الابعاد الرئيسية لمفهوم التنمية: إشكالات ومقاربات

  • الكاتب Youssef Zarouk
  • تاريخ اﻹضافة 2017-10-09
  • مشاهدة 1

إعداد:  يوسف زروق

توطئة:

ان المتأمل فيما قدمته الاتجاهات الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المفسرة للتنمية والتخلف، سيدرك انها اكدت على انه من الضروري ان نستند في ادراكنا وفهمنا لقضية التنمية والتخلف الى النظرة التكاملية والشاملة، عكس ما تذهب اليه باقي التخصصات المتدخلة في الموضوع، والتي تنظر الى القضية من زاوية ضيقة ومحددة تعتمد في اختيارها التحليلي والمنهجي اسلوبا استقرائيا يجرد القضية من جزئياتها المؤثرة والفاعلة. في حين تتحدد النظرة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا في ان هناك العديد من الابعاد المتفاعلة والمترابطة بعضها ببعض، وكذا المرتكزات التي ترتكز عليها التنمية وتدعمها، والتي يمثل كل بعد منها مطلبا من متطلبات التنمية ودعماً لها.

وبهذا، تتخذ التنمية عدة ابعاد، في مقارباتها واختياراتها، فالتنمية قد ترتكز على البعد الاقتصادي، او الاجتماعي، او الإنساني/ البشري، أو تتخذ من البعد المحلي حيز اشتغالها وتدخلها. لكن هذه الابعاد مجتمعة تظل مدخلا فقط لفهم الاليات والوسائل التي ينبغي اتباعها لتحقيق التنمية. وقد جربت الدول والمجتمعات بعظها وتغافلت عن البعض الاخر، لكن الدراسات والتقارير الدولية المتعلقة بقضايا التنمية أقرت بأهمية التكاملية والنمدجة كوسيلة وغاية لبلوغ اهداف التنمية.

1.     التنمية الاقتصادية

اكدت الاتجاهات النظرية المفسرة للتنمية والتخلف اهمية البعد الاقتصادي في التنمية، وانه يمثل شرطاً اساسياً من شروطها، ويتمثل في العديد من العناصر الاقتصادية مثل الموارد المائية والطبيعة المتاحة والميسرة، والمؤسسات والمنشأة والأجور، وقوة العمل ورؤوس الاموال وأدوات الانتاج، الخ. ولتحقيق التنمية والتعجيل بها ينبغي التوصل الى فهم شامل لثقافة البلاد النامية. ومعنى هذا انه يجب فهم الى جانب العوامل المادية في ثقافات المجتمع كافة القوى الروحية والفكرية والاجتماعية.  فمن الصعب الحديث عن تنمية اقتصادية شاملة وحقيقية في ضل تجاهل المتغيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية المرافقة والمتداخلة، اذ لا بد من استحضار القيم الجماعية والتقاليد والعادات والطقوس الجماعية، وكذا الرواسب الثقافية والمعتقدات الروحية المتجذرة في المخيال الاجتماعي والثقافي لأفراد المجتمع، ففي تجاهل هذه العوامل وغيرها ستستحيل معها تحقيق الغايات التنموية. لأنها قد تشكل تهديدا للنسيج الثقافي والاجتماعي الموروث الذي يوحد الجماعة وقد لا يحقق لها إشباعاتها الثقافية المنتظرة مما سيجعل هذه التوجهات التنمية في حالة صراع ومواجهة مع افراد الجماعة.

 2. التنمية الاجتماعية

من الواضح أنّ تعاريف التنمية الاجتماعية تختلف باختلاف الخلفيات والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية، ومن الصعوبة حقا الاعتماد على تعريف دون آخر، نظراً لكون كل تعريف يركّز على جانب معين من جوانب شخصية الفرد أو الجماعة أو المجتمع أو تنمية المؤسسات البنيوية للتركيب الاجتماعي.

فالتنمية الاجتماعية هي '' عملية تغيير حضاري تتناول آفاقا واسعة من المشروعات التي تهدف إلى خدمة الإنسان، وتوفير الحاجات المتصلة بعمله ونشاطه، ورفع مستواه الثقافي والصحي، والفكري، والروحي، وهذه التنمية تعمل بصورة عامة على استخدام الطاقات البشرية من أجل رفع مستوى المعيشة، ومن أجل خدمة أهداف التنمية.

يركّز هذا التعريف على أنّ التنمية تهدف أساسا لتقديم خدمات من أجل رفع مستوى المعيشة الأف ا رد بالتركيز على الجوانب الثقافية والروحية والفكرية. وفي السياق نفسه يشير أحمد زكي بدوي إلى أنّ التنمية الاجتماعية هي '' تلك الجهود التي تبذل لإحداث سلسلة من التغيرات الوظيفية والهيكلية اللازمة لنمو المجتمع وذلك بزيادة قدرة أفراده على استغلال الطاقة المتاحة إلى أقص حدّ ممكن لتحقيق أكبر قدر من الحرية والرفاهية لهؤلاء الأفراد بأسرع من معدل النمو الطبيعي.

    3.  التنمية البشرية

منذ سنوات التسعينات من القرن الماضي، تغيرت معظم المفاهيم والاستراتيجيات التي كانت سائدة لفترة طويلة حول قضايا التنمية، والتي كانت تنظر اليها برؤية تحقيق التوازن الاجتماعي قدر المستطاع لتجنب وقوع أزمات وحركات اجتماعية مضادة تعصف بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول في ظل تحكم منطق الدولة الاجتماعية والقاهرة، في مقابل اتساع هوة الحاجة والفقر، والانذار بنهاية منطق الطبقات الاجتماعية الوسطى التي تجلى دورها في خلق هذا التوازن في جل تجلياته، وأمام نهج الدول لسياسية التقويم الهيكلي الذي كانت له انعكاسات ضخمة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة والمحرومة، وأيضا تجريب الدول للعديد من السياسات والاستراتيجيات التي أظهرت فشلها، كونها ركزت على البعد الاقتصادي والاجتماعي كل على حدى عوض نهج مقاربة مندمجة ومتكاملة.

أمام هذا الوضع بدأ المجتمع الدولي يفكر في الطريقة المثلى لتجاوز هذه الإشكالات التنموية، عبر عقد العديد، من المؤتمرات واجراء دراسات وبحوث علمية واكاديمية، تستهدف ادماج البعد الإنساني   في التنمية، عبر الترويج لمفهوم التنمية البشرية والعمل على ترسيخه كاستراتيجية دولية ينبغي لكل المجتمعات نهجها، لتحقيق إشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، وتكوين رأس المال البشري، ورفع مستوى المعيشة، والتنمية الاجتماعية، وتحسين نوعية الحياة، وترسيخ الوعي بمدى قيمة الإنسان، والذي يعتبر هدفاً ووسيلة في المنظومة الخاصة بالتنمية الشاملة. ترسخت هذه القناعة، بأن الإنسان هو المحور الرئيسي لعملية التنمية واعتباره الأداة والغاية التي يمكن من خلالها الوصول لمستقبل أفضل.

فالتنمية البشريّة هي تنمية وتطوير قدرات الإنسان وإمكانيّاته بشكل دائم ومستمر، وذلك بما يُمكنه من ممارسة نشاطه المعتاد، وباعتباره أداة وغاية للتنمية، وللتنمية البشريّة أسس فكريّة تنطلق منها، وشروط ومعايير محددة، ولها آثار تترتب عليها.

ينطلق مفهوم التنمية البشرية من نظرية التطور الاجتماعي، حيث إنّ الإنسان هو العنصر المهم في هذا التطوّر من جانب، ومن جانب آخر لا بدّ من مواءمة ومتابعة العلاقة بين العوامل الماديّة في الحياة والعوامل الروحيّة، وما بينهما من تأثير متبادل، ومثال العوامل الماديّة أو الحاجات الماديّة: اكتساب الإنسان خبرات مهنيّة محددة تعينه على تنمية حاجاته الماديّة، ومثال العوامل الروحية: حاجة الإنسان للمثل العليا والقيم الرفيعة والمبادئ الراسخة والاعتقاد الديني الصحيح، فالإنسان مادة ومن ضم رسالته في الحياة تلبية حاجاته الماديّة مع الحفاظ على القيم الروحيّة.

أصدرت الأمم المتحدة تقريرا سمي ب مؤشر التنمية البشرية في دول العالم، ويقيم المؤشر مجهودات التنمية البشرية في كل دولة بين (1= جيد جدا و0=انعدام التنمية البشرية). صدر التقرير في عام 1991 وقام بإعداده عالم الاقتصاد الباكستاني محبوب الحق، حيث أكد فيه أن التنمية البشرية لا تؤدي مهامها دون أن يكون هناك نمواً اقتصادياً مصاحباً، وإلا لن يكون هناك تحسن في الأحوال البشرية عموماً. وفي العام 1994 صدر تقرير التنمية من الأمم المتحدة الذي أكد أن التنمية البشرية هي نموذج هام من نماذج التنمية والتي من خلالها يمكن لجميع الأشخاص من توسيع نطاق قدراتهم البشرية إلى أقصى حد ممكن وتوظيفها أفضل توظيف في جميع الميادين. ويخلص التقرير إلى أن التنمية البشرية بقدر ما هي مسعي لتحسين حياة الأجيال الحاضرة فهي كذلك صمام أمان يحمى خيارات الاجيال التي لم تولد بعد. ذلك أن التنمية المستدامة تعمل على توفير الإنصاف داخل الجيل الواحد وبين الأجيال المتعاقبة، فكما أن الجيل الحالي يتحمل عادة معاشات التقاعد للجيل السابق، فإن الجيل القادم سوف يتحمل مصروفات معاشات الجيل الحالي العامل. ذلك أن ديون الدولة تتحملها في المقام الأول الأجيال القادمة حيث أن تلك الديون هي ديون طويلة الأجل.

تظهر التنمية بوضوح الفارق بين الدخل ورفاهية الإنسان من خلال قياس معدل الإنجازات في مجالات الصحة والتعليم والدخل. ويعطي دليل التنمية في بلد ما صورة أكثر وضوحا لحالة مجتمع ورفاهيته من الصورة التي يعطيها الدخل وحده. التنمية البشرية مبنية في المقام الأول على اتاحة الفرصة للمواطن بأن يعيش نوع الحياة الذي يختارها ومزاولة العمل المناسب لهم – وعلى تزويدهم بالأدوات المناسبة والفرص المؤاتية للوصول إلى تلك الخيارات. وفي السنوات الأخيرة، سعى تقرير التنمية البشرية بقوة إلى إثبات أن هذه المسألة هي مسألة سياسة تقوم بها الدولة بقدر ما هي مسألة اقتصاد – من حماية حقوق الإنسان إلى تعميق الديمقراطية والعمل الجماعي. والتنمية البشرية تنمي القدرات أبناء الوطن بصفة أساسية، وتراعي في نفس الوقت حصول الأقليات دينية أو عرقية أو من المهاجرين على حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع من التعليم والوظائف والمدارس والمستشفيات والعدالة والأمن وغيرها.

4 . التنمية المحلية

ظهر هذا المفهوم في مطلع الستينات من القرن الماضي، على إثر النقاشات التي تعالت حول تهيئة وإعداد التراب، للحد من الاختلالات الحاصلة بين الجهات. ولقد كان العالم القروي الحقل الأول لتطبيق المفهوم، لكنه اليوم تجاوز حدود القرية إلى المدن خصوصا في الأحياء، و قد "أصبح هذا المفهوم المفتاح لكل الأبواب، قد يستعمل بدون أي تميز، فهو  يحل جميع الإشكالات، سواء تعلق الأمر بالتهيئة الترابية أو السياسة الجهوية أو غيرها، ميزته الأساسية هو أنه يجعل من آليات التنمية المحلية والشروط  المحلية علاقة جوهرية في كل تنمية بغية تحقيقها محليا، و بدون شك تتعدد وتختلف هذه الشروط، و بالتالي يكون هناك  العديد من نجاح النماذج والمناطق فليس هناك نموذج واحد للتنمية المحلية، يجعل من منطقة أو جهة معينة نجاحا عاما يمكن نقله أو استيراده من طرف المناطق أو الجهات الأخرى التي قد تختلف في ثقافتها و في مكوناتها السوسيو تاريخية أو الاقتصادية" .

وتمثل التنمية المحلية، قطيعة مع توجهات واهداف التنمية التي يتم وضعها وقيادتها انطلاقا من المركز. انها " عملية مستمرة يشارك فيها أكبر عدد ممكن من المؤسسات وأرفاد المجتمع المحلي، بهدف إحداث تغيير ليجابي، كمي ونوعي، في أوضاعه، ليتحول الى مجتمع جديد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، يتمتع أفراده بنوعية من الحياة أفضل مما كانت عليه سابقا.

فالتتمية المحلية تنبع من الافراد، وهو مايحتم مشاركتهم مشاركة تامة في صنع القرارات والسياسات المتعلقة بحياتهم. وحتى يضمن لتلك المشاركة النجاح، فلا بد من بناء وتعزيز قدراتهم.


يوسف زروق باحث ومختص في السوسيولوجيا والتنمية الاجتماعية 

- ماستر في علم الاجتماع2017

- شهادة الكفاءة المهنية في التنمية الاجتماعية 2016

- اجازة في علم الاجتماع 2014

- اجازة في علم النفس2008

- شهادة الدراسات الجامعية العامة في التاريخ والحضارة 2016

المراجع المعتمدة

-  محمد الجوهري. علم الاجتماع وقضايا التنمية في العالم الثالث، دار المعارف، الطبعة الثالثة، القاهرة 1982،.-  إحسان محمد حسن، علم الاجتماع الاقتصادي، دار وائل للنشر، الأردن، ط 1، 2005،.- احمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، مكتبة لبنان، 1993.-  إبراهيم العبيدي، ما هي التنمية البشرية، مجلة موضوع الالكترونية،-  عبد المالك ورد، الفاعل المحلي وسياسة المدينة بالمغرب، سلسلة دراسات وأبحاث، رقم 20، 2006، منشورات كلية الآداب مكناس.-  بوركية مصطفى، المقاربة التشاركية واليات تتبع وتقييم مشاريع التنمية المحلية، المطبعة السريعة، القنيطرة 2016،.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة