اكتشاف مذاق جديد دراسة حديثة

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 8

إذا جلست على مائدة عليها ألوان الطعام والشراب، وقررت أن تتذوق كل شيء، يؤكد العلماء أنه رغم التنوع، فلن يتذوق لسانك أكثر من 4 مذاقات رئيسية هي الحلو، والمالح، والحامض، واللاذع، وفي حوار دولي في هاواي عام 1985، سجل العلماء إضافة مذاق خامس، وهو «أومامي» (umami) أو مذاق اللذة، وهو المذاق المميز للحمض الأميني (حمض الجلوتاميك)، أو المذاق اللحمي، وهو مذاق شهي أتى من كلمة مستعارة من اللغة اليابانية، والكلمة مركبة من كلمتي أوماي "لذيذ" ومي "طعم"، ومعناها "طعم لاذع لطيف".

والمذاق أو النكهة كما يعرفها العلماء هى مزيج حسي معقد، يتألف من حس الطعم (الذوق) وحس الرائحة (الشم) بالإضافة إلى حس لمس الطعام في أثناء لوكه في الفم. ويستعمل كثير من الناس كلمتي مذاق أو طعم تعبيرًا عن النكهة.

يقول <ريتشارد ماتيس> -أستاذ العلوم الغذائية في جامعة بيردو-: «إن ما بدأ كتحدٍّ لهذه المذاقات الأساسية الفريدة، يمكنه الآن أن يفتح الطريق إلى المزيد من المذاقات، ما أثار تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت المذاقات محصورة بعدد قليل منها، تشكل الأساسيات التى اعتدنا معرفتها في السابق».

ويضيف أن «المذاق يؤدي دورًا جوهريًّا كنظام للتحسس الكيميائي، إذ يساعدنا على اكتشاف العناصر المغذية والدفاع ضد ما يعتبره الجسم مادة سامة، فلدى وضعنا الطعام في أفواهنا تنساب الكيميائيات فوق براعم التذوق المزروعة على اللسان، ووفقًا لاستجابتها وردود فعلها، إما نستحسن الطعم أو ننفر منه».

وتشهد موائد العالم مذاقات مميزة كثيرة ومختلفة، تجعلنا نفضل طعامًا ما على غيره، وهكذا بالنسبة للمشروبات. ولكن، ماذا لو قُدم إليك طبقان، أحدهما فيه شوكولاته، والآخر فيه أرز، من أي الصنفين ستأكل أكثر؟ قادت الإجابة عن هذا السؤال فريقًا بحثيًّا أمريكيًّا إلى إضافة مذاق جديد إلى ما سبق ذكره من المذاقات الخمسة، وهو المذاق النشوي Starchy.

سؤال الشوكولاته والخبز، طرحته البروفيسورة <جوين ليم>، قائد فريق بحثي بجامعة ولاية "أوريجون"، وكانت الإجابة التى جاءت على لسانها: "أعتقد أن الناس يفضلون الأطعمة المليئة بالكربوهيدرات. الأطعمة السكرية كالشوكولاته جميلة على المدى القصير؛ ولكن إذا قُدمت إليك الشيكولاته والأرز معًا، فسوف تأكل كمية بسيطة من الشيكولاته، في مقابل كمية كبيرة من الأرز".

وقال الباحثون إن النتيجة التى توصلوا إليها، ونشروها فى دورية (Chemical Senses) أواخر يوليو الماضي، تفسّر السبب الذي يجعل البشر يحبون الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات مثل الخبز والأرز، والتي لها تاريخ طويل كجزء من الثقافة البشرية.

وأجرت ليم وفريقها تجربة على 22 متطوعًا، لتذوُّق مجموعة مختلفة من المحاليل المحضّرة من كميات مختلفة من الكربوهيدرات، وطُلب من كل متطوع تقييم الطعم الذي تذوقه. بعد ذلك، جرى إعطاؤهم مركبًا خاصًّا يعمل على حجب مستقبِلات الطعم الحلو باللسان، ثم مركبًا آخر يحجب الإنزيم الذي يكسّر الكربوهيدرات ذات السلسلة الطويلة، وكانت النتائج مهمة.

ففى السابق، كان هناك إجماع على أن البشر لا يمكنهم تحديد طعم الكربوهيدرات؛ لكونها تتفكك سريعًا، إذ يبقى الطعم الحلو فقط، أي أننا حين نتناول الكربوهيدرات، فما نشعر به هو الطعم الحلو فقط، لكن النتائج هذه المرة كانت مختلفة، فبعد إزالة حاصرات مستقبلات الطعم، كان المتطوعون قادرين على تذوق الطعم النشوي ووصفه، وهو ما قاد الباحثين إلى أن البشر قادرون على تذوق الكربوهيدرات.

وبينما أطلق الباحثون على الطعم «نشوي Starchy»، يصفه الآسيويون بأن طعمه يشبه الأرز، أما القوقازيون فيرونه أشبه بطعم الخبز أو المكرونة. 

مزيد من المذاقات

 سبق اجتهاد مكتشفي الطعم «النشوي» جهد آخر، ففى عام 2015، وجد باحثون أمريكيون دليلًا على أن الدهون قد يكون لها مذاقها الخاص، فيما يبحث آخرون في احتمالية أن تكون للكالسيوم، والدم، والأحماض الأمينية مذاقاتها المنفصلة.

كما أفاد بحث أسترالي، أُجري في جامعتي "ديكن" و"أديليد" في عام 2010، أن الدهون هي المذاق السادس، بعد أن ثبت أن اللسان البشري يستطيع رصد مذاق الدهون، مشيرين إلى أن هذا الاكتشاف يمكن أن يؤدي دورًا أساسيًّا لتقليل السمنة المفرطة.

فيما قال الدكتور عبد الرحمن رجب، أستاذ التغذية وعلوم الأغذية بكلية التربية النوعية بجامعة عين شمس، إن هذا السيناريو يمكن أن ينطبق على الكربوهيدرات.

أسرار اللسان

 وأضاف عبد الرحمن، في حديث لمجلة "للعلم" أن حاسة التذوق عند الإنسان هي المسؤولة بصفة أساسية عن استساغة الطعام من عدمه، وبالتالي هي مَن يقرر ما إذا كان هذا الطعام أو الشراب مناسبًا لنا أم لا، وعلى هذا الأساس يستطيع الإنسان أن يحدد من خلال براعم التذوق الموجودة على اللسان ما إذا كان الطعام حلوًا أو مرًّا أو حامضًا أو لاذعًا، وهي المذاقات المتعارَف عليها.

ووفق عبد الرحمن، فإن مثل هذه الدراسات تُظهر أننا إلى الآن لم نكتشف كل أسرار اللسان البشري بما يملكه من إمكانيات تعمل على انتقاء الطعام المناسب والمفيد، واستبعاد المضر من خلال قدرته على تمييز العديد من المذاقات المختلفة. ولكن في بعض الأحيان يرفض اللسان من خلال التذوق بعض الأطعمة المفيدة بسبب عدم استساغة طعمها.

 صناعة الغذاء والدواء

 مجرد إثبات أن اللسان يستطيع تمييز طعم المواد النشوية هذا في حد ذاته إضافة علمية كبيرة، وفقًا لعبد الرحمن، ولكن كيف تساعد هذه الإضافة في تطوير عملية التصنيع الغذائي وتحسينها، وتجعل صانعي الأغذية يستغلون مذاق النشويات في تسويق الأغذية بشكل أكبر؟

أجاب عبد الرحمن بأن ما يُسمى بالأغذية الوظيفية، وهي الأغذية التي توفر العناصر الغذائية الأساسية وتساعد الجسم على محاربة الأمراض لا تتمتع غالبًا بطعم شهي، وهنا تأتي أهمية مثل هذه الدراسات، التي لا بد أن تُستكمَل حتى يتم فصل المركبات المسؤولة عن الطعم النشوي، وإضافتها لمثل هذه الأغذية حتي يستسيغها اللسان وتكون مقبولة، فيزيد تناولها وبالتالي يصبح الغذاء أكثر إفادة ويتم دعم الجانب التسويقي لمثل هذه المنتجات.

وأشار إلى أن تلك الدراسات ستسهم إلى حد كبير في تحسين منظومة التغذية لدى الإنسان، وذلك من خلال القدرة على فصل المذاقات المستحبة، وإضافتها لبعض الأطعمة التي تتمتع بقيمة غذائية عالية ولكنها تفتقر إلى المذاق المستساغ مثل مسحوق «بوليكوز Polycose» المصنوع من «المالتوديكسترين»، إذ اكتشف فريق من العلماء أن هذه المادة المضافة التي لا طعم لها تحسن أداء الرياضيين.

ومن المعروف أن غالبية الناس تميل إلى تناول الأغذية الغنية بالكربوهيدرات مثل الأرز والخبز، وذلك لسهولة هضمها، إلا أن تناولها يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم، مما يتسبب في أمراض السمنة والسكري وغيرها من أمراض العصر.

فيما قال الدكتور فاروق جبر -أستاذ الكيمياء الحيوية بالمعهد القومي للتغذية- في حديثه لـ"للعلم": "إن مركبات الطعم النشوي عند فصلها، يمكن أن تضاف إلى الأغذية المقدمة للحوامل والرضع الذي يفضلون الطعم النشوي، ولكن بنسب معينة تتوافق مع المعايير الصحية التى يضعها المتخصصون".

ويتجنب الباحثون عن الرشاقة المشروبات السكرية؛ لاحتوائها على سعرات حرارية عالية، بالإضافة إلي مستويات مرتفعة من السكريات، ويلجأون إلى المشروبات الخالية من السكر أو ما يطلق عليها "زيرو سكر" لاحتوائها على الأسبارتام وهو مُحَلٍّ صناعي غير سكري، وهو أحلى من السكر بحوالي 200 مرة ، ولكن سعراته الحرارية أقل بكثير.

وأوضح جبر أن مركبات الطعم النشوي ستضاف إلى الأغذية بنفس سعراتها الحرارية، بعكس المُحلِّيات الصناعية، قليلة السعرات؛ لأن كل جرام من الكربوهيدرات يعطينا 4 سعرات حرارية، وبالتالي لن تكون مفيدة لمن يبحثون عن سعرات حرارية قليلة، مشيرًا إلى أن استخدامها سيقتصر على تحويل المذاق المر في بعض الصناعات الغذائية، إلى مذاق نشوي محبب للكثيرين.

إن نتائج تلك الدراسة لا تفيد الغذاء وحسب، بل يمكن استخدامها فى التطبيقات الدوائية، حسبما رأى الدكتور عيد أحمد، أستاذ تكنولوجيا الحبوب ومنتجاتها بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، والذي أضاف في حديثه لمجلة "للعلم" أن الأطعمة النشوية محببة للجميع، وخاصة الأطفال، ومن الممكن أن يتم توظيف الطعم النشوي، وإضافته إلى أدوية الصغار والكبار بحيث تصبح مستساغة.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة