الدكتورة اية عبد الهادي تكتب بالتفصيل عن فوائد الصيام للمسلمين ولغير المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم 











النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا تصحوا)، (الحديث حسنه السيوطي وضعفه المناوي في فيض القدير) والصيام عبادة وامتثال لأمر الله تعالى، ويجب أن لا ينظر المسلم إلى أنه يصوم للفوائد الصحية للصوم وإنما طاعة لأمر الله، إلا أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكون هناك فوائد للإنسان من العبادات التي يقوم بها ومنها الفوائد النفسية والاجتماعية ومنها أيضاً ما ينعكس على صحته بالإيجاب، وكل يوم يكشف لنا العلم فوائد إضافية للصوم، فمجال هذا العلم محدود لا يرتقي إلى اتساع حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري. وحتى يحس الإنسان بالفوائد الصحية للصيام عليه الالتزام بآداب الصيام فلا ينتهز الفترة بين الإفطار والسحور بملء بطنه بالأطعمة والأشربة فيربك جسمه ويصاب بالتخمة. وإن الدراسات العلمية والأبحاث الدقيقة على جسم الإنسان ووظائفه الفسيولوجية أثبتت أن الصيام ظاهرة طبيعية يجب للجسم أن يمارسها حتى يتمكن من أداء وظائفه الحيوية بكفاءة، وأنه ضروري جداً لصحة الإنسان تماماً كالأكل والتنفس والحركة والنوم، فكما يعاني الإنسان بل يمرض إذا حرم من النوم أو الطعام لفترات طويلة، فإنه كذلك لابد أن يصاب بسوء في جسمه لو امتنع عن الصيام. والسبب في أهمية الصيام للجسم هو أنه يساعده على القيام بعملية الهدم التي يتخلص فيها من الخلايا القديمة وكذلك الخلايا الزائدة عن حاجته، ونظام الصيام والذي يشتمل على الأقل على أربع عشرة ساعة من الجوع والعطش ثم بضع ساعات إفطار هو النظام المثالي لتنشيط عمليتي الهدم والبناء، وهذا عكس ما كان يتصوره الناس من أن الصيام يؤدي إلى الهزال والضعف، بشـرط أن يكون الصيام بمعدل معقول كما هو في الإسلام، حيث نصوم شهرا كاملاً في السنة ويسن لهم بعد ذلك صيام ثلاثة أيام في كل شهر. ومن فوائد الصوم كونه يساهم في علاج الكثير من أمراض الجسم، كأمراض الجهاز الهضمي، مثل التهاب المعدة الحاد، وأمراض الكبد، وسوء الهضم، وكذلك في علاج البدانة وتصلب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، ويحمي الجسم من السكر، فالصيام يفيد مرضى السكري، فيعطي غدة البنكرياس فرصة رائعة للراحة، فالبنكرياس يفرز الأنسولين الذي يحول السكر إلى مواد نشوية ودهنية تخزن في الأنسجة، فإذا زاد الطعام عن كمية الأنسولين فإن البنكرياس يصاب بالإرهاق والإعياء. والاعتدال في الطعام يساعد على تنزيل الوزن لمن يعانون من زيادة في الوزن، ولأن الصوم ينقص من الدهون في الجسم فإنه بالتالي يؤدي إلى نقص مادة "الكوليسترول"، وهي المادة التي تترسب على جدار الشرايين، وبزيادة معدلاتها مع زيادة الدهون في الجسم تؤدي إلى تصلب الشرايين، كما تسبب تجلط الدم في شرايين القلب والمخ، والصيام كذلك يحسن صحة الفم والأسنان فتأخذ فرصة للترميم، ويرتاح العصب الحائر لجهاز الهضم فتخف الآلام، لاسيما آلام القولون التشنجي. وقد وجد علمياً كذلك أن الصوم يخفف من الألم في التهابات المفاصل المزمنة، وهذه الفوائد التي عرفت وتم كشفها، وما لم يعرف أكثر وأكثر، وستكشف الأيام عنها. اما الصيام الطبي: يمكن للإنسان أن يصوم مدة سبعة أسابيع متواصلة على الماء فقط بأمان تام، هذا ما أثبتته دراسات العديد من المراكز العالمية، وبالأخص في ألمانيا، وقد كان أول من صام هذا الصوم الطبي سيدنا موسى -عليه السلام-، ولمدة أربعين يومًا، أي حوالي ستة أسابيع، وهي المدة المذكورة في القرآن الكريم في جبل الطور قبيل استلامه لألواح الشريعة. ونعرف الصوم الطبي بتوقيف كل مصادر الغذاء قاطبة ماعدا تناول الماء، حتى لا يدخل الجسم غير المَاء فقط، ويُذكر عند المهتمين من الأطباء عبر العالم بالصوم الطبي أنَّ تناوُل أي عنصر غذائي آخر قد يضر بالجسم، ليؤدي ذلك بأن يبدأ الجسم بحل العضلات، وهذا أحد مظاهر أمراض العوز الغذائي أو المجاعة، وهذا الامتناع المسمى (الصوم الطبي)، والذي يستمِرُّ لفترة من ثلاثة أيَّام إلى حتى خمسة أسابيع، حيث يستمر حتى عودة "الشعور بالجوع" إلى الصَّائم، والتي تحدد نهاية فترة الصوم الطبي. وعودة الشعور بالجوع ستختلف من شخص إلى آخر حسب نسبة مخزون الدهون في كل جسم على حدة، وتختلف في المدة من أسبوع إلى عدة أسابيع. ويجب التنبيه على أن الصائم يمتنع عن كافة أنواع المواد الغذائية، ولا يتناول أثناء صومه إلا الماء فقط بأية كمية على مدار اليوم، وهو يعطي صفرًا من السعرات الحرارية، حيث يلجأ الجسم بمجرد بدء الصيام الطبي والشعور به إلى فتح برامج خاصة لا تفتح إلا في حالات الطوارئ فقط، وتلك البرامج تقوم بهدم الدهون المختزنة وتحويلها إلى (جلوكاجون)، ثم تحويله بالتالي إلى طاقة لتشغيل الجسم، وهكذا يستمر عمل البرنامج إلى أن ينتهي من هدم جميع الدهون المختزنة بالجسم؛ فيعطي إشارات خاصة بذلك إلى المخ الذي يرسل بإشاراته إلى أعصاب المعدة التي تُشعِر صاحبها بعودة "عامل الجوع"، فيبدأ أول تناول للطعام بالتلبينة لمحتوياتها الغنية بالأملاح المعدنية، ولما لها من فوائد جمة بعد فترة الصيام الطبي مباشرة. ولابد أن نميز بين المجاعة والعوز الغذائي من جهة، وبين الصوم الطبي وتفاعل الجسم في الأمرين. وتعتبرُ أمراض "العوز أو الفقر الغذائي" ناشئة عن المَجاعات التي تعصف بحياة الشعوب؛ لأنَّ المَوتَ يُعاجلُ من يتناول الماء وعُنصراً أو عَناصر قليلة لا تفي بحاجة الجسم، كالدقيق الأبيض، أو السُّكَّر، فيلجأ إلى استخدام المخزون من الأملاح المعدنيَّة، أو العناصر الأخرى التي تنفد بسرعة، فتظهر "أمراض العوز أو الفقر الغذائي" التي تنشأ عن عدم توفر هذه الأملاح المعدنيَّة أو العناصر الأخرى؛ مِمَّا يُعَجِّلُ بوفاة الشخص المُصاب، ويظهرُ ذلك جلياً بين الشعوب التي تعاني المجاعات في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيَّة. أمَّا في حالة "الصِّيَام" الطبي، فإنَّ "المُدَّخرات الغذائيَّة" تستعملُ بشكل مُتوازن ودقيق، فيُحافظ الجسم على التوازن الكيميائي، ويُسيطرُ بسهولة على مُدَّخراته الغذائيَّة بحكمة بليغة، تكفي لفترة طويلة، قبل "عودة عامل الجوع"، ويظل الجسم حتى نهاية "الصِّيَام" لا يُصيبه أدنى خلل. وفوائد هذا الصوم هائلة؛ من انخفاض الضغط الشرياني، شفاء مرضى الداء السكري (الذي لم يمضِ عليه فترة خمس سنوات)، يكفيهم صوم أسبوعين، لتزول أعراض المرض عندهم، دون الحاجة للعودة إلى استعمال أي دواء خافض للسُّكر في الدَّم، انخفاض في دهون الجسم، شفاء لجملة كبيرة من الأمراض، كالداء الرثواني والحساسية والشقيقة والقولون العصبي والتهابات الجيوب الأنفية المزمنة. وعندما يتم تطبيق الصوم الطبي في مراكز متخصصة وتحت أشراف طبي مؤهل؛ فإن المضار أو الاختلاطات للصوم الطبي نادرة. ودعا ديننا الحنيف المؤمنين للاهتمام بصحتهم والعناية بها، باعتبارها من رأس مالهم في هذه الحياة. ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي بأنه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وذلك أن الأول إنسان فعال قادر على القيام بواجباته الدينية والدنيوية خير قيام، بخلاف الثاني، فإنه إنسان ليس لديه من القدرة ما يجعله قادراً على القيام بأعباء الحياة ومتطلباتها، بل ربما كان عالة على مجتمعه. ونظام الصوم - وفق ما شرعه الإسلام - يساعد المسلم على المحافظة على صحته العامة، ويقيه العديد من الأمراض، كالسمنة وارتفاع ضغط الدم وغير ذلك، مما يصيب من لم يعتد اتباع هذا النظام الرباني. ونحن في هذه العجالة، لا يعنينا أن ندخل في تفاصيل ما قاله أهل الطب حول أهمية الصوم وفائدته للصائم، وحسبنا أن نقف على بعض الإشارات واللفتات التي تبين الآثار الصحية العديدة التي يجنيها الصائم من اتباع نظام الصوم، ناهيك عن آثاره العبادية. ولقد أثبتت الدراسات الطبية أن لنظام الصوم - إذا طُبِّق التطبيق الصحيح - فوائد صحية عديدة: منها أنه يخلص الجسم من الشحوم والدهون الزائدة، التي تؤدي إلى السمنة، وهي من أهم أمراض هذا العصر. وكما هو معلوم، فإن الجسم كلما ازداد وزنه، انعكس ذلك سلباً على سائر أعضاء البدن، وفي مقدمتها القلب. ومن هنا يأتي نظام الصوم عاملاً مهماً في الحفاظ على صحة الجسم وتوازنه. ومن فوائد الصوم الصحية، تخليص الجسم من الفضلات، فقد ثبت علمياً أن الجسم تتراكم فيه بؤر صديدية، تدفع بإفرازاتها إلى الدم فتؤدي إلى كثير من الأمراض، ويكون الصوم - في هذه الحالة - من الوسائل المهمة والمفيدة في تخليص الجسم من هذه الفضلات الضارة. ثم إن الصوم يتيح الفرصة لخلايا الجسم وأجهزته الأخرى أن تقوم بواجبها حق القيام، فيما لا يتأتى لها ذلك إذا لم تكن قد اعتادت على نظام الصوم، كما شرعه الإسلام. وبيان هذا، أن نظام الصوم يمنح أجهزة الجسم راحة شبه تامة، هي بحاجة إليها، ومعلوم أن هذه الأجهزة تعمل طيلة أيام العام دون توقف، فيأتي شهر الصوم، كنوع من الإجازة السنوية لهذه الأجهزة، فيمنحها الراحة اللازمة، بعد ما أصابها من العناء والتعب، نتيجة العمل المستمر. فنظام الصوم - استناداً إلى ما تقدم - يمنح الجسم الحمية اللازمة، وينأى به عما يتهدده من أمراض وأخطار. وقد ظهر مؤخراً الكثير من العيادات الطبية التي تعتمد نظام الصوم أساساً في معالجتها الطبية، وفي هذا دليل على أهمية الصوم في حياة الإنسان عامة، وحياته الصحية خاصة. ومن المهم أن نقول بعد ما تقدم، إن اتباع نظام الصوم، لا يعني بحال الامتناع عن تناول الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ثم تناول ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة، من غير مراعاة القواعد الصحية في تناول الطعام بعد الإفطار، فإن مثل هذا السلوك لا يحقق الفائدة المرجوة من نظام الصوم، بل الذي ينبغي على الصائم عند تناوله طعام الإفطار، أن يكون معتدلاً متوازناً، دون إفراط أو تفريط في ذلك. وختاماً نذكِّر الصائم الكريم، بأن الغاية الأساس من تشريع الصيام، وصول العبد إلى تقوى الله، وعبادته حق العبادة، وذلك بالالتزام بأوامره سبحانه، والانتهاء عن نواهيه، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } (البقرة:183) فالآية صريحة في الدلالة على أن المقصد الأساس من الصوم، الوصول إلى درجة التقوى، وتلك منـزلة تقرِّب العبد من خالقه. فليست الغاية من الصيام إذن - وحسب نظر الشرع الحنيف - أن يكون علاجاً ودواءً لما ينتاب الناس من أمراض وأخطار، فعلى المسلم أن يلحظ ما شرع الصوم لأجله، أما ما كان من مقاصد أخرى، فهي تابعة ومتممة للمقصد الأساس من تشريع الصوم. وفقنا الله لطاعته والالتزام بشرعه، والاقتداء بهدي نبيه عليه الصلاة والسلام، والله اعلم.

بقلم ا.د. اية عبد الهادي

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة