الدكتور نعيم رمضان يكتب اربع معضلات اساسية تعيق العدالة الدولية.

بسم الله الرحمن الرحيم













ميثاق الأمم المتحدة وقـِّع عام 1945 في سان فرانسيسكو. ويعتبر النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءاً متمماً للميثاق، وينص الميثاق على حقوق الإنسان الأساسية، وعلى حقوق متساوية للأمم، ولكنه وضع في الوقت نفسه معضلات تضر الميثاق وتهد كيانه، ويترتب عليها أضرارا تلحق بالإنسان الذي كرمه خالقه وميزه على سائر المخلوقات، وتلك المعضلات هي: المعضلة الأولى: الفيتو: الذي هو حق للدول الخمس الدائمة العضوية فقط، أما بقية الدول فلا اعتبار لإرادتها، فكيف تم اختيار خمس من بين 189 دولة حتى يكون لها هذا الاستبداد، إنها معضلة تحتاج إلى نظر ودراسة في زمن يسمونه عصر الديمقراطية. فلو ظلم ظالم واعتدي على مظلوم وصوتت كل الدول ضد الظالم لنصرة المظلوم إلا واحدة من تلك الخمس فإنه لا اعتبار لتلك الأصوات والنداءات، غريب وعجيب. وكيف لو كان الظالم من أصحاب الفيتو، وماذا ينفع المظلوم أن يشتكي في مجلس الأمن. والمعضلة الثانية: عدم تدخل القضاء الدولي إلا إذا رضي الطرفان الظالم والمظلوم بالاحتكام إليه. وهذا ما نص عليه النظام الأساسي للمحكمة الدولية في المادة (36)، ومتى يقبل الظالم أن يتنازل لخصمه الذي اعتدى عليه، فهو لا يرتضي الاحتكام إلى العدالة، لأنه ظالم، ولا تهمه مصلحة المظلوم، وإلا لم يقع منه الظلم أصلا. وبالتالي يأمن الظالم حتى من المسائلة أمام القضاء، وهذا يجعله يتمادى في طغيانه وجبروته، وزيادة الاعتداء على حقوق الآخرين. والمعضلة الثالثة: العدالة مفقودة ولم تأتي ضمن أهداف الأمم المتحدة ومبادئها. فليس ضمن أهدافها ومقاصدها تحقيق العدالة في العلاقات الدولية بين الدول أو الأمم والشعوب، بينما الأولوية لحفظ السلم والأمن الدولي، فإذا تقاطع السلم مع العدالة، فلا عبرة بالعدالة وإنما العبرة بالسلم والأمن الدولي، وذلك بإعادة السلم إلى نصابه. ويظهر هذا التقاطع في النـزاعات المسلحة، فإذا اعتدت دولة كبرى تملك حـق الفيـتو أو حليفتها على دولة صغيرة أو متوسطة، وأفقدت شعبها كل حـقوق الإنسـان، وأدخلته في نفـق الحصار أو مصادرة وطنه مع الجوع والفقر والتشريد والقتل التي تمثل انتهاك حقوق الإنسان بصورة جماعية، ولا يكون أمام المظلوم إلا الاستسلام مكرها والسكوت على فقد حقوقه، أو رفع شكواه إلى الهيئة العامة للأمم المتحدة، لتجيبه بأنها غير مختصة وإنما المختص بذلك مجلس الأمن فيجد الفيتو، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية التي تشترط رضا المعتدي للترافع. بينما المنهج الإسلامي، فهو على العكس من ذلك تماماً، فإنه من أجل العدالة يقاتل المعتدي والباغي والظالم، وتقدم العدالة على السلم عند التقاطع بينهما، ولا يحترم السلم المبني على الظلم، وذلك انتصاراً لحقوق الإنسان، قال تعالى : ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ)) (الحـديد:25)، وقال الله سبحانه تعالى: ((فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىء إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ)) (الحجرات:9)، وفي تقرير العدالة صون حقوق الإنسان كلها، لأن معنى العدالة يسع حقوق الإنسان كلها، وهـو ما نهـجه الإسلام، وفي إغفال العـدالة تدمير حقوق الإنسان، وبدونها لن يكون الحـكم إلا لشريعة الغاب، وسياسة القوة والقهر، وهو ما نهجه القانون الدولي ممثلاً بالميثاق، وذلك عند النظر إلى حقائق الأمور ومآلات النصوص وإلى البناء الكلي للميثاق وعدم الانخداع بديكورات الجمل والعبارات التي تذكر صون حقوق الإنسان، والإشادة بها !! والمعضلة الرابعة: التعديل والتغيير خاضعاً لاستخدام حـق الفيتو ضده. فواضعي الميثاق جعلوا هيمنة الدول الكبرى كاملة على العالم، واحتاطوا لذلك من أجل إبقاء هذا الوضع المؤسف واستمراره دون تعديل، فـلا يتم تعديل حتى لو أرادته دول العالم كلها مجتمعة ورفضته دولة الفيتو وحدها، وهذا ما نصت عليه المادة (108) من الميثاق. وتلك هي معضلات ومشكلات يجدها الإنسان في مؤسسة عالمية، بل أعلى المؤسسات المتعلقة بالعلاقات بين الأمم والشعوب، مما يدل على خطورة الأمر وشناعة الخطب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. 

بقلم ا.د. نعيم رمضان 

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة