ابن (مداوروش) حقيقي ...ولم يكن مزيّفًا. "ريحة البلاد "

Image title

**
" ريحة البلاد "
*********************************

بواسطة
مصباح فوزي رشيد

أديب وكاتب
**فيسبوك
:
https://www.facebook.com/profile.php?id=100014982426922
بريد الكتروني :


[email protected]
تويتر :

@rachidmosbah1

***
ما تفرّقه السياسة يجمعه الفن والتراث ؛
عندما كنا صغار في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي الجميل، و كانت لنا حكايات مع المذياع المحمول الذي يُشحن ببطارية " الصّيد " ، وكنا أطفالاً نستمتع بالأغاني الفلكلورية والشرقية الجميلة ، تبثّ عبر القناة الأرضية الوحيدة ، ولم يكن يومها متوفّرًا كهرباء ..ولا تليفون ..ولا مكتبة ..ولا جهاز تليفزيون ... سوى الذي لدى بعض العائلات المسميّة.
كنا نردد الأغاني التي نسمعها.
نحفظها عن ظهر قلب لنشغل الفراغ الكبير
**
" ريحة البلاد "
**
تجاوزت بصداها كل الأقطار العربية وتركت أثرًا طيّبًا في نفوس الأفراد لما لها من رمزية ومعاني جميلة تعبّر عن حب الأوطان.
" ريحة البلاد "
**
واحدة من الأغاني الرومنسية التي كنا نعشق سماعها
نرددها كلما غبنا عنك يا (مداوروش) .

" ريحة البلاد "
لصاحبها الشاعر الرومنسي والفنان الموهوب (محمد الجموسي) ابن مدينة (صفاقس) التونسية الذي هاجر من بلده الأصلي وصار يتنقّل بين البلدان المتوسّطية، وكان من وراء بروز بعض الأسماء على السّاحة الفنية العربية مثل ( وردة الجزائرية ) ابنة (سوق اهراس) المُدلّلة .
وبين سنتي 1948و1951 ، وبفضل العلاقة المتينة بالفنّانين الجزائريين ، فقد دُعي (الجمّوسي) ليصبح مدير الفرقة الموسيقية لدار الأوبرا بالجزائر.
******************************


مــــــــــــــــــداوروش في : يوم 03.سبتمبر.2017
الموافق لـ : الاحد 1438/12/12 هـ 
برج العذراء 
" عيد ميلادي "
وكل عام والأمّة وأنتم بخير 
**
ريحة البلاد "
 

**********************************************************************************************  

على اثر اجتماع عائلي افضى بتحفّظ بعض الأبناء من الاصطياف في البحر.. فقررت الذهاب في نزهة خاطفة الى (سوق اهراس) عاصمة الولاية ..لقربها من بلدتي (مداوروش) ..ولما للمدينة من طابع تتميّز به على غرار بقية المدن العتيقة بعمرانها المنسجم .. وقصصها مع التراث والثقافة العريقة.. وأعترف أن لأهلها ألف حكاية وحكاية مع الست أم كلثوم وعود السيد المكّاوي.. وألحان الفقيد عبد الوهاب .. ولا يختلفون عن (التوانسة) الأشقّاء في شغفهم بالفن الشرقي القديم. وتذكّرني المدينة بأشياء عزيزة ..بـ(سيدي مسعود) حي القصدير المهمّش قبل البنايات الجاهزة التي أقيمت على انقاضه وقضت على أحلامنا وطيشنا والنزق الذي ظل لسنين يتملّكنا...تذكّرني بمستشفى ( السانا توريوم ) القديم رقدت به شهرا كاملاً وكنت لم أتجاوز خلالها الست سنوات ..تذكّرني أيضًا بشغف المطالعة وحب القصص ..بمكتبة (بوزديرة) والشارع الشهير المكتظ بالناس فصار يُعرف باسمه ... .. أردّد " ريحة البلاد يابا.. ورد وياسمين يابا يابا " مع زملائي (السوقهراسية) نهاية كل أسبوع خلال عودتنا من المركز الإداري بمدينة ( قالمة ) المتاخمة ..والذي كنت أدرس فيه وقد أصبح الآن معهدًا .. بحانة (لاغار) و(الصرصور) و(لو روتور دو لا شاص) وأنا شابًا وكهلا كثيرًا ما كنت أراودها..بمركب مجردة السيّاحي كانت لي معه قصة (.../...) ..تذكّرني قبل كل شيء بالطفولة في السبعينيّات بـ( مداوروش ) بـلُعب (القانية) الشهيرة بالسهرات والقمار.. وأقدم جهاز راديو في التاريخ المعاصر يردّد على مسامعنا ألف ليلة وليلة بباحة مقهى (أولاد اسباع) وصاحبه العم (الهادف فارح) أو (كوميتي نخّال) بمعنى كوميدي بدون ألقاب ولا دبلوم -كما كان يحلو للجيل القديم مناداتهم له بهذا الاسم.. يذكّرني (سوق اهراس) بالأسد الذي يتوسّطها ..رمز كل نرجسيٍّ فوّاخ ..بالتحيّز الواضح ونخبة (بَلْديَّه) متعاظمة ترفض الاحتكاك بــبقية (الشعراوية) وكل من هو خارج اسوارها العتيقة .. منعرجاتها الخطيرة تحدّها من جميع النواحي تقريبًا.. وفيما مضى كان قد انحاز إليها صحفي ولد (مداوروش) عندما كتب بإحدى جرائده عن شجرة (أوغسطين) احياءً لتراثها القديم.. و"نغر" تغيّظ من مقاله هذا بعض (المداوروشية) ..هو الآن موجود بينهم ..وقد تكون آخر محطّة له قبل الرحيل ..خاصّة بعد تكريمه على أيدي أبناء بلدته بــالمدينة الأثرية( مادور).
توكّلنا على الحي الذي لا يموت ..وخرجنا نتهادى كالأموات من مقبرة الحياة ..طالبين محطّة السّفر.. وفي طريقنا إليها...كل شيء على حاله قد تغيّر إلاّ هذوما؟ ولا يزالون في غيّهم وطبعهم القديم.. بألسنتهم الحادّة كالمقارض.. ونظراتهم الجسّاسه المسمومة ..وكلّما رأيتُهم أكاد أختنق ..وأحسّ أنّي غريب.
- " الله لا يتربّح البلدية " 
راح يشتكي أحدهم من أثر المعاناة وبعد المحطّة. فرد عليه آخر: 
- " المير ومن معه.. لقد عبثوا بنا وبكل المشاريع "
(يقصد رئيس البلدية ونوابه) كانوا ضد اختيار المحطّة بذات المكان لبعدها عن جميع المرافق. 
وأنا ألج البوابة المركزية أسمع فجأة:
-" مصباح " 
- " صوت من هذا المألوف ؟ "
يكرّرها ثانية وثانية رحت أهرول إلى الدّاخل:
- "فعلتها يا واحد (الماكرو) هكذا أنت صديقي المشاكس.. أنت أيضًا لا تريد أن تتغيّر" أمزح معه فقط.. وأنا أحبّه رغم كل شيء.
تبادلنا الأخبار على عجل ثم رجعت مسرعًا وركبت الحافلة ومن معي و" إِليَّ بالحياة " ؛ أنفرد بنفسي قليلاً من زخم الدنيا ورتابة الحياة.
تعبنا والله.. حد الملل .

رجعت إلى الذي قال إن المير ومن معه عبثوا بهم وبكل المشاريع ..في الحقيقة إن هؤلاء الذين تكلّم عنهم لو كانوا يدركون مدى خطورة المسؤولية لما قبلوا بها أصلاً.. لكن في الأخير نبقى صغارَا ضعاف النفوس رغم تجاربنا المريرة في الحياة...وكلنا ضحايا العبث من أوّل الأمر إلى آخره و " لن يصلح العطّار ما أفسده الدهر " – كما يقول المثل -. وأنا أسبح بفكري وخيالي ...ولست أدري كيف عصفت بي ذاكرتي المنهكة حتى عدت توًّا إلى احداث تقادمت بمرور الزمن؛ إلى الوفاق الذي عرفته الجزائر مطلع التسعينيات.. ودائمًا ما كنت استشهد بكلام المخلصين الكبار من أمثال (بن يوسف بن خدّة) -رحمه الله – الذي قال بمنتهى العبارة " إن الأزمة في البلاد ليست سياسية وإنّما هي أخلاقية " معقّبًا على من كان يرى أن أسبابها اقتصادية فقط. كلام وزنه ذهب. 
لم تطل رحلتي مع الزمن حتى تراءت لي قمم الجبال تلوّح معلنة عن وصولنا مدينة (طاغست) وطاغست هذه -كما ورد في بعض المراجع -قصة قديمة من التراث تراهن على امازيغية (التليّة) الأهالي ربما يكونون قد جاؤوا اليها من الأوراس وهي (طاغست) كلمة بربرية تعني الكيس وذلك لموقع (سوق اهراس) في سفح بين ثلاث قمم جبلية.. ولم أشعر والسائق قد ركن حافلته ليعلن عن وصوله لآخر محطّة.
نزلنا نتسابق مع الزمن باتجاه حافلة متوقّفة استقلتها ... وجلست بجانب شيخ كان منهمكًا بكتابة رسالة على الفضاء الأزرق (فيسبوك) عرفت قيمتها فيما بعد ..ولضيق المكان نخسته برجلي دون تعمّد فبادرته بالاعتذار .. لكنّه رفع رأسه ورمقني بخزرة كأنّها نظرة احتقار من شخص كدت أعرفه من أوّل نظرة لولا عوارض الزمان والمكان.. وستجمعني به الصدف مرّة ثانية عندما يحين وقت الكلام.
لم تعجبني روحي ولم أكن سعيدًا بهذا اللّقاء .. وحمدت الله ربّي إذ تذكّرت أنّي لم أسدّد ثمن التذكرة الأولى فوجدت فيها فرصتي وقفزت فرارًا من الحافلة ومن صاحب النظرة المرعبة خاصّة ..قاصدًا الحافلة التي استقلتها منذ البداية " كمن يستجير بالرمضاء من النار".
" جاش الخاطر جاش و يا عالم دبّر علي "؛ رحت أسقط الكلمات ذات المعنى على الزمن الرخيص الذي أنا فيه ..أجوب شوارع المدينة ومحلاّتها أتسوّق أنا ومن معي من هذا وذاك المكان.. ولم أستطع تجاهل الموقف الذي تعرّضت له وقمت بربطه بكلام السياسي المحنّك والرجل المتواضع النّظيف (بن يوسف بن خدّة) -رحمة الله الواسعة عليه وعلى جميع الرجال المخلصين الأحرار الذين قالوا كلمتهم ومرّوا مرور الكرام.

أرخى النهار سدوله غليّ وبلغ الجهد منّي فصرت أحسب للوقت أعدّه شهورًا وسنينًا .. وأمّا بالنسبة لناس (سوق اهراس) (البَلْديَّة) فهم أبناء الحاضرة بطقوسهم وعاداتهم مثل الأرستقراطيين الإنكليز ..فالقيلولة بالنسبة لهم شيء مقدّس توارثوها أبًا عن جد منذ عهد بعيد ..وأمّا بالنسبة لنا نحن ( الشعراوية ) فلا ملجأ لنا سوى الهروب إلاّ محطة النقل البريّة للتّظلّل .
قررت أن أستقلّ أول مركبة أجدها أمامي مهما كان اتّجاهها .. أمضي ما تبقي من النهار في التجوال .. وبعد فترة استراحة لابأس بها ..تقدّمنا إلى المركن وأخذت أول حافلة كانت بحالة جد محترمة ولم تكن خارج الصلاحيات كبقية الحافلات فعرفت قد تكون من سدراته فأناسها من النوع ( الفعّال اللاّ منفعل ) حسب تصنيف ( برغسون ) يُميّزهم التضامن فيما بينهم والاتّحاد .. وأمّا أبناء (مداوروش) المغبونة فهم من الصنف الذي يتبنّى ذهنية " خلّي بركه "و " آش عليه " الرضوخ للأمر الواقع .
لم يسعني مكان بالرغم من شغور الحافلة ومن آخر مكان إلى المقدّمة قمت بفليه مقعدًا مقدًا لعلّي أعثر على أفضل مكان للجلوس إلى جنب النّافذة: 
- " وآخرتها معاك؟ " -معاتبًا نفسي وتارة: 
- "ما أنا إلا واحد من ملايين الملهوفين والانتهازيين ...في الأخير" -أحاول تبرير السلوك المشين.
ليستقر المقام بي في آخر المطاف في مكان كالذي كنت أتخيّل الجلوس فيه 
وفجأة:
- " أ هنا؟ ..عجبًا اا.. أ هذا أنت ؟ا.. يا لسخرية القدر "
غريمي الذي فررت منه وتركته ورائي منشغلاّ بجهاز " الأيفون " وأزعجه حضوري ...كيف جرت به رياح الأقدار إلى حيث لم يكن يدري ..ولا حتى أنا كنت أتوقّع مجيئه في هذا الوقت بالذّات إلى هذا المكان ؟ا
إنّه لشيء عجاب ااا 
نظرت باستغراب فشايع نظرتي إليه بابتسامة " كأنّما يتوعّدني ".
برفقته امرأة على قدر من الجمال والأخلاق.. دعوتهما للجلوس مكان ابنتي الذي أمامي فامتنعا بداية ..فلم أشأ تفويت الفرصة وأصرْت عليهما فقبلا " على مضض " .
-" قلّبت عليك الدنيا وما لقيتك "
- " اطمئن يا صديقي .. والله ما في بالي شيء." أُطمئنه.
ولطيبته..خرج الرجل يبحث عنّي فور انتهائه من كتابة الرد على سفير فرنسا بالجزائر وأراني ما كتبه فوقع بصري على عبارة " إن تصرّف سعادتكم بخلفية استعمارية تعيدنا إلى سالف العهد " (.../...) ..واستطرد في كلامه إلى أن وصل به المقام إلى القدح في شخص الأمير عبد القادر رمز المقاومة الجزائرية واصفًا ايّاه بالماسوني الخائن: 
- " وما دليلك؟ " 
- " الرعاية السّامية التي حظيت بها العائلة في سوريا وفي قصور باريس وكذلك أحفاده الذين تتلمذوا على يد فرنسا في السوربون و..و..و..و ... " أميرك "تاسع درجة " في الهرم مثلٌ في الثّورة المضادّة".
أخذ نفسًا ليلتفت إلى عقيلته ثم واصل: 
-" شوف يا أستاذ الشخص الذي امامك حائز على بكالوريا سنة 1971 بتقدير ممتاز وتوجّه بعدها إلى الخدمة الوطنية ثم دخل الحياة المهنية بسبب ظروف عائلية " ...واستطرد: " عملت كإطار بشركة وطنية أكثر من ثلاثين سنة ..أنا رجل متقاعد ..مرتاح الضمير ..حظيت باحترام عائلتي وزملائي في العمل كل ما يهمّني .. كسبي شريف .. " خدّام حزام " -كما يُقال -لا دون ذلك ولا فوق ذلك .." وأضاف: " لا أعترف سوى بالشهيد المقراني والكبلوتي المضطهد". 
نظرت في كلامه عن الكبلوتي – رحمه الله – فوجدت ابن (لحنانشة) التابعة نسبًا وانتسابًا لـ (سوق اهراس) له مقولة شهيرة:" سيف يقطع رأسي ولا رحمة يهودي". وراجعت سيرة الأمير عبد القادر الفيلسوف الشاعر ونسبه الشريف ...فاستحضرت حديث الرسول الكريم -عليه وعلى أنبياء الله جميعا أفضل صلاة وأزكى سلام- :" وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ". فادركت معنى: " خدّام حزّام "؟ ا.
بعد أخذ ورد واسترسال في التفكير تزحزحت اختلي بنفسي لأتفرّج قليلاً على مناظر الطبيعة الخلاّبة ..الجبال والآكام ...وهذه الأخاديد العميقة مثل الندوب على وجه البساط السندسي الأخضر تركتها السيول الموسمية الجارفة.. المناظر الخلاّبة تحفة حقيقية (شيد افر) كأنّها لوحة لعروس عفيفة عذراء؛ تحتاج بلادي إلى فنّان ماهر يأخذ بيدها وينزع عنها ثوب الخجل. وشيئًا فشيئًا يتجلّى العريس في صورة جبال (المايدة) الصخرية وبعض بقايا البَرْوَق والأكواخ المشتّتة هنا وهناك ...تشهد على الملاحم الكبرى وسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها " الاستدمار " الفرنسي...وعلى نضال وصلابة وصمود أهلها وصبرهم لسنين عجاف...ويكأنّ الطبيعة تقرّ بالاختلاف ؟ ا وبين (سوق اهراس) و(سدراته) عراك وعتاب قديم؛ 
-لازلت أتذكّر الأحداث التي ميّزت ليلة رأس السنة بسبب قانون التقسيم الإداري لسنة (1985) والذي أسعد كثيرًا زملائي ( السوقهراسية ) وفرحوا بمدينتهم التي صارت بموجبه ولاية ...بينما قضى على طموح زملائي (السدراتيه)الذين لم يعجبهم القرار ...كم كانت طويلة تلك الليلة ..لكنها - والحمد لله - مرّت علينا بسلام ..لكن القانون الذي صدر من " الفوق " جاء ليفرّق بين طلاّبٍ جمعت بينهم مشاعر الأخوة والزمالة وظروف التكوين...فسقط على رؤوسهم " كجلمود صخر حطّه السيل من عل " ( امرؤ القيس) ..في ليلة دهماء ليفسد عليهم عيد رأس السنة .. وذلك يذكّرني بالمثل -الجزائري -القائل:
" الثيران تتصارع والسّخط يسقط على رؤوس البَرْوَق " .
لماذا يحتاج بلدي إلى فنّان موهوب وليس إلى رجل قوي يأكله؟
وكل الخيرات والكنوز التي يزخر بها من ذاك الجمال الذي وهبه الخالق ونفتخر به ..
ولأن كنوزه صارت فتنة لتماسيح بشرية لا تستطيع كبح غرائزها ونزواتها ..فالفنّان "حشايشي " -كما يسمّى عندنا -ليس من يتعاطى الحشيش كما يروّج لدى البعض ..ولا " بالكرايشي " صاحب البطن الذي يجتر ولا يستطعم ...ولا أظن أن التماسيح ترى ما تنهش أنيابها ؟ وهل تستطيع التماسيح البشرية التهام كل الجبال والكنوز الدفينة والمروج والأنهار التي فوق الأرض ؟ا 
والله إن الإنسان ليخجل من نفسه ..ومن العالم الذي ينتمي إليه ..ومن عصر الجوع الكافر وأمراض التُّخمة المستشرية فيه ..والبطون التي صارت فيه عبارة عن " مَزاوِد " بل المزود أنفع وأرحم كوننا نستنفد ما فيه. وعنهم " على كرشه يقتل عرشه " كنا نضرب بهم الأمثال في الشراهة والسفالة والغباء أيضًا لأن " البطنة تذهب الفطنة " كما يقول المثل.. وفي مستنقعِ الغباءَ تجدِ الشّراهةِ وكل البلاءِ والوباءِ.
وبرغم النّهب والنهش فالخير لايزال موجودًا ..ورغم التماسيح التي ستموت يوما ما ومعها كل العروش ..ويذكرالتاريخ سيرتهم معبّرًا عن رأيه ...ولن ينفع عندها سعي ولا مال ..لكن الذين حرموا من خيرات بلدهم لن يموتوا بسبّة الجوع ولا من" الرهاب " الخوف...بل من الذل والمهانة التي لا تنفع لحظة الموت . و" إذا كانت الكرش مزودًا فالعقل رباطها " – كما يُقال –وذلك ينسحب على كل من تورّط ولم يستفق لحظة الاغواء..والغريب أن المشرّع أيضًا مستغرب ومصادره من .. غرْبٍ براغماتي متلوّن لا يهمّه حالنا ولا يكترث لأمر المسلمين .
فلو أن المحرومين امتنعوا وقت الشدّة لكان خيرًا لهم .. ولو " أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (الآية ) وربما خيرًا من الأموال الفاسدة والقروض الربوية والتي تذهب سدًى بمجرّد الحصول عليها " عن طريق المحسوبية و الرشاوي" ...ولو أنّهم فقط تعفّفوا زمن " الرداءة " الذي هم فيه – ولو انّهم على الأقل استحضروا قول الشاعر:
سأترك ماءكم من غير ورد ** وذاك لكثرة الوراد فيه
إذا سقط الذباب على طعام * * رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء * * إذا كان الكلاب ولغن فيه
ويرتجع الكريم خميص بطن * * ولا يرضى مساهمة السفيه
ولو ...ولو ...ألف لو و" لو تفتح عمل الشيطان " ( الحديث ).
-كلما اقتربنا من بلدة (سدراته) استحضرت نشاط بعض مثقّفيها المناوئين للبورجوازية الغربية..والذين عرفوا وقتها كيف يستثمرون خطاب الرئيس (بومدين ) في نضال " جيفاري "...وكلما ابتعدنا أكثر فأكثر من عاصمة الولاية ( سوق اهراس ) ومن ابنائها " البَلْديَّة " المدلّلين - (وقد حرص " الاستدمار " الفرنسي على رعاية الحاضرات بتعليم الفرنسية لغة الانجيل.. وترك أهالي المناطق النّائية في مستنقع النعرات القبلية يعبث بهم يمينا وشمالا يحرّض بينهم يشجّع على البدع والخرافات بنشر الزوايا ويمنع الابناء من مواصلة التعليم ...)- وبعد ديمومة - بارغسونية - سافرت خلالها إلى أبعد الحدود ثم فجأة توقّفت الحافلة بنا إيذانًا بالوصول ..نحن الآن قد وصلنا إلى (سدراته) بعد مغادرة " طاغست " بلاد الأسود.
-التفت رفيق دربي سي " خدّام حزام " مودّعا لي بابتسامة تعبّر هذه المرّة عن طيب خاطر ..استأنست بصاحبها المحترم طيلة فترة الحوارات والأفكار التي تبادلناها حطّمنا من خلالها كل المتارس وكادت تحصل مناوشات بيننا قبل ذلك ..بسبب الشكوك و الظنون القاتلة ..و" لا يظن السفيه إلاّ بما فيه " إن بعض الظن إثم .. وللأسف فقد كانت آخر محطّة له وآخر لحظة لي معه.. ولم تكن لدينا فرصة أخرى لتوطيد الأواصر..وآخر ما سمعت منه حين قال لي بأنّه جاء لزيارة أحد الأقرباء في المستشفى.لم أكد أراه وقد غادر الحافلة رفقة الحسناء التي لم تنبس ببنت شفة خلال كل المشوار ؟ا 
هبطت تتأبط ذراعه ..تمشي على استحياء ..ملتصقة به كأنّما تخشى أن يفلت منها 
" رفقًا بالقوارير " -قال النبي عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم – همس أحدهم لصاحبه:
-" تكون زوجته؟ "
ورد عليه آخر:
- "فارق السن لا يدل ؟ا "
فقلت لهم معاتبًا:
- " أحيانا المظاهر (الفسيولوجية) لا تعكس السن ..ولكن ظروف الحياة يا بشر.
تبعتهما ..وأفكار وكلمات وألحان « قارئة الفنجان " تجول ..تحاورني ...أناورها .. حاولت طردها مرارًا وتكرارًا من خاطري لكن للأسف ..قد كانت وجهتي غير التي كان يقصدها رفيق دربي المحترم وعقيلته الحسناء التي غابت عن الأنظار -أسأل الله أن يحفظها وأيّاه – 
كم تمنيّنا على ربّنا الأمنيات ..وكم ضيّعنا في هذه الدنيا الرخيصة من حسنات ...؟اا كلها صارت من المرويات والأحلام .
" مَا كلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ "
-المتنبّي –.
لا تحدّثني كيف عدت إلى من بجنبي وكدت أنساهما: زوجتي العزيزة وطفلتي الغالية ..والتي لم تفارقني وفي وقت كنت أظن أنّ الحياة قد توقّفت ؛
عند الزّوال ..ونحن تحت وطأة الشمس العمودية ..حين كنا في وضع القرفصاء المُخزي ..كعيدان كبريت تريد تشتعل ..أو كسمك معلّب في "شبه " حافلة طال بها الانتظار ...حتى ضاقت بنا الدنيا بما رحبت وعندها فقط ...انطلقت الحافلة ببركة الصّالحين وعلى رأسهم جميعًابشيشي بلقاسم اللوجاني.
في طريقنا الى ( مداوروش ) ..وعلى بعد كيلومترات ضئيلة من مكان الانطلاق ..توجد " جبّانة " كُتب على واجهتها " مقبرة البلدية " ..جد مألوفة بالنسبة للسكّان وللمسافرين ..لا تكاد تُفارقها الأنظار ..ولا المعاول التي غرزت أنيابها ..تنبش ..وتنهش ..ليل نهار.. لقربها من الطريق المعبّد ومن بعض المداشر ... لها حكايات ..وحكايات ..مع الزمن القديم والجديد..ليس ذلك بسبب المصاريف الزّائدة عن اللّزوم ..والفواتير الخيالية المضخّمة.. والتي تمّ اعتمادها من قبل المصالح التقنية والمالية ووو..والتي يزعم أصحاب البلدية أنّها تكاليف ناجمة عن صيانة وترميمات قديمة أُجريت خلال المخطط الرباعي بزعمهم ...وسُكت عنها الآن ..وتم غلق الملف ..وأسقطت من سجلاّت الجرد وبقية الحسابات ... بفعل التقادم.. وبانقضاء المخططات والمُدد (القصيرة والطويلة)...أصحابها الآن في بحبوحة يتنعّمون بفضل المال العام " الحرام " .ليس هذا وفقط .. بل بسبب قصّة " طريفة " قضّت مضاجع الأعيان ؛ 
لمّا سمعوا بنسوان جريئة ذهبن خلسة إلى الجبّانة المذكورة وقمن على حين غفلة بنبش بعض القبور المنسيّة والناس نيّام لأجل أعمال السحر ؟ ا وقُبض عليهن متلبّسات بأثار الجريمة ...وفي الأخير طلعن زيجات لهؤلاء الوجهاء الأعيان. ؟اا 
غريب أمرك يا (سدراته) بل وعجيب أيضًا؟ اا كيف كنا في عهدك والمثقفين من ابنائك نضرب بك الأمثال ... حتى صار بعض نسائك يمارسن الشعوذة بل السحر الأسود ينتهكن حرمة المقابر ويهتكن بأموات مسالمين وبأمر من شياطين إنسية تتاجر بالحرمات وتبيع الأوهام؟ اا 
يا لها من تجارة سخيفة تنتهك حرمة العقل. ويا لغرابة العالم الذي ننتمي إليه؟ ا:
وكأنّه كلما تقدّمت آلة الزمن بالعلوم والتكنولوجيا التي تفوق العقل بتقنياتها العجيبة ذات الأبعاد الثلاثية والرباعية وووو... في الجهة المقابلة من العالم .. يزيد البعض إصرارًا في الجهة الأخرى على البقاء في غيّهم القديم.
لوقت ليس ببعيد..ونحن نتكلّم عن مطلع الثمانينات عندما كنا في الثانوي ..كانت هناك أشجار مثمرة على مد البصر..كنا نقطف منها أنواع الفواكه ؛ الجوز واللوز والبرتقال والتفّاح ..والدّوالي ذات الأكمام...نأكل من فوقنا ونستظل تحتها عند المغيب ونحن نتربّص بحافلة متهتّكة سخّرتها البلدية – كثّرالله خيرها - لتعود بنا من (سدراته ) ..الوحيدة عبر كافّة التراب البلدي.. كثيرة العُطب وعندما تغيب هناك من يقطع الكيلومترات راجلاً..ومنا من يبيت في الخلاء ..وآخرون يتحايلون على أصحاب السيارات وليس تحتهم فلوس..وبمجرد أن يوصلهم إلى البيت يطلقون العنان لأرجلهم... " الهربة تمنّع " – هههه - لنلتقي بعدها ونذهب في ساعة متأخّرة من الليل فنوقظ رئيس البلدية صاحب الصدر الكبير ونصب جام غضبنا عليه فيردنا المسكين بابتسامته المعهودة . 
كانت ثمّة أشجار مثمرة للأكل و الاستظلال في أرض خصبة .. جنّة فوق الأرض ..حتى صارت بورًا ؟ا 
من قام بقطعها ؟.
أليست هذه جريمة تستحق العقاب؟
هكذا بلادي جميلة وهذا شعبها طيب الأعراق .. ولكن الانتهازيون لا يعرفون قدر الشجرة ولا قيمتها ولا مدى أهميّتها في الحياة .. يفضّلون بدلها الاسمنت والحديد ووسائل الترفيه الحديثة وبناء المساكن ..كما هو الشأن بالنسبة لبرنامج ما يُسمّى بالبناء الريفي ..رُصدت له أموال وأُبرمت عقود ..لكنها في النهاية طلعت شكلية ..وأغلبها تم تحريره تحت الطاولة: 
أين ذهبت السكنات الريفية ؟ وأين صرفت تلك الأموال؟ و
غدت مثل الأشجار المثمرة التي استؤصلت على بكرة أبيها..بينما لا تزال هناك أكواخ هشّة على هيئتها القديمة.
الغريب أن كل المبالغ التي صُرفت في مجال التنمية الرّيفيّة لبناء سكنات وللحد من ظاهرة النّزوح..لم يُنجز منها سوى اليسير الأروج :" خالة في قاع الوصيف " – كما يقول المثل عندنا - 
يحدث هذا في الجزائر فقط..أو ربما في بلد عربي مجاور .. والأغرب منه أن من بين المستفيدين يوجد: 
عضو بلدي مُنتفع ..وممثّل إداري " ما شافش حاجة " ..وتقني مُرتشي يشهد بالزّور...
جميعًا ليس لهم علاقة بالرِّيف ولا بالسكن ؟اا
شيئًا فشيئًا نقترب من (مداوروش)..شخصيا لا أجد مبرّرا لكل هذا الشغف .. يزيد كلما تقدّمنا في السن أو أطلنا الغياب.. وليست البندقية (فينيسيا) نحب أن نراها قبل أن نموت ..ولا هي بملكة الجمال ( باريس ) .. كما أنّها ليست بسحر (لاس فيغاس) التي لا تنام ...لكن كل من غاب عنك لا يصبر عليك يا (مداوروش) أكثر من ثلاثة أيّام؟
غريب أمرك يا (مداوروش) كيف تملّكت القلوب؟
لم يتمالك العم (محمد) الذي قضى سواد عمره في الغربة حين علم برغبتي في مرافقته إلى الخارج ..و أجهش لولا الدموع التي حبسها.. والحزن يهيض قلبه: 
- " شوف يا (فوزي) ولدي والله ما عندي ما أخبّئه عليك .. كنت ذات وحدي أتمشّى في (وول ستريت) شارع المال والأعمال في مانهاتن ..خلال زيارة ابنتي الكبرى ..عندما قابلتني صورة (مداوروش) أمامي"كالبدر في علاه"..لم أتمالك وقررت العودة إلى البلاد فورًا رغم الحاح البنت كي أمضي معها ماتبقى من الأوقات .
وكذلك خالي (مسعود) – رحمة الله الواسعة عليه -والذي يُكنّي بـ " الشّاوي " وقد أمضى عمره كله إلاّ القليل اليسير منه في حي (البيّاضة) المشهور بالنزعة العرقية وهذا " هرايسي " وذاك " شاوي " يشتغل بمنجم الحديد الشهير بمدينة (الونزة)... هو الآخر لم يستطع كبح مشاعره حين عبِق النّسيم بأريجه ونحن نلج (مداوروش) من جهة " الكاريار " المحجرة من باب (لعوينات) فتنهّد حتى خفنا عليه وقال لأبي:
- " والله يا سي (عيسى) إنّي لأجد ريحها من بعيد " يقصد مدينة (مداوروش) طبعًا.
يأتي ذِكْر (مداوروش ) مقترنًا بــمدينة ( مادوروس ) الأثرية ليجمع بين الحقبتين القديمة والحديثة ..بالرغم من اختلاف المراجع الشّحيحة ..وعبثًا راحت تحاول فرنسا تُسمّيها ( منتسكيو ) تريد تلحقها بتاريخها الامبريالي..لكن الذي يجب أن نفتخر به جميعًا شيئان لا يكاد يفترقان هما : النضال " الثوري " التاريخي ..وعبقرية الانسان عبر الأزمنة ..بدءًا بالأديب السّاخر ( أبولويوس ) ..مرورًا بالعلاّمة ( أحمد التيفاشي ) ... وإلى يومنا هذا لاتزال بعض الأسماء الكبيرة تتلألأ مثل النّجوم في سماء العلوم والأدب...ولم تبخل أرحام ( المداوروشيات ) يومًا بأنجاب رجال وأبطال من أصحاب اللّسان والحسام .
كنا نردد وراء فقيد مادة الأدب سي (عبد المجيد حليمي) -رحمة الله عليه –:
صوت (مداوروش) الجميلة *** صوتك العذب الرّخيم 
ولم أدرك بأنها لـ (ايليا أبو ماضي) سوى مؤخّرًا .
بنقاوة هوائها ونسيمها العليل ..تغازل (مداوروش) أصحاب القلوب الوخيمة ..ولعلوّ مكانتها وبارتفاعها عن مستوى سطح البحر ( 800-900م) : 
- تراها بزواياها الأربع تطل من بعيد مبتهلة.. قبلة لكل زائر..وكتاب مفتوح نستلهم منه ذكريات الماضي وعبق التاريخ ..يروي لنا سيرة الأجداد جاؤوا من الشرق البعيد ..ومن كل فج عميق ...وثورة مجيدة خرج الشعب فيها منتصرًا رغم الدماء والجراح . 
تصل ( مداوروش)بين نقيضي ؛ شمال خصب وجنوب شبه جاف .. لتجمع بين أهل الغابة والأحراش .
وقد قضت على خلاف ظل يشتعل بين القبائل والأعراش ..أذكت نيرانه فرنسا "العجوز" ولم تترك ضحاياه حتى فرّقت سنين بينهم ..وحتى صار الإخوة أعداءً يضربون رقاب بعضهم؛ 
(وما حادثة " السالغان " الشهيرة والتي جرت وقائعها في مشتى (عين البيضاء) بين فرقتين من نفس القبيلة ...إلاّ إحدى مؤامراتها الدّنيئة ...تحوّل الفرد فيها من انسان عاقل إلى مجرم وقاتل متعطّش إلى الدماء..). 
ما لهؤلاء الذين جرت روح الخيّانة الخرساء في عروقهم فأرادوا أن يتسلّطوا على الناس بشغفهم وحبهم و" شبقهم " عشقهم للأموال والمناصب: 
- " المزيّفون ". 
ظلّ يردّدها صديقينا (الغربة)كلّما رأى بعض أصحاب الوجوه القديمة ؛ عصبة من الانتهازيين رهنوا مستقبل ( مداوروش ) وقضوا على طموحات شبابه. 
ألومُه؟... كلاّ ولا ... لديه حق فيما يقوله ؛
أولاد " الفاميليا " الذين لم ينجرفوا وراء المصالح الآنية الضيّقة ...ولم تغرهم حظوظ الدنيا" التّافهة "... أضحوا مهمّشين "أسماك ميّتة في مستنقع الكذب"– مثل روسي -" ).
كان صديقنا المسكين ..والدولة في عزّ أيام البحبوحة ..وسعر البرميل الواحد قد تجاوز مائة دولار ...بينما هو " لا دار ولا دوّار " بلا مأوى ...يشتكي ويقول لنا:
- " عندما يغلق عليك هؤلاء " المزيّفون " كل الأبواب ولا يعيرونك اهتماماتهم...وعندما لا تجد حق علبة" باطة شمّة " نتنة تتصبّر بها.. فإنك تستخزي نفسك . لماذا يطاردونك بلا شفقة ولا رحمة ..؟ فتغدو منبوذًا هكذا..بلا هوية...فاقد للأهلية ..تعانق الموت..تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة... حتى تشعر بالضياع وكأنّك في غربة.
ومن يومها ونحن ننادي عليه باسم " الغربة " احتراما لهذا الشعور:وسمَّيتُه يحيى ليحيا ولم يكنْ **إلى ردِّ أمرٍ اللهِ فيهِ سبيلُ
- رحم الله الغربة وكل من كان يظن به خيرًا -
تراجع سعر البترول إلى أدنى مستوى ..وانخفض معه سقف المطالب وذهبت بحبوبة سنين ..ليعود شبح الفقر من جديد وقال المرفّهون:
- " شعب مُبذّر " 
يتشفّون في " غاشي " ؛ شعب غلبان أنهكته المحن ..لا يكاد يفيق من ثورة حتى يدخل في ثورة أخرى .. ومن غفوة إلى نكسة .. على نعيق أبواق تنادي بالتقشّف وبمراجعة الأسعار؟ 
ويعود الغلاء الفاحش ذو الوجه القبيح من جديد..فــ:
ــلا ملك الموت المريح يريحني *** ولا أنَا ذُو عَيْشِ ولا أنَا ذُو صَبْرِ.
كما يقول " مجنون ليلى "..ومن بعده المثل الفرنسي المشهور:
"Les bons payent pour les mauvais "
ولو كنت أهلاً للترجمة لشرحته لكل ناعق وناعر جاء ينعي بدموع " التماسيح " الكاذبة صديقنا (الغربة) الذي عاش يتيمًا ومات محرومًا من " قَبْسة شمّة " تُريح أعصابه من مغبّة الفقر قبل أن يسعفه الموت ويريحه بدوره من حياة " كَلْبة "- كما كان يقول دائمًا- .
ليجسّدوا بدموعهم الكاذبة وبجدارة المثل - الشعبي - القائل : 
" كي كان حي مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون "
والذي أستحضره كلما رأيت هؤلاء النّعاة " المزيّفين " بوجوههم " الخشبية " التي لا يعيرها أكل الوضائم .
لو كان يدرك هؤلاء " المزيّفون " حقًّا بأن صديقنا (الغربة) :
المعروف بروحه المرحة، وظلّه الخفيف، والحِكم " العجيبة " التي كان يأتي لنا بها (ولم يُوفّق في مواصلة التعليم وتم طرده من المدرسة بسبب الفقر ) 
- مثل الأغاني التونسية الجميلة التي يحفظها عن ظهر قلب ، وأبيات ( ناظم الغزالي ) التي كان يسمعنيها .
- ومثل ثمار البحر التي كان (المسكين) يجلبها بشق الأنفس ليُشهنيها.
- ومثل العطر الذي كان يقتنيه ، رغم ضيق ذات اليد ، ويغمر به عمّار بيت الله بعد كل صلاة فريضة.ابن (مداوروش) حقيقي ...ولم يكن مزيّفًا.
ها قد رحل عنا (الغُربة) ..
تاركًا شذاه فينا.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة