الانسان

  • الكاتب elkamel hammadi
  • تاريخ اﻹضافة 2017-04-30
  • مشاهدة 8

ثمة مائة و خمسون مليون مدينة في العالم و عدد لا يحصى من الناس .. مخلوقات معقدة على كل لون تتعلق بأمنا الارض و تمتص غذائها من التراب .. و كل مخلوق منها يعيش في عالم وحده , مشيدا قوقعته حوله بأحجار الفلسفة الصلدة التي لا يمكن قهرها , مغلقا منافذه , مستعدا للدفاع عن كل حجر في عالمه الى اخر لحظة .. فاذا احس بالخطر يهدد قلعته , يقف شعر رأسه من الغضب و يشرع اسنانه ثم يبدأ بالهجوم مباشرة بكل ما لديه .. الى اخر لحظة ! لذا شنق الانبياء بحبال الليف .. و وضع ابراهيم في النار, و هدمت مدين اخناتون فوق رأسه , و ارغم سقراط على ان يشرب نخب الفلسفة ممزوجا بالسم الحاد . انه لا يملك شيئا سواه , و لا يستطيع ان يتنازل عن حجر واحد منها , الا اذا بذل جهدا خارقا بالغ الضخامة .. الا اذا احدث في رأسه ثقبا ليدخل الهواء ..

و منذ بضعة آلاف سنة كان مجرد قطعان صغيرة مقرورة , تهيم عبر براري الشرق , باحثة عن شيء تأكله , مواصلة هروبها امام باق الحيوانات , جائعة بلا انقطاع .. و كان عددهم إذ ذاك مثل عدد بوينس آيرس الآن .. ثمان ملايين فقط , ثم اخرج احدهم المحراث .. فيما اكتشفت احدى النساء انها تستطيع ان تركب فوق ظهر حيوان اسمه – الحمار – دون ان يعضها .. و احضرته معها الى الكهف .. و عندما اجتمع المحراث و الحمار زرع اول حقل قمح في العالم , و انتهى عصر المجاعة الذي دام اكثر من ثمانين مليون عام .. ثم بنيت بابل , و طوقت بثلاثة اسوار حجرية للدفاع عنها ضد الرعاة الجائعين على طول نهر الفرات . و كان الانسان قد بدأ يتعلم بناء قلعته الخاصة في رأسه , كان قد شرع يمارس الفلسفة .. و تم اختراع اول أداة حديدية للقتل .. و فتح البابليون اسوار مدينتهم و انطلقوا لفتح رؤوس الرعاة , و إحداث ثقوب فيها لكي يدخل اليها الضوء و الفلسفة و حب الرب عشتار .. و منذ ذلك اليوم ارتبطت الحرب بالفلسفة , و اخذت المدن على عاتقها مهمة نقل الحضارة الى الرعاة , و اقتحام رؤوسهم بالقوة .. فيما تعهد الرعاة بمهاجمة المدن و تدميرها كلما سنحت لهم الفرصة ..

و هكذا تم صنع الانسان ..و كانت بابل التي قامت بهذه المهمة مجرد مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها سكان الطابقين الخامس و السادس من عمارة الامباير ستيت .. أي حوالي ثلاثين الف نسمة .. و لكنها كانت اكبر مدينة في العالم إذ ذاك ..

و بدأت لعبة الحرب .. و شن الرعاة اليهود او هجوم انتقامي على جير وشيا و دمروها عن آخرها فيما وقف النبي يوش يعيا ليلعن كل من يضع حجرا في المدينة العاهرة .. ثم تكفلت بابل بعقاب اليهود و احرقت مدينتهم اورشليم و هيكل سليمان معا , وباعت عشرة آلاف فتاة يهودية في اسواق القراصنة المزدحمة على طول الساحل بين فينيقيا و اسبانيا و في المرة التالية جاء الهجوم من أشور .. و تبادلت مدينتا ننيف و بابل عمليات القتل الجماعية , و كانت كل مدينة منهما تقوم على احجار الاخرى , فلم يكن العالم يملك ما يكفي من الاحجار لبناء مدينتين في وقت واحد ! ثم اشترك باق الفاتحين في المهرجان , و غرس رمسيس رمحه على حدود سوريا الشمالية , معلنا عزمه على الوصول الى آخر الارض فيما- قرر دارا – الفارسي ان يسرق منه ذلك الحلم . و بعد مائتي عام اخر تمكن شاب مقدوني اسمه اسكندر الاكبر من الوصول الى آخر الارض و كانت طروادة قد هدمت للمرة السابعة .. و اصبح في وسع اسطول اثينا ان يبحر على طول ساحر اسيا دون ان يضطر لدفع رسوم لاحد .. و بنى بركليس اثينا مرة اخرى بعد ان هدمها الفرس فوق رأس زيوس .. و فيما كان الديمقراطيون النبلاء يحتفلون بدفن العداء – ماراثون – الذي حمل انباء الانتصار على الفرس , كانت احدى القابلات تستقبل طفلا عجيبا اسمه سقراط .. و تلفه داخل حزمة من الصوف الاحمر لكي ينشأ محاربا قويا .. و لكن سقراط كان فيلسوفا و كانت مهمته القادمة ان يحاول اقتحام رؤوس الاخرين و هي مهمة اكثر قسوة من اقتحام اسوار المدن , فليس ثمة سبيل الى قلعة الانسان داخل رأسه .. انها مغلقة بأحكام مذهل , و محاطة بالأسلاك الشائكة و الحراس الذين لا يمكن رشوتهم بأي حال .. و هي قلعة فظيعة الصلابة مثل عظم السلحفاة نفسه .. و قرر سقراط ان يبدأ النطاح مفتوح العينين .. و دامت المعركة ثلاثين عاما كاملا, ثم هزم الفيلسوف , و حمل الى غرفة معتمة حيث قدم له القاضي كأسا فضية من السم و طلب منه ان يشرب نخب انتصار القلاع .

ثم جاء افلاطون ليحلم بالعالم بدون قلاع .. فيما قرر ارسطو ان يرافق الاسكندر الفاتح و يفتح رأسه .. و لكن بدون جدوى فقد كان الانسان يملك خبرة كافية لأغلاق اذنيه في الوقت المناسب.

و عندما ابحر القائد الروماني سولو لكي يهدم طروادة للمرة الثامنة , كان يمهد طريق الامبراطورية الى مدن الشرق .. و في احدى هذه المدن الصغيرة الضيقة الازقة ولد فاتح اخر اسمه- عيسى ابن مريم – و كان يحمل كلمة الله معه ..

و بدأ مهرجان الصلبان .. و قتل الامبراطور من المسيحين اكثر مما قتل وباء الكوليرا الذي اجتاح العالم في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد .. قبل ان يصبح مسيحيا مثلهم – بعد ان علمته الفلسفة كيف يحتفظ بأوهامه الوثنية تحت اسم اخر – و بدلا ان تنمو كلمات الله في قلعة الانسان , اختلطت ببقايا زيوس الفظيع , و جعلت المسيح - مثل هرقل - ابنا للرب نفسه , و ربطت مريم بهما معا , و ربطت اليونان بين زيوس و هرقل و افيجينا , و تم صنع الثالوث , مرة اخرى , من المرمر و كلمات الرب الودودة , و انتصبت الايقونات في رأس الانسان , متحايلة داخل قلعته العظيمة عشرين قرنا بلا انقطاع .. فيما خلع الفقهاء المسلمين احذيتهم و اقتعدوا ارصفة الشوارع بين بغداد و قرطبة محرقين بخورهم ليكتبوا كلمات الله في الاحجبة الملونة مقابل بيضة و حفنتين من دقيق القمح , و خمد لهيب المعركة حتى اوقده بيكون و داروين مرة اخرى بعد سبعة قرون .. ثم حملته الاقمار الصناعية الى السماء ..

و بدأ الانسان – يفهم – بدأ يرى قلعته العظيمة في ضوء الشمس و يحس بمدى بشاعتها عبر تلك الحزم المعتمة من الجهل و الشره و الانانية الت لا حد لها .. و كان من الواضح ان تلك القوقعة لا يمكن كسرها إلا بمعول مصنوع من الماس .. إلا بحفنة من الكتب الجيدة التي تستطيع ان تفتح النوافذ امام ماء المطر و الشمس .. و تغسل رأس الانسان جيدا حتى تختنق خفافيشه الفظيعة ..

و لكي يتعلم الانسان هذه الحقيقة مات الف نبي .. و انزل الله ثلاثة كتب مقدسة , و شرب مليون فيلسوف كؤوس السم الحاد .. و بنيت مائة و خمسون مليون مدينة الآن .. ان ثمة اثنى عشر مليارد من الناس على الارض .. سلم مصنوع من البشر يستطيع ان يصل الى القمر مرتين و يأكل الارض – لو كانت الارض خبزا – في خمسة اسابيع ثم يشرب النيل في اليوم التالي و كل واحد منهم يحمل عالما مختلفا في راسه .. عالما لا يقبل الذوبان في الآخرين و لا يمكن ان يهدمه احد بيديه .. و المشكلة – ان الحقيقة – ليست اثنى عشر مليارد .. انها حقيقة واحدة ليس غير .. فكيف يجتمع الناس عند نقطة واحدة .. كيف تتخلى القلاع عن اوهامها ,, و تأتي لكي تذوب مع الاخرين !! من يقنع من ؟ فأن تلك مشكلة هائلة لم يستطع احد حلها حتى الآن .. و قد تتطلب الامر مرة ان ينهض الطوفان لكي يقتنع الناس بكلمات نوح .. و ان ينهض الموتى و يمشي الكسيح لكي يقبل اليهود ان ينصتوا الى عيسى بضعة دقائق .. و لكن احدا لا يستطيع ان يفعل ذلك الان , فأن الموتى لم يعودوا ينهضون طبقا لأمر احد .. و ليس ثمة فرصة لإحداث معجزة لا يستطيع العلم تفسيرها .. فالإنسان يعرف اشياء كثيرة في هذا العصر .. انه يعرف كل الحيل تقريبا .. و الفرصة الوحيدة .. و الامل الذي لا شيء وراءه تحمله الكتب وحدها .. تلك الورقات القادرة على النقاش الجيد في ضوء شمعة او في ضوء الشمس .. و التي ظلت تحمل الفضيلة بين يديها منذ ان حفر القسس اول كتاب في حجر بابلي بمطرقة و مسمار صدئ الى ان دارت المطابع العملاقة لكي تخرج كتابا كل اربع دقائق , الامل ان يفتح الانسان نوافذه الصدئة .. او ينتظر طوفان الهيدروجين تحمله النفاثات مثل اكياس البريد من موسكو و اليها , مهرجان القراصنة الملون .. فقد حدث ذلك دائما بين بابل نينيف .. و بين روما و قرطاجنة .. و ين برلين و باريس .. و يستطيع ان يحدث بين موسكو و بين الاخرين في المرة القادمة . الفرق الوحيد ان الرعاة يملكون سلاحا ذريا الآن .. لعبة جديدة لا تفتح رأس احد و لكنها تحيله الى رماد خلال ثلاث دقائق مشحونة بألم لا يعرفه سوى اطفال نجازاكي الصغار .. ألم يشبه الاحتراق داخل فرن في بدلة من النحاس

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة