فاعلية في الوصول إلى الأدلة وإظهار الحقائق؟

جرى تناول هذه الأسئلة وغيرها في عدد خاص من دورية علم النفس الأمريكية، أمريكان سيكولوجيست American Psychologist، المجلة الرائدة التى تصدر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس.

وتبحث المقالات المنشورة بالعدد في قضايا مثل: كيف يصبح الأفراد متطرفين؛ آليات التنبؤ بـمَن هو المرشح من بين هؤلاء ليصبح إرهابيًّا، وكيفية التقدم من مرحلة اللاعنف إلى التطرف ثم إلى الإرهاب، وما هو الدور المنوط بالمجتمعات المحلية لمنع الشباب من تبنِّي التطرف العنيف.

نموذج الهرمين

واحدة من بين هذه المقالات، أعدها الباحثان كلارك مكولي، وصوفيا موسكالينكو، من كلية برين ماورالأمريكية، وجاءت تحت عنوان "فهم التطرف السياسي: نموذج الهرمين"، انتهيا فيها إلى صياغة النموذج الهرمي الثنائي المحاور Two-pyramids Model للتفرقة بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل، مدعين أن الخلط بين النسقين يضر ضررًا بالغًا بمعالجة القضية، وقد يؤدي إلى تزايُد وتيرة العنف والإرهاب من جَرَّاء توجيه إجراءات مكافحته في صورة عقاب جماعي لأفراد أو جماعات لمجرد انتمائهم إلى فكر أو عقيدة معينة.

في هذه المقالة، يقترح المؤلفان أن التشدد الفكري يختلف عن ذلك الذي يقود أصحابه إلى الإتيان بأفعال متطرفة أو إرهابية، فهما ظاهرتان مختلفتان من المنظور النفسي.

ولذلك يقترحان نموذج "هرم الرأي" الذي يتألف من أشخاص يتشاركون مستويات متسارعة من الأفكار المتطرفة، ونموذج "هرم الفعل" الذي يتضمن مستويات تتراوح ما بين السلبية passivity إلى النشاط القانوني legal activism والعنف السياسي political violence والإرهاب terrorism.

وتستعرض هذه المقالة بعض أسس التفكير ومعالمه في ظاهرة التطرف السياسي، والتي جاءت نتاج كفاح العلماء والمسؤولين الأمنيين بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لتحديد أصول العنف والعمل الإرهابي، إذ اعترفوا بالنقد الموجَّه إلى المفهوم الحالي للتطرف، مقترحين نموذج الهرمين استجابة لهذا النقد.

ويستعرض المقال أيضًا أهم ملامح الهرمين فيما يلي:

هرم تطرف الرأي: في قاعدة هذا الهرم يأتي الأفراد الذين لا يهتمون بقضية سياسية (المحايدون)، ويلي تلك الطبقة طبقة أخرى تضم أولئك الذين يؤمنون بقضية لكنهم لا يبررون العنف، وهؤلاء يُطلَق عليهم (المتعاطفون)، ثم يأتي في الطبقة التالية أولئك الذين يبررون العنف دفاعًا عن قضية أو معتقد.

هرم تطرف الفعل: يأتي في قاعدة هذا الهرم الأفراد الذين لايفعلون شيئًا لصالح جماعة سياسية أو قضية، ويُطلَق عليهم (خاملون)، ثم يأتي في الطبقة الأعلى من الهرم أولئك الذين يشاركون في أفعال أو أنشطة قانونية أو سياسية لمناصرة قضية أو جماعة سياسية، ويُطلَق عليهم (النشطاء)، ويليهم في الطبقة الأعلى الأفراد الذين ينخرطون في أعمال غير قانونية من أجل القضية أو الجماعة، ويُطلَق عليهم (الراديكاليون)، وفي قمة الهرم يأتي أولئك الذين يقومون بأعمال غير قانونية تستهدف المدنيين، وهؤلاء يُطلَق عليهم (الإرهابيون).

ويذهب كلارك ماكولي -أحد مُعدِّي المقال- إلى أن ما دفعه لتبني نموذج الهرمين المنفصلين (تطرف الرأي/تطرف الفعل) ما أقرت به جُلُّ الدراسات التي تحاول الربط بين التطرف والقيام بأعمال إرهابية، وهو أن مَن يمارسون أعمالًا إرهابية عنيفة يمثلون نسبة ضئيلة جدًّا ممن يتعاطفون مع فكر متطرف أو يتبنونه أو يعتنقونه"، وفق تصريحات أدلى بها لـ"للعلم".

دوافع الإرهابيين

ويستشهد مُعِدُّو المقال بتوصيف أحد أهم الباحثين في هذا المضمار -وهو جون هورجان، أستاذ علم النفس في جامعة ولاية جورجيا- للمعضلة؛ لتوضيح سبب الخلط بين الراديكالية في الرأي وراديكالية الفعل أو الارهاب: "عندما أصبح من الصعب جدًّا التنبؤ بالإرهاب، تحول البحث تجاه التركيز على التطرف كمرادف للإرهاب، وإذ إنه من السهولة بمكان الكشف عن الأفراد الذين يتم تحويل أفكارهم إلى أفكار متطرفة فقد أضحى مفهوم القضاء على التطرف بديلًا موضوعيًّا لمفهوم استباق الفعل الإرهابي".

قام هورجان -الذي يُعَدُّ أحد أهم المراجع العالمية في دراسات الإرهاب- بمقابلة عشرات من الإرهابيين السابقين، فتوصل إلى أن سؤال الإرهابي عن دوافعه للقيام بفعله، غالبًا ما تكون الإجابة الصادقة عنه: "لا أدري حقًّا".

وفي مقابلة له مع دورية ذي أتلانتيك، يرى هورجان أن الدوافع للسلوك الإرهابي شديدة التعقيد، لدرجة أن مَن يقومون بالعمل الإرهابي أنفسهم قد لا يدركونها بوضوح في كثير من الأحيان.

هورجان، الذي أجرى مقابلات مع مُدانين بالإرهاب من أيرلندا وإنجلترا وباكستان ولبنان والولايات المتحدة، أكد أن سؤال "لماذا فعلت" ليس هو السؤال الفعال الذي يمكن أن يصل بنا إلى فهم دوافع الإرهابيين، وأن الأكثر وَقعًا وفاعلية هو أسئلة مثل: متى التحقت بـ"داعش"؟ مثلًا، ماذا كان شعورك وقتها؟ ماذا كنت تفعل في حياتك في ذلك الوقت؟ كيف تم التواصل معك؟ أو كيف تواصلت معهم؟

وبعد إجرائه دراسات عدة على غربيين التحقوا بالقتال في سوريا والعراق، يعتقد هورجان أنه بينما يعرف بعضهم بعض دوافعهم بوضوح، فإن الكثيرين منهم ليس لديهم أدنى فكرة عن الصراع الطائفي والمذهبي الذي يُلقون بأنفسهم في طياته.

حقيقة فارقة

ويبرز البحث حقيقة فارقة أخرى دفعت إلى تبني هذا النموذج، وهي أن الكثيرين ممن ينفذون أعمالًا إرهابية لا يعتنقون فكرًا متطرفًا من الأساس، كما تشير العديد من الدراسات، ومنها دراسة أعدهاMcCauley and Moskalenko’s في العام 2011 توصلت إلى أن هناك العديد من الديناميات التي تخلق لدى الأشخاص دوافع للقيام بأعمال إرهابية بخلاف الدافع المعتاد الحديث عنه وهو اعتناق فكر متطرف.

يقول ماكولي: "يجب التركيز على العامل الشعوري النفسي والديناميات المتنوعة التي تخلق دوافع عديدة لدى بعض الأشخاص للانخراط في الارهاب والعنف في كثير من الأحيان دون تبني أجندة فكرية متطرفة أو حتى التعاطف مع فكر متطرف معين".

 ويتابع: "من بين هذه الديناميات على سبيل المثال: إحساس الفرد بالظلم، أو إحساس فئة معينة في المجتمع بالظلم، أو الرغبة في الهروب من المشكلات، أو البحث عن مكانة أكبر أو قوة أكبر، أو الارتباط الشعوري (الحب) بأفراد منخرطين في أعمال إرهابية".

ويرى ماكولي أن المسافة بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل كبيرة جدًّا، بمعنى أن "قرار القيام بعمل إرهابي يلزمه دوافع مختلفة تمامًا عن دوافع تبنِّي رأي متطرف"، ويشدد على أن "النتائج المترتبة على كلٍّ منهما تختلف اختلافًا كبيرًا".

ومن خلال دراسته لتاريخ تطوُّر دراسات الإرهاب يؤكد ماكولي لـ"للعلم" أن محاولات الربط بين الانخراط في الارهاب والصحة النفسية للمنخرطين أو كنتيجة للخلل في سلوكهم الاجتماعي "غير مجدية، فنتائج رصد معدلات تلك المعضلات النفسية أو الاجتماعية لدى المنخرطين في أعمال عنف لم تتجاوز المعدلات نفسها التي رُصدت في الأوساط الطبيعية، كما أن نسبة كبيرة منهم لايعانون أصلًا من مثل تلك المشكلات".

ويشير ماكولي إلى أن العديد من المنخرطين في العنف والإرهاب "يقومون بإعمال إرهابية على نحو مفاجئ في فترات قد لا تتجاوز عدة أيام أو أسابيع من تبنِّيهم موقفًا ما من قضية معينة".

شروط الفعل الإرهابي

ويتفق قدري حنفي -أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس- مع ما تطرحه الورقة البحثية: "لم تثبت أيٌّ من دراسات علم النفس السياسي وجود أية علاقة حتمية بين اعتناق فكر متطرف -أيًّا كانت درجة تطرفه- وممارسة نشاط إرهابي".

ويضيف: "الثابت أن التطرف الفكري قد يؤدي إلى تشوهات فكرية وشعورية تجاه الآخر". ويتابع: "لا بد من التفريق بين الفكر والفعل من جهة والتعصب والإرهاب من جهة أخرى؛ لكي يتسنى لدوائر مواجهة التطرف والعنف استخدام الأدوات المناسبة للتصدي للمفاهيم أو الأفعال ذات الصلة بالتطرف والإرهاب".

ويؤكد حنفي: "هناك عدة شروط للفعل الإرهابي، وهي أنه فعل اختياري مخطط له وليس عفويًّا أو تلقائيًّا، ويتسم بالرمزية بمعنى أن المستهدف في أغلب الحالات ليس أشخاصًا بعينهم بل رموز".

ويشدد على أنه "وبطبيعة الحال يتطلب الفعل الإرهابي التضحية بالنفس أو المخاطرة بالحياة، كما أنه في أغلب الحالات لا يعود بمقابل مادي على الشخص المرتكب للعمل بقدر ما يستهدف مصلحة الجماعة التي ينتمي إليها".

ويوضح حنفي بعض خصائص "الفكر الإرهابي"؛ إذ يتسم -وفقًا له- بـ"تثبيت الآخر" بما يعني عدم الاستعداد للاستماع له أو تفهُّمه، فالفكر الإرهابي يعتبر فكر الآخر غير قابل للتغيير، وفق رأيه، ومن هنا يمكن القول إنه يبدأ بعد ما يمكن أن نصفه بافتراض "استنفاد كل الفرص للحوار" الذي يؤمن الطرف العنيف بأنه بذلها، كما يتسم العقل الإرهابي باعتبار جماعته تعبر عن الأغلبية حتى لو كانت أقلية في الواقع".

نقطة التحول

ويعلق محمد أبو الغيط -الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب- على الدراسة قائلًا: "أعتبر أن دراسة "نموذج الهرمين" تمثل إضافة حقيقية لهذا الحقل من الدراسات، فهي تأتي لتسد فجوة كانت موجودة طيلة الوقت".

ويتحفظ أبو الغيط: "تفتقر الورقة البحثية إلى واقعية الرصد لنقطة التحول من الفكر إلى الفعل لكل فردٍ على حدة، فبالرغم من أن النموذج له قدرة تفسيرية عالية في هذه الحالات، لكنها تبقى لاحقة لا سابقة".

ويسوق أبو الغيط مثالًا يدعم تصوره قائلًا: "في اعتداءات لندن الأخيرة ظهر أن أحد المنفذين، "كورام بوت"، كان تحت ملاحظة الشرطة قبل سنوات بالفعل، كما تلقت الشرطة بلاغين عنه بسبب آرائه المتطرفة. الشرطة قالت إنها راجعت ملفه ولم تجده خطيرًا وفق البروتوكولات الأمنية المتبعة".

"الأسئلة التي تطرح نفسها هنا: لماذا تغير؟ والأهم: كيف يمكن لأي جهاز أمني أن يرصد نقطة التحول من تطرف الفكر إلى تطرف الفعل؟".

ويستطرد أبو الغيط: "الأمر قد يحتاج إلى بعض التعديلات في نموذج الأفكار المتطرفة، وكذلك في نموذج الأفعال المتطرفة".

ويرى الباحث أن المعيار الذي اعتمد عليه المقال فيما يخص أفكار التطرف -وهو أن مَن يصل إلى قمة هرم أفكار التطرف هو فقط مَن يشعر بالتزام شخصي باستخدام العنف لأجل أهدافه- يحتاج إلى بعض التدعيم.

"أعتقد أننا نحتاج عنصرًا أو عناصر إضافية على قمة الهرم. هذا العنصر أو تلك العناصر بعد الاتفاق عليها يجب أن تمثل أسبابًا واقعية ملموسة لاتخاذ احتياطات عملية باعتبار صاحبه قنبلة موقوتة منتظرة".

ويتابع: "ثمة ملحوظة أخرى على هرم الأفكار، هي أن قاعدته تتناول فقط ربط أفكار العنف بالأفكار السياسية أو الدينية، بينما تبدأ أفكار التطرف العنيف السياسية والدينية في كثير من الأحيان بما يمكن أن نسميها "أفكار التمايز"، وهي أفكار ليس لها أية أهداف سياسية أو دينية".

تطرُّف الرأي والفعل

ويعلق إبراهيم مجدي -استشاري الطب النفسي بجامعة عين شمس، والباحث في علم النفس السياسي-: "ليس بالضرورة أن يتحول مَن يملك عقًلا أو فكرًا راديكاليًّا إلى إرهابي".

ويضيف: إن الراديكالية قد تسبببها "عوامل بيئية أو حتى جينية، لكنها تبقى سلوكًا فكريًّا من الممكن أن يتغير، ومن الخطير التعامل مع المتطرف في الفكر أو حتى الإرهابي على أنه مريض نفسي".

ويتحفظ على بعض ما انتهى إليه المقال: "المقال لا يلتفت للراديكاليين في الرأي الذين قد لا ينفذون أعمال عنف لكنهم يديرون الإرهاب ويؤطرون له ويحرضون عليه، وهذه الحالة من راديكالية الرأي أخطر كثيرًا من تطرف الفعل، وفق رأيه، بل من الممكن اعتبار التطرف في الرأي في هذه الحالة تطرفًا في الفعل".

ويضيف: "يفتقر نموذج الهرمين إلى تحديد ظلال الفرق بين الرأي والفعل، فكل فلسفات القانون وعلم الإجرام تعتبر التحريض على الجرائم جريمة، وتعتبر المحرِّض شريكًا في الجريمة ومرتكبًا لها".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة