الثورة العربية الكبرى

الثورة العربية الكبرى

1.    مقدمـــة .

أ.     تعتبر الثورة العربية الكبرى والتي أطلق رصاصتها الأولى الشريف حسين إبن علي طيب الله ثراه في التاسع من شعبان سنة 1334 هجرية الموافق العاشر من حزيران سنة 1916 ميلادية في بطحاء مكة المكرمة نقطة مضيئة وحدثاً تاريخياً مهماً وتبدلاً في حياة الأردن والأمة العربية جمعاء من الخليج العربي شرقاً وحتى المحيط الأطلسي غرباً ، ومن جبال طوروس شمالاً وحتى هضبة البحيرات الأفريقية والصحراء الكبرى جنوباً ، وكونها جاءت من أجل أن تغير البنية الأساسية والإجتماعية الاقتصادية في المجتمع العربي ولأول مرة منذ إنتهاء العصر العباسي مستهدفة قيام دولة عربية ذات سيادة واستقلال على يد قائد شريف هاشمي يتصل نسبه بالنبي العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم يؤيده نخبة من علماء ومفكري الأمة ذاتها وكذلك غالبيته شعوبها لتعلن نهاية إحتلال دام أربعة قرون مورس خلاله كافة أنواع الظلم والاستبداد والفساد والتخلف والانحطاط والتفرقة ضد شعوب الأمة العربية والتي بلغت ذروتها في عهد جمعية الاتحاد والترقي الطورانية العنصرية ابتداءاً من سنة 1908 ميلادية .

ب.   إعتمدت الثورة العربية الكبرى منذ إنطلاقها على ركزيتين أساسيتين لا غنى لإحدهما عن الأخرى وهما الإسلام والقومية العربية حيث يقول مفجر الثورة في منشوره الأول " إن قتل اللغة العربية قتل للإسلام نفسه ، فالإسلام في الحقيقة دين عربي أي أن القرآن الكريم نزل باللغة العربية حيث قال الله عز وجل " وكذلك أنزلناه حكماً عربياً " وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم " إذا ذلت العرب ذل الإسلام " ولقد اشتملت الثورة العربية على كل عربي مسلم كان أو مسيحياً كونهم جميعاً أبناء وطن واحد يفتدونه بأرواحهم ، واصلهم واحد ، وهمهم واحد .

2.    أوضاع البلاد العربية قبل الحكم العثماني .

أ.     تعرضت البلاد العربية عبر تاريخها إلى كثير من عوامل الضعف والانحطاط أدت إلى زعزعة ثقة مواطنيها بأنفسهم وتدني روحهم  المعنوية ابتداء من نهاية العصر العباسي حينما سيطرت العناصر الدخيلة من فرس واتراك وغيرهم على مقدرات الأمة العربية حيث قادوا دفة الحكم فيها ووجهوها حسب أهوائهم وبما يخدم مصالحهم الشخصية والقومية مما أدى إلى تفكك بنيان الأمة العربية وإنتشار الفوضى الدينية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية فيها .

ب.    كان للغزوات المغولية والصليبية أثر بالغاً في التأثير على كيان الوطن العربي ، حيث نتج عن تلك الغزوات تدمير العديد من العواصم والمدن العربية العظيمة ، وقتل العديد من سكانها ، وإحراق مكتباتها التي كانت تحتوي على شتى المعارف والعلوم وبذلك قتلوا الروح والبدن والعقل في الإنسان العربي .

جـ.    في ظل هذه الظروف السائدة في الوطن العربي تمكنت أوروبا من السيطرة على الاقتصاد العالمي وحولت طرق التجارة التي تنقل الذهب والفضة والتوابل والخشب عبر البلاد العربية إلى طرق دولية جديدة مروراً بإيران والأناضول إلى أوروبا ، كما سيطرت أوروبا على موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي بواسطة أساطيلها وبذلك أحكمت قبضتها على الاقتصاد العربي في مصر والمشرق وتحولت طرق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح وخسر العرب منفذهم المهم للتجارة عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا والتي كانت تشهد آنذاك نهضة اقتصادية وصناعية وعلمية حيث أدى ذلك إلى ضعف اقتصادي في البلاد العربية خاصة  المشرق منه .

3. الاحتلال العثماني للبلاد العربية .

أ.     في بداية القرن السادس عشر الميلادي كانت أوروبا تشهد نهضة مستديمة وفي الوقت نفسه كانت البلاد العربية تشهد ضعفاً شاملاً وتردفاً حيث كان ذلك حافزاً للدولة العثمانية للقيام باحتلالها ، ولقد لاقى ذلك لاحتلال في البداية قبولاً وترحيباً من العرب من منطلق ديني كما أن الشعوب العربية كانت تواقة إلى وجود قيادة لها تكون قادرة على لم شملها لتصبح دولة واحدة قوية كبرى قادرة على النهوض ، وتعود كما كانت سابقاً من أعظم الدول سياسياً وعسكرياً ، وقد سيطر الأتراك على سائر البلاد العربية ما عدا مراكش وبعض المناطق النائية في الجزيرة العربية وأصبحت البلاد العربية جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وتقلد سلاطين آل عثمان منصب الخليفة وعاملوا العرب معاملة حسنة حيث وصل كثير من العرب إلى أعلى المراتب ولكن ومع مرور الزمن أصاب الدولة العثمانية الترهل وعمها الجهل والظلم والفساد كما أصاب رعاياها في ولاياتها العربية .

ب.    بعد ثلاثة قرون من الاحتلال العثماني بدأ العرب يبحثون عن حياة أفضل حيث نمت فيهم روح اليقظة القومية والوطنية والثقافية حرصاً منهم على الحفاظ على هويتهم القومية وحفظ لغتهم العربية من الزوال والاندثار بعد أن طغت عليها اللغة التركية وكانت بداية الإشعاع العلمي والأدبي في القرن الثامن عشر الميلادي تنطلق من سوريا على طريق المدارس والجامعات التي أنشاها الفرنسيين والأمريكيون حيث انتشرت المطابع وظهرت الكتب الأردبية والمؤلفون أمثال عبد الرحمن الكواكبي مؤلف كتاب أم القرى ، وطبائع الاستبداد الذي كان يدعو إلى إستقلال العرب ويرى أن الخلافة يجب أن تكون في قريش ،  وكذلك المؤلف سليمان البستاني الذي كان يدعو إلى إصلاح أدارة الحكم في الولايات العثمانية ، بالإضافة إلى الدور الكبير لجامعة الأزهر في الحفاظ على كثير من المخطوطات العربية ، وكان لدخول نابليون مصر سنة 1798 ميلادية أثر مهماً على النهضة الأدبية حيث أسس مدرستين ومجمعاً علمياً ، ومكتبة عمومية ، ومطبعة عربية جريدة ثم محمد علي من بعده الذي أوفد العديد من البعثات العلمية إلى أوروبا كما قام بجلب الاساتذه والأطباء والعلماء والفنانين ، كما أنشا العديد من المدارس ومطبعة أهلية حيث أدى ذلك إلى ظهور العديد من العلماء والمفكرين .

جـ.    رافق بروز النهضة الثقافية ظهور العديد من الحركات المحلية في البلاد العربية مثل حركة بني حميدة سنة 1888 ميلادية وحركة الشرارات سنة 1889 ميلادية وحركة الشوبك سنة 1895 ميلادية وحركة الكرك سنة 1910 ميلادية ، وحركت أمير لبنان فخر الدين المغنى وحكم آل العظيم في سوريا من سنة 1725 وحتى سنة 1783 ميلادية في دمشق وحلب وصيدا وطرابلس وحركة ظاهر عمر الزيداني في الجليل وسواحل سوريا الجنوبية من سنة 1744 وحتى 1775ميلادية .

د.     تميزت جميع الحركات التي قامت في البلاد العربية وحتى عام 1910 ميلادي بأنها حركات محلية لا تمتد جذورها من قاعدة دينية وقومية بل كانت تقوم في بعض المناطق مطالبة الحكومة العثمانية بتحسين وضع السكان العرب تحت الاحتلال العثماني كما أن قادتها كانوا يسعون إلى الشهرة وليس لمصلحة الشعوب لذلك إنتهت جميعها بنهاية قادتها ، ومن رحب به الشعب في البداية قاتله في النهاية لذلك بحث العرب عن شخص يكون قادراً على تحقيق أمانيهم وتطلعاتهم الدينية والقومية ونهضتهم كأمة عربية واحدة وفي الوقت نفسه لا يسعى أو يهدف للحصول على مكاسب وسمعة شخصية فوجدوها ممثلة في شخص الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه وأنجاله الغر الميامين من آل هاشم الكرام فكان الاختيار وكانت الثورة العربية الكبرى بداية نهضة عربية مستديمة في الماضي والحاضر والمستقبل .

4.   لماذا تم اختيار الشريف حسين بن علي قائداً للثورة العربية الكبرى .

أ.     منزلته دينة . هو الشريف حسين بن علي بن محمد بن عون بن عبد المعين بن أبي نمي جد الأشراف الأكبر وهو من طبقة الأشراف الذين حكموا من سلالة قتادة بن إدريس من سلالة موسى الجون الشهيد ، وموسى هو إبن حفيد الأمام الحسن بن علي بن أبي طالب ، فالحسين بن علي يتصل نسبه من جهة والده بالنبي العربي العدناني القرشي محمد صلى الله عليه وسلم وهو من قبلية قريش المنحدرة من صلب إسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما السلام وهذا النسب الكريم يعتبره العرب خير نسب في تاريخهم منذ نشأة قريش في مكة المكرمة .

ب.    منزلته العربية والإسلامية . فهو من قبلية قريش أفضل القبائل العربية في الجاهلية والإسلام فهم أهل السقاية والرفادة لحجيج بيت الله الحرام وهو من آل هاشم الذين امتازوا بالكرم والضيافة فجده هاشم ( عمرو العلا) والذي قال الشاعر فيه :

عمرو العلا هشم الثريد لقومة               وشيوخ مكة مسنتون كجاف

وجده عبد المطلب الملقب ( مطعم طير السماء ) نظراً لكرمه .

جـ     منزلته القيادية . فهو من الأشراف الذين تولوا إمارة الحجاز منذ عام 358 هجرية بعد انفصالهم عن الدولة العباسية على أثر استيلاء الفاطميون على مصر واستمروا على ذلك حتى عام 922 هجرية الموافق 1517 ميلادية حينما افتتح العثمانيون مصر حيث آلت الخلافة منذ ذلك التاريخ إلى السلطان العثماني ولكن إمارة مكة المكرمة بقيت بيد الأشراف أنفسهم حتى عام 1925 ميلادية حينما نفي الشريف حسين طيب الله ثراه إلى قبرص .

د.     حبه لقومه وعروبته وغيرته عليهم ومطالبته بحقوقهم وقيامه بالإعلان عن فساد بعض الأنظمة التي كانت قائمة قبل استلامه الإمارة وكان حريصاً دائماً ان يظهر بمظهر العربي في عاداته وتقاليده وكان ميالاً لإذكاء روح القومية والاستقلال .

هـ.    حبه للعلم والعلماء . كان رحمه الله يحب المطالعة وحفظ مبادئ اللغة العربية ، كما ثفقه في أصول الدين وفروعه ، وحفظ القرآن الكريم قبل أن يتم العشرين من عمره ، كل ذلك أدى إلى زيادة حب المثقفين والمفكرين لشخص الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه والرغبة في الانضواء تحت قيادته .

و.     خبرته وتجاربه السابقة ومعرفته الواسعة في النواحي السياسية والإجتماعية . حيث تسنّم أعلى المناصب في الدولة العثمانية قبل أن يتولى شرافة مكة ، وقد امتاز خلال تلك الفترة بالصبر والتأني وقوة الأعصاب ، ومقاومة الدسائس والمكائد .

ز.    صفاته الشخصية . إمتاز الشريف حسين بصفات شخصية تؤهله لقيادة الأمة مثل الشجاعة ، والجرأة ، وقوة الأعصاب ، والكرم ، والعدل وعندما استلم شرافة مكة المكرمة والحجاز امتاز حكمه بالعدل ومقاومة الفساد والسرقة والظلم كما امتاز بحب الرعيّة .

ح.    لم تكن تربطه علاقة جيّدة مع جماعة الإتحاد والترقي الطورانية العنصرية التي كانت تمسك بزمام الأمور في الاستانة ، والتي حادت عن الدين وسلبت شوكة السلطان عبد الحميد والسلطان محمد رشاد من بعده .

ط.    تواجده في مكة المكرمة التي تتميز بموقع استراتيجي لقربها من البحر الأحمر ، وصعوبة الوصول إليها ، وكذلك سهولة تدمير وقطع سكة الحديد التي تربطها في سوريا . وكذلك سيطرتها على طرق الامداد للقوات التركية في المنطقة ، وكذلك بعدها عن مركز الخلافة حيث كانت أقل ارتباطاً واستكانة للحكم العثماني .

5.    الظروف المحلية والدولية التي كانت سائدة قبل بدء الثورة .

أ.     الدولة العثمانية . ظلت الأوضاع في الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي تزداد سوءاً حيث قل الأمن والعدل وزاد الفساد والظلم والطغيان ، فظهرت في بداية القرن العشرين جمعية تركيا الفتاة وكان هدفها إنقاذ الإمبراطورية من الزوال وذلك من خلال إقامة حكومة برلمانية قادرة على وضع حد لتدخل الدول الأوروبية فيها ، ولكن الاتحاديين الذين تولوا الحكم لم يتمكنوا من المساواة بين رعايا الدولة من الترك والعرب ، حتى أن مجلس النواب المنتخب كان فيه زيادة كبيرة في عدد النواب الأتراك مقابل العرب ، فمن أصل (245) عضواً كان عدد الأتراك (150) عضواً ومن العرب (60) عضواً ، و(35) عضواً عناصر أخرى ، رغم أن عدد السكان العرب حينذاك كان عشرة ملايين بينما عدد الأتراك سبعة ملايين ، وقام الاتحاديون بتحويل الولايات العربية إلى مستعمرات ومن جملة ما قام به الاتحاديون تخصيص 80% من ميزانية المرافق العامة لتصرف على البلاد التركية المحضة و 20% للآخرين ، كل هذه السياسات الخاطئة فتحت أذهان العرب فهبوا غيرة على كيانهم الديني والقومي وشرعوا في تأسيس الأحزاب والجمعيات من أجل الاستقلال فقام المثقفون العرب بتأسيس الأحزاب السياسية من أجل حماية الحقوق العربية ومن أهم تلك الجمعيات ، جمعية الإخاء العربي العثماني ، والمنتدى الأدبي ، والعربية الفتاة ، والعهد ، وغيرها العديد ، ولما تولى الشريف حسين بن علي سنة (1908) ميلادية إمارة مكة ، ولما كان العرب يبحثون عن القائد الأكثر أهلية للزعامة وللأسباب التي سبق ذكرها ، بدأ زعماء وأحرار العرب بمكاتبة الشريف الحسين بن علي وإرسال المبعوثين إليه وبشكل سري ففي عام 1913 ميلادية رفع النواب العرب في مجلس المبعوثات مذكرة قدمها طالب النقيب قال فيها : ( نحن نعترف بغيرتكم على ديننا وأمتنا ، وأننا مستعدون للقيام إلى جانبكم إذا قمتم لخلع هذا النير الذي أثقل كاهل العرب لانتشالهم مما هم فيه من الظلم والعبودية ) وكما جاء في المذكرة أيضاً ما يلي : ( نحن نواب العرب في مجلس المبعوثان نقرك على إمارة مكة ، ونعترف لك دون سواك بالرئاسة الدينية على جميع الأقطار العربية ، وإجماعنا هذا هو بالنيابة عن أهل بلادنا نجهر به عند الحاجة ، والله يحفظك لأمتك ، ويساعدك لرفع الشر عن دينك ) .

ب.    الموقف الدولي . عام 1914 ميلادي بدأت الحرب العالمية الأولى وفي يوم 5 آب من العام نفسه انحازت ألمانيا إلى النمسا في الحرب ضد فرنسا وانجلترا وروسيا ، وكان من المتوقع أن تلتزم تركيا الحياد من هذه الحرب ، لكن يبدو أن أعضاء حزب الاتحاد والترقي كانوا يعتقدون أن الفرصة مناسبة لهم لإسترداد شمال أفريقيا من قبضة الانجليز والفرنسيين والطليان ، وكذلك التوسع شمالاً بإتجاه روسيا ، وبناءاً عليه أعلنت تركيا الحرب على الحلفاء في بداية تشرين الثاني من العام نفسه رغم أن بلادهم كانت تعاني من ضعف إقتصادي ، كما أن الحلفاء استجابوا لجميع طلبات الاتراك وكذلك ضمان حدود دولتهم رسمياً ، وعندما علم الحسين بن علي بنوايا الاتحاديين وهو الخبير بالشؤون السياسية والدولية فقد أبلغهم ونصحهم بعدم القيام بذلك لأن المصانع العثمانية غير قادرة على إمداد الجيوش بالأسلحة والعتاد ، كذلك هنالك العديد من الأقطار المترامية الأطراف في الجنوب مثل البصرة ، اليمن ، والحجاز محاطة من جميع الجوانب بقوات البحرية من دول الحلفاء رغم أن أهلها غير مدربين ولا مسلحين ، ومما قاله الشريف مخاطباً السلطان العثماني محمد رشاد ( إنني أستحلف جلالتكم بالله أن لا تدخلوا الحرب ، وأن تعلموا بإنني أعتقد في كل من يرى الحرب إلى جانب الألمان عدم التمييز أو الخيانة الكبرى ) ، ورغم النصائح المتتالية من الشريف إلى السلطان العثماني بعدم خوض الحرب ضد الحلفاء إلا أنه لم يستجيب ، وجاء الجواب بأن الدولة العثمانية قد فكرت في كل شيء ، وأنها تشكر سيادته السامية على نصائحه ، وبإعلان الحرب بدأ مركز الدولة العثمانية يضعف خاصة بعد هزائمهم المتتالية في أوروبا وأفريقيا ، كما أصاب البلاد العربية في سوريا والحجاز ضنك وجوع شديدين نتيجة الإدارة السيئة للدولة العثمانية حيث قضي على العديد من القرى نتيجة الجوع ، بالإضافة إلى ذلك تدفق الكثير من المهاجرين الأرمن مما زاد من المجاعة ، وسادت الفوضى ، وسؤ الأحكام ، واضطهاد الأحرار وكثرت الوشايات والدسائس ، واندثرت أبسط معاني الحرية الشخصية وكثرت أعمال الشنق والسجن والتشريد والسرقة على المواطنين العرب خاصة من قبل وزير الحربية العثماني ورئيس الحكومة في بلاد الشام المدعو جمال السفاح ، كما لم يصل الحجيج إلى مكة المكرمة في السنة الأولى من الحرب الكونية نتيجة الحصار البحري على سواحل جميع الأقطار العثمانية والحجاز ، وكان نظام التجنيد فاسداً حيث كان الأتراك يسخرون الجنود العرب للقيام بأعمالهم دون أجور ، وفي البداية قاتل العرب إلى جانب الدولة العثمانية حيث تم تجنيد آلاف الرجال من العراق وسوريا وفلسطين وتم إرسالهم إلى جبهات القتال في القوقاز والسويس ، وقد منيت تركيا بخسائر فادحة في بداية عام 1915 ميلادي بعد ذلك قامت الحكومة العثمانية بمطالبة الشريف حسين بما يلي :

(1)   إعلان الجهاد المقدس في بلاد الإسلام من مكة المكرمة بإسم الخليفة محمد رشاد الخامس .

(2)   إعداد قوات من المتطوعين العرب وإرسالهم إلى سوريا .

(3)   التعاون مع والي المدعو وهيب بيك في جمع العرب وتسليحهم .

وكان رد الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه في الرسالة التي رد بها على الصدر الأعظم : ( نلبي ما تطلبه الدولة العلية إذا استجابت لمطالب العرب ) وهي كما يلي :

(1)   إعلان العفو عن المحكومين السياسيين من العرب .

(2)   منح سوريا والعراق إدارة لا مركزية .

(3)   اعتبار الشرافة في مكة المكرمة حق موروث للشريف حسين وأنجاله وحسب المتفق عليه منذ عهد السلطان سليم الأول .

لم توافق السلطة العثمانية على طلبات الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه بل طلبوا منه إرسال المجاهدين العرب إلى دمشق ليكونوا بقيادة الأمير فيصل ، وإذا لم ينفذ الشريف مطالبهم فإن النتيجة بحقه لن تكون مسرة  ( أي تهديد ) ، واستمر العثمانيون بإعدام العرب حيث أعدم جمال السفاح ليلة (6) أيار 1916 مجموعة من أحرار العرب في دمشق وبيروت وكان هدف الاتحاديين القضاء على روح القومية العربية من أجل اندماج العرب في القومية الطورانية ، ولم تنم أمة العرب عن الأخذ بثأر رجالها الذين اعدموا وسجنوا _ فكانت الثورة العربية الكبرى وتم طرد القوات التركية حتى حدود الأناضول شمالاً .

6.    المفاوضات مع بريطانيا . في شهر كانون الثاني سنة 1915 ميلادية تسلم السيد هنري مكماهون  وظيفة اللورد كتشند في مصر ، وفي حال وصوله أخبره ( إستورز ) السكرتير في دار الاعتماد البريطاني بما جرى من محادثات أولية مع الشريف الحسين بن علي ونجله الأمير عبدالله والتي لم تستمر لعدة إعتبارات منها :

أ.     كان الشريف حسين وأنجاله يأملون استجابة العثمانيين لمطالبهم التي تخص العرب في المشرق العربي .

ب.    انتظار الشريف عودة الأمير فيصل من سوريا لأخذ الإجماع من زعماء العرب من أجل التحدث باسمهم .

ولما كان الموقف العثماني معادياً للعرب ولم يلب مطالبهم وكون الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه قد نال إجماعاً من زعماء العرب ليتحدث باسمهم من أجل المطالبة بالاستقلال والتحرر ، وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا وهي الدولة الأكثر حضوراً في منطقة المشرق العربي ووادي النيل حيث كان لها تواجداً في منطقة الخليج العربي وعدن ومصر والسودان ، بالإضافة إلى كونها تتزعم قيادة الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ، وكذلك لعدم وجود روابط بين القيادات الوطنية العربية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا كما هو الحال معها ، والتي هي بأمس الحاجة إلى مساعدة العرب لها نظراً للموقع الإستراتيجي للبلاد العربية وكذلك القوة العربية نفسها التي تساعدهم في القتال ضد العثمانيين لذلك كانت المراسلات المشهورة بين الشريف حسين بن علي والسيد هنري مكماهون البريطاني ، وكانت الرسالة الأولى للشريف حسين تتحدث عن العرب وحقهم في التحرر والإستقلال شأنهم شأن جميع شعوب العالم وقد بيّن الشريف حدود الدولة العربية المستقبلية والتي تمتد شمالاً من مرسين – أضنة الموازي لخط (37) شمالاً الذي تقع عليه برجيك – أورفة – ماردين – مديات – جزيرة إبن عمرو – عمادية وحتى حدود فارس ، وشرقاً حدود فارس إلى خليج البصرة ، وجنوباً المحيط الهندي ( باستثناء عدن التي ستحتفظ بوضعها الحالي ) ، وغرباً البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط حتى مرسين ، على أن تعترف إنجلترا بخلافة عربية على المسلمين ، وسيتم إعطاء أفضلية لانجلترا في المشاريع الإقتصادية في البلاد العربية ، كما سيكون هنالك إتفاقيات مشتركة تهم مصلحة البلدين منها إلغاء الامتيازات الأجنبية في البلاد العربية كما ستقوم إنجلترا بتقديم مختلف المساعدات للعرب ، وطلب الشريف حسين بن علي أن يكون الرد خلال ثلاثين يوماً وإذا لم يتلق الرد فسيكون حرّاً بالعمل وكما يشاء .

وفي 30 آب عام 1915 ميلادي كان رد هندي مكماهون والذي أشتمل على ما يلي :

أ.     التأكيد على دعم إنجلترا لحق العرب في الحصول على التحرر والإستقلال مع تفضيل وجود خلافة عربية يرأسها أحد فروع الدوحة النبوية المباركة الشريفة .

ب.    تقديم المساعدات الغذائية والحبوب من البلاد المصرية إلى بلاد المشرق العربي( الحجاز وسوريا ) . 

جـ.    مسألة الحدود تعتبر سابقة لأوانها كون الحرب مازالت دائرة وكما يوجد الكثير حتى ذلك الوقت من الأراضي العربية تحت الإحتلال العثماني .

وفي 9 أيلول سنة 1915 ميلادية رد الشريف حسين بن علي على مكماهون برسالة تضمنت الأمور التالية :

أ.     التأكيد على أهمية العلاقة مع بريطانيا .

ب.    بيّن أن مطالب الإعتراف بالحدود المستقبلية للدولة العربية في المشرق العربي ليست مطالب شخصية للشريف حسين بل هي مطالب الجمعيات والأحزاب والشخصيات في كل من سوريا والعراق وشبة الجزيرة العربية .

وفي الرابع والعشرين من تشرين أول سنة 1915 ميلادية رد مكماهون على الشريف برسالة إشتملت ما يلي :

أ.     الإعتراف البريطاني بالحدود وحسب طلب الشريف حسين بن علي مقابل إجراء التعديلات التالية :

(1)   إستثناء ولايتي مرسين واسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام ( المناطق الواقعة في غرب دمشق وحمص وحماة وحلب ) بحجة أنها مناطق غير عربية .

(2)   عدم المساس بمصالح فرنسا في المناطق العربية ( يقصد سوريا ولبنان ) .

ب.    تؤكد بريطانيا على أهمية بغداد والبصرة بالنسبة لها .

جـ.    مساعدة بريطانيا العرب في إدارة تلك الأقاليم وتقديم المستشارين والموظفين والهيئات الحاكمة وتقديم النصح والإرشاد .

د.     تضمن بريطانيا الأماكن المقدسة من أي إعتداء خارجي .

وفي الخامس من تشرين الثاني سنة 1915 ميلادية رد الشريف حسين على هنري مكماهون برسالة تضمنت :

أ.     الموافقة على تأجيل البت في أمر إدخال ولايتي مرسين وأضنة في أقسام المملكة العربية .

ب.    التأكيد على عروبة بيروت وحلب وسواحلهما وأنه لا فرق بين العربي المسلم والمسيحي ( لهم مالنا وعليهم ما علينا ) أي المسيحيون .

جـ.    التأكيد على عروبة العراق وهي مركز الخلافة مع الموافقة على ترك المناطق الموجودة تحت النفوذ الإنجليزي للإنجليز مؤقتاً على أن تعاد للبلاد العربية بعد إنتهاء الحرب .

وفي 14 كانون الأول سنة 1915 رد مكماهون برسالة إشتملت على ما يلي :

أ.     رضاهم بإخراج ولايتي مرسين وأضنة من حدود البلاد العربية .

ب.    رضاهم عن ما سيكون من حيث إحترام العرب المسلمين حقوق الأديان الأخرى في البلاد العربية وحسب تعاليم الخليفة عمر بن الخطاب .

جـ.    تثمين خطوة الشريف حسين حول احترامه واعترافه بجميع معاهدات بريطانيا مع رؤساء العرب الآخرين .

وفي الأول من كانون الثاني سنة 1916 ميلادية بعث الشريف حسين بن علي برسالة إلى مكماهون تضمنت التأكيد على عدم المساس بالتحالف الفرنسي الإنجليزي ، وفي الثلاثين من الشهر نفسه رد مكماهون برسالة أكدت على مساعيه مع الشيوخ والوجهاء في المنطقة العربية من أجل الوقوف مع التحالف وعدم الوقوف مع الألمان والعثمانيين وأحمد السنوسي الذي يساندهم ، وفي 18 شباط سنة 1916 بعث الشريف حسين برسالة تضمنت الأمور التالية :

أ.     قيام الشريف حسين بإرسال إبنه الأمير ( فيصل ) للتباحث مع الزعماء والشخصيات في دمشق والتنسيق معهم .

ب.    إرسال إبنه الأكبر ( علي ) إلى المدينة المنورة للتنسيق مع أهل المدينة والإستعداد ليوم الثورة .

جـ.    بعض المطالب والإحتياجات من الأسلحة والذخائر والأموال والمواد التموينية كالقمح والأرز والشعير والسكر والقهوة .

7.    أسباب الثورة العربية الكبرى .

أ.     إضطهاد العرب من قبل العثمانيين خاصة جمعية الإتحاد والترقي التي إستولت على السلطة وحادت بها عن الدين ومنهج الشرع ، كما سلبوا شوكة السلطان حيث كان هو نفسه ومجلس الأمة ينفذان القرارات السرية للجمعية .

ب.    محاولة الأتراك قتل اللغة العربية في جميع الولايات العثمانية حيث قاموا بإلغائها من المدارس والدواوين والمحاكم ومن قتل اللغة العربية قتل للدين الإسلامي .

جـ.    سياسة التتريك التي إنتهجتها الدولة العثمانية ضد العرب عن طريق جمعية الإتحاد والترقي ومحاولتهم جعل جميع شعوب ولاياتهم أتراكاً بالقوة ، خاصة بعد ثورتهم على السلطان عبد الحميد مما نبّه الشعور العنصري وأذكى الروح القومية عند العرب .

د.     سوء أحوال الولايات العربية خلال فترة الحكم العثماني من كافة النواحي الإقتصادية والإجتماعية والصحية والثقافية ، وفرض الضرائب المختلفة على العرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .

هـ.    النهضة العلمية وحركة الوعي القومي التي ظهرت في البلاد العربية والتي تمثلت في الجمعيات والأحزاب السرية والعلنية .

و.     الإعدامات والمشانق لأحرار العرب في دمشق وبيروت وعدم استجابة العثمانيين لمطالب الشريف حسين بن علي بهذا الشأن من أجل العفو عن السياسيين وأحرار العرب .

ز.    جعل الخدمة العسكرية للعرب بعيدة عن ولاياتهم الأصلية وإرسالهم للقتال في مناطق غير عربية وعدم تمكين الضباط العرب الوصول إلى مناصب عليا في الجيش ، كذلك الخدمة بدون دفع أجور للعرب .

ح.    عدم مقدرة الدولة على حماية ولاياتها خلال حكمها للبلاد العربية كاحتلال مصر من قبل الإنجليز واحتلال إيطاليا لليبيا .

ط.    دخول الدولة العثمانية الحرب مع ألمانيا ورفض طلبات ونصائح الشريف حسين والزعماء الوطنيين بعدم الدخول بالحرب خوفاً على الولايات العربية من الدول المتحاربة كون الدولة العثمانية كانت ضعيفة ، وغير قادرة إقتصادياً وعسكرياً .

ي.    رفض الدولة العثمانية لمطالب الشريف حسين بن علي والعرب حول الإستقلال والحرية كمثل باقي الشعوب في العالم التي تسعى للنهوض واللحاق بركب الحضارة والعلم والإختراعات.

8.    أهداف الثورة العربية . إن الثورة التي قادها الشريف حسين بن علي ثورة قومية تستمد جذورها من الإسلام ، وقد أكد الشريف حسين على أهداف الثورة في كافة أحاديثة ومراسلاته ، ولم تكن هذه الأهداف محدودة بنظرة إقليمية أو مطمع عائلي ، كما أن الشريف الحسين بن علي لم ينفرد في تحديدها بل إستشار وشارك أبناءه واستمع لآرائهم ، وكذلك استمع لآراء زعماء وأحرار العرب الذين راسلوه وعرضوا عليه مطالب بلدانهم كما أن الأمير فيصل جاء إليه برأي أهل سوريا وبناءاً على تلك المعطيات كانت أهداف الثورة تهدف لما يلي :

أ.     إستقلال الولايات العربية عن الحكم العثماني في بلاد المشرق العربي والوحدة فيما بينها لتكون دولة عربية كبرى ، وعندما تمّ وضع الوحدة هدفاً ، أراد الشريف حسين بن علي لتلك الوحدة أن تتجلّى من خلال الثورة وليس في نهايتها ، لذلك لم يكتفي بالحجاز لقيام الثورة بل أرسل رسله لزعماء العرب في كافة مواقعهم واتجاهاتهم ، فقد استقطب الحضر والبدو في كافة أرجاء الجزيرة وفي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ، بل أن أهداف الثورة كانت تهدف إلى ضم باقي أجزاء الوطن العربي التي كانت محتلة من الإنجليز والفرنسيين والطليان في وقت لاحق في حال اشتداد عود أقطارها في المشرق العربي .

ب.    إزاحة الحيف الذي لحق بالخلافة والدين جراء ضعف السلاطين وسيطرة جمعية الإتحاد والترقي .

جـ.    توفير الحياة الفضلى للعرب وتحسين وضعهم في كافة النواحي الصحية والإقتصادية والثقافية والنهوض واللحاق في موكب العلم والحضارة والصناعة والإختراعات .

9.    الإعداد للثورة . لقد إتخذ الشريف حسين بن علي قراره التاريخي بعد طول تفكير واستعراض شامل لكافة العوامل المحلية والدولية وساعده في ذلك إلى حدٍ كبير الأمير عبدالله بن الحسين ، فكان الإعداد للثورة مبنياً على تقدير موقف سليم ودقيق تحت ستار من الحذر والحيطة ، وكانت الإستعدادات تتم على الصعيد العربي والدولي مع مراعاة الموقف السياسي والإقتصادي والعسكري .

أ.     الصعيد العربي . ركز الشريف حسين على جمع كلمة العرب ليكونوا يداً واحدة وقد إتصل مع كافة زعماء الجزيرة العربية وممثلي العرب في سوريا وكذلك العرب في مجلس المبعوثان وكذلك العرب في السودان وليبيا والصومال .

ب.    الصعيد الدولي .  اعتمد الشريف حسين بن علي على حليف قوي ليقدم الدعم الإقتصادي والسياسي والعسكري ليضمن نجاح الثورة والذي وجده متمثلاً في الإنجليز الذين كانوا في الوقت نفسه يقاتلون الأتراك وذلك يسهل إنطلاقة الثورة .

10.   إعلان الثورة العربية الكبرى . في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم السبت (9) شعبان سنة 1334 هجرية الموافق (10) حزيران سنة 1916 ميلادية بدأ الشريف الحسين بإعلان الثورة رسمياً بأن أطلق رصاصة من شرفة قصره ، على الثكنة العسكرية التركية في مكة المكرمة والتي كانت إذاناً بإعلان إستقلال العرب . وبدء ثورتهم وزوال عهد التعسف والظلم الذي مورس ضدهم على مدى مئات السنين ، وكانت البداية من مكة المكرمة لتكون مركزاً للثورة موطن آل هاشم الأخيار ، ومنها إنطلقت رسالة الإسلام لذلك كانت الثورة عربية بجذورٍ إسلامية .

11.   مراحل الثورة .

أ.     المرحلة الأولى لتأمين الحجاز . منذ بداية الثورة وحتى شهر تموز 1917 حيث بدأت الثورة بالهجوم على الحامية التركية في مكة المكرمة وعلى الحامية التركية في جدة حيث إستسلمت الأولى خلال شهر من القتال واستسلمت الثانية يوم 16 حزيران أي خلال أسبوع من بداية الثورة بعدها تم الإستيلاء على مينائي رابغ وينبع في 27 تموز واعتمدت رابغ قاعدة عسكرية لجيش الثورة لغايات التدريب والتموين ، وفي 15 آب من العام نفسه تمكنت قوات الثورة إحتلال موانئ القنفذة والليث وفي الوقت نفسه تم إحتلال ميناء أملج شمال جدة ، وفي 22 أيلول تمكن الأمير عبد الله على رأس (5000) مقاتل من إحتلال الطائف والتي كانت تشكل هدفاً حيوياً للثورة وبسقوط الطائف تمكنت الثورة من تثبيت أقدامها في الحجاز وأصبحت تسيطر على كافة مدن وموانئ الديار المقدسة ما عدا المدينة المنورة والتي ظلت حاميتها والتي تقدر بأربعة عشر ألف مقاتل حتى نهاية الحرب ومن ثم إستسلمت للأمير عبد الله بن الحسين ، ثم دخل الأمير فيصل بن الحسين الوجه يوم 25 كانون الثاني 1917 وبذلك استكمل تأمين كافة الديار الحجازية.

ب.    المرحلة الثانية الثورة فوق الأراضي الأردنية . منذ شهر تموز 1917 وحتى أيلول 1918 والتي تميزت بما يلي :

(1)   تميزت العمليات في شرق الأردن بأسلوب حرب العصابات والقيام بعمليات التدمير لخطوط مواصلات العدو وخاصة خط سكة الحديد .

(2)   القيام بعمليات هجوم منسقة للإستيلاء على الأهداف الحيوية والإستراتيجية .

(3)   إشتراك القبائل الأردنية في القتال مع جيش الثورة وكانت البداية في إحتلال العقبة حيث شاركت قبيلة الحويطات بقيادة الشيخ عودة أبو تايه وازداد الدعم بوقت لاحق من عشائر معان والكرك وبني صخر وغيرهم من أبناء الأردن تحت قيادة الأشراف من آل هاشم الكرام .

(4)   بدأت الثورة في شرقي الأردن باحتلال مدينة العقبة يوم 6 تموز 1917 بقيادة الأمير فيصل الذي كان يقود الجيش الشمالي للثورة – تقدمت قوات الثورة محررة جرف الدراويش ثم توجهت نحو الطفيلة وتم إحتلالها بقيادة الشريف ناصر ، وبتاريخ 16 آذار 1918 تمكن الأتراك من إحتلالها مرة أخرى ثم إنسحبوا منها ، ثم سقطت الكرك دون قتال يذكر ، وقد تمت عمليات الثورة في المناطق الغربية إبتداءً من الشوبك وحتى الطفيلة قبل إحتلال معان أما مدينة معان فقد تم مهاجمتها خلال الفترة من 11 إلى 19 نيسان 1918 وعلى ثلاثة مراحل وقد صمدت حامية معان فترة طويلة وانسحبت بتاريخ 22 أيلول 1918 وبذلك سقطت مدينة معان بيد الأمير زيد بن الحسين ، وساهمت أعمال السكان والقبائل الأردنية ضد القوات التركية بسقوط حامية عمان التركية بيد الإنجليز يوم 25 أيلول 1918 .

جـ.    المرحلة الثالثة لتحرير سوريا .

(1)   كان واجب إحتلال سوريا واستعادتها من الأتراك قد أعطي للجيش الشمالي بقيادة الأمير فيصل بن الحسين ، حيث حشد قواته في منطقة الأزرق وبدأت حركة قواته يوم 28 آب 1918 سالكة طريق معان – الجفر – الأزرق – وقد تنادت القبائل العربية من الأردن وسوريا وبدأ التجمع في الأزرق وكان منهم نوري الشعلان ومعه (1500) خيال من الدروز .

(2)   كانت العمليات الموجهة لتحرير سوريا تهدف إلى قطع خط سكة الحديد من ثلاث إتجاهات درعا دمشق ، درعا عمان ، والخط المتجه غرباً إلى حيفا حيث بدأت العمليات في نسف محطة نصيب ومحطة جابر ، حيث تحركت بعدها القوات بقيادة نوري السعيد ويتراوح عددها بين 300-350 رجل مع قوة من البدو بقيادة الشريف ناصر بن علي حيث تم عزل مدينة درعا بعدها تم الإستيلاء على أزرع وغزاله والشيخ مسكين وتل عرار ، ودخل جيش الثورة مدينة درعا .

(3)   أسس الأمير فيصل قيادته في درعا ثم أصدر أوامره بالتقدم نحو دمشق حيث وصلت قوات الثورة مشارف دمشق يوم 30 أيلول وفي اليوم التالي دخل الشريف ناصر بن علي دمشق على رأس القوات العربية الذين إستقبلوا بالفرح والزغاريد من قبل الأهالي دون مقاومة من الأتراك ، وهكذا وبعد قتال دام قرابة ثمانية وعشرين شهراً منذ اندلاع الثورة تمكن الجيش العربي الهاشمي (جيش الثورة العربية الكبرى) من تحرير الحجاز وشرق الأردن وجنوب سوريا حتى دمشق ، وشكلت أول إدارة تحكم باسم الملك حسين بن علي برئاسة سعيد الجزائري يوم 30 أيلول 1918 ، وبعد ستة أيام شكلت حكومة برئاسة علي رضا الركابي ، ويوم 25/10 من العام نفسه دخلت القوات العربية مدينة حلب .

12.   منجزات ونتائج الثورة العربية الكبرى .  لقد حققت الثورة العربية الكبرى بقيادة المنقد الأعظم الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه أهدافاً عظيمة سجلها التاريخ بأحرفٍ من نور لا يقدر على طمسها أحد من ذوي النفوس المريضة والجاحدين ، وكان لهذه الثورة نتائج هامة أنارت الدروب حتى حول أولئك الحاقدين وهي :

أ.     تحرير وتخليص بلاد المشرق العربي ( الجزيرة العربية وسوريا الكبرى والعراق ) من الحكم العثماني .

ب.    إقامة المملكة العربية في الحجاز بزعامة المنقذ الأعظم ، ملك العرب الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه .

جـ.    إقامة المملكة العربية المستقلة في سوريا بقيادة الملك فيصل بن الحسين رحمه الله تعالى وتم رفع علم الثورة العربية الكبرى الذي يتألف من ثلاثة ألوان على شكل مستطيل متوازية الأسود فالأخضر ثم الأبيض كما يشتمل على مثلث بلون أحمر قرمزي والذي يمثل بألوانه راية الرسول صلى الله علية وسلم وراية آل البيت وراية الدولة العباسية والأمويّة وراية آل هاشم الأسرة الملكية الكريمة ، وهو مازال علم الأردن وبإضافة النجمة السباعية وتبديل وضع اللون الأبيض بدل الأخضر لوضوح الرؤية لأول مرة منذ أربعة قرون .

د.     قيام المؤتمر الشعبي العراقي بالمناداه بالملك عبد الله بن الحسين ملكاً على العراق .

هـ.    قيام كيان عربي موحد في شرقي الأردن بقيادة الملك عبدالله الأول بن الحسين والذي كان تحكمه حكومات محلية متنازعة وفي الوقت نفسه مشمولاً بوعد بلفور ، حيث تمكن الملك عبد الله من الحصول على إعتراف بع من بريطانيا وإنقاذه من اليهود  .

و.     بعثت الثورة نهضة عربية شاملة إستمدت جذورها من الماضي العريق واستشرفت مستقبلها من خلال توجيهات قائدها ، كما فتحت أبواب إنطلاقة عصرية حديثة لأمة العرب بعد عصور من الجهل والتخلف .

ز.    أعادت وحدة العرب الروحية والقومية التي إفتقدتها الأمة منذ سقوط الخلافة العباسية في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي .

ح.    عملت الثورة على قيام وتأليف جيش نظامي من الرجال الشجعان الذين تطوعوا وقاتلوا في سبيل نجاح الثورة وارتبطوا بها ، كانوا هم نواة الجيش العربي / القوات المسلحة الأردنية الباسلة ، وقد إشتمل هذا الجيش منذ الثورة على آلاف الرجال من العرب فكان منهم الأردني والحجازي والعراقي والسوري واللبناني والفلسطيني ، وفي هذا الشأن يقول المغفور له الملك عبد الله الأول بن الحسين في مذكراته ( تم القرار على أن يكون هذا الجيش " الجيش العربي " ) . وما زال الجيش العربي منذ تأسيسه وحتى يومنا الحاضر يحظى برعاية الهاشميين حتى غدا من أعظم الجيوش إعداداً وتنظيماً وتسليحاً وإنسانية ، وسيبقى درع الوطن وحاميه وستبقى الراية خفاقة بإذن الله تحت ظل قيادة هاشمية شريفة يتوارثها آل هاشم كابراً عن كابر ، ونسأل الله أن يحفظ حامل الراية الملك المعزز القائد الأعلى للقوات المسلحة / الجيش العربي عبد الله الثاني بن الحسين المعظم .

ط.    أصبحت الثورة منذ إنطلاقتها معلماً فتح أعين العرب جميعهم جيلاً بعد جيل على معاني الوطنية والقومية والتحرر ، ولولا الثورة لبقي العرب يواصلون سباتهم العميق سواءً انتصرت تركيا أو حسرت الحرب ، والثورة نفسها هي التي أجّجت روح الكفاح ضد الفرنسيين في سوريا واليهود في فلسطين بعد عذر الحلفاء .

ي.    وبسبب الثورة ضحى الشريف حسين بملكه كملكٍ للملكة العربية الواحدة ، ومُلك الحجاز كونه لم يفرط بأهداف الثورة لإنها أهداف الأمة التي قادها ، فوجد لزاماً عليه أن يضحي من أجل تلك الأهداف في معركته السياسية مع بريطانيا قبل الثورة وخلالها وبعد إنتهاء القتال .

13.   الموقف الدولي من الثورة .

أ.     الموقف العثماني . حاولت الدولة العثمانية إخماد الثورة بالقوة بواسطة قواتها المتواجدة في المنطقة العربية ولكنها فشلت .

ب.    الموقف البريطاني . دعمت بريطانيا الثورة في بدايتها وخلال فترة القتال وعدت العرب وقائد الثورة بتحقيق مطالب العرب وإستقلالهم ولكنها تراجعت عن وعودها وإتفاقياتها ، ونكثت وعودها للشريف حسين وظهر ذلك جلياً من خلال إتفاقية سايكس/بيكو ، وكذلك وعد بلفور ، كما أنها تحالفت مع بعض الزعامات في الجزيرة العربية والتزمت الصمت حول قيام فرنسا بإحتلال سوريا ولبنان .

جـ.    الموقف الفرنسي . كانت فرنسا غير راغبة في قيام الثورة منذ بدايتها كونها كانت تخشى على مناطق نفوذها في سوريا ولبنان ، كما لم تقدم أية مساعدة للثورة العربية الكبرى رغم أنها دولة من دول الحلفاء .

د.     الموقف الروسي . كانت روسيا ضمن معسكر الدول الحليفة في الحرب العالمية الأولى وعندما قامت الثورة البلشفيّة فيها عام 1917 قامت هذه الثورة بنشر جميع المعاهدات والإتفاقيات السرية التي عقدتها حكومة القيصر ، وكان من ضمن هذه الإتفاقيات إتفاقية سايكس / بيكو .

هـ.    الموقف الأمريكي . دخلت أمريكيا الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء في سنة 1917 ميلادية ولم تتدخل في الشؤون الدولية بشكل فاعل على الرغم من تصريحات ومبادئ الرئيس الأمريكي آنذاك ( ولسون ) وعددها أربع عشر والتي من أهمها حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظام الحكم الذي تراه مناسباً .

و.     الموقف الألماني . كانت ألمانيا حليفة لتركيا في الحرب العالمية الأولى وقد إعتبرت القيادة العليا في ألمانيا أن الثورة في الحجاز خطر على خططها التي وضعتها مع القادة الأتراك للعمليات الحربية في الشرق ضد الحلفاء ، وطلب القيصر ( غليوم ) من السلطان العثماني ( محمد رشاد ) نقل المدعو ( جمال باشا ) من سوريا وتعيين حاكم جديد بدلاً منه لتهدئة الوضع وإلحاق ضابط عربي كنائب له من أجل كسب ثقة العرب وإرضاء قائد الثورة العربية الكبرى .

14.   الخلاصــة .

أ.     الثورة العربية الكبرى والتي قادها الشريف حسين بن علي طيب الله ثراه هي ثورة قومية تستمد جذورها من الإسلام ولم تكن غير ذلك حيث يظهر ذلك جلياً في كافة محادثات ومراسلات الشريف حسين بن علي .

ب.    وضع قائد الثورة وحدة الأمة العربية وإستقلالها هدفاً للثورة ، كما أراد الشريف حسين بن علي أن تتجلى تلك الوحدة من خلال الثورة وليس في نهايتها لذلك لم يكتفي بأن تقوم الثورة بالحجاز وحدها بل أرسل رسله لزعماء العرب في جميع الإتجاهات .

جـ.    لم ينفرد الحسين بن علي طيب الله ثراه في تحديد أهداف الثورة بل إستشار أبناءه وشاركهم في الرأي ، كذلك إستشار أحرار العرب خاصة في سوريا من خلال إرسال الرسائل وكذلك إرسال أنجاله للإجتماع معهم والإستماع لآرائهم ، لذلك كانت أهداف الثورة هي نفس أهداف الأمة العربية الداعية إلى الوحدة والتحرر والإستقلال وزوال حكم الأجنبي.

د.     لم تقم الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بل عصابة الإتحاد والترقي الطورانية العنصرية والتي كانت تهدف إلى تتريك العرب ( اللغة والدين ) والدليل على ذلك أن الدعاء في الكعبة المشرفة ظل يقام باسم السلطان العثماني بعد مرور سنة منذ إعلان الثورة .

هـ.    لم يقم الشريف حسين بطعن الدولة العثمانية من الخلف بل أبلغهم بمطالب العرب قبل قيام الثورة بثلاثة شهور ، كما قام بنصحهم بعدم دخول الحرب ضد الحلفاء وبين لهم أنهم سيخسرون الحرب وسوف تقع ولاياتهم تحت سيطرة الحلفاء ولكنهم لم يستجيبوا لمطالبه .

و.     كشفت الثورة العربية القوى التي تتعارض مصالحها مع أهداف الثورة في المنطقة العربية نفسها حيث أعتقد البعض أن الوحدة سوف تقضي على كياناتهم وكذلك بريطانيا من خلال اتفاقية سايكس / بيكو ووعد بلفور وفرنسا التي إحتلت سوريا ( نكث الحلفاء لوعودهم للشريف حسين بن علي ) .

ز.    لقد حققت الثورة العديد من أهدافها وإن لم تتمكن من تحقيق هدفها الأكبر وهوقيام دولة عربية واحدة كبرى إلا أنها شقت طريق النهضة والحرية للأمة العربية وإبراز هويتها حاضراً ومستقبلاً وأن ما يشهده الأردن والعالم العربي من نهض

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة