الكائن الزومبى : الحقيقة التى تعيش بيننا

الزومبي الشخصية الشهيرة بأفلام الرعب الهوليودية والتى باعتقادي ليست سيناريوهات للعرض والتسلية أبدًا بل أن الزومبيون في مجتمعاتنا كثيرون فأعدادهم هائلة ويتكاثرون بسرعة الضوء، وكلما زادت مجموعاتهم قلّ تعداد الكائن الإنساني العاقل القابل للتعلم، التطور والتنامي.

هذا الكلام ليس كلاماً فلسفياً أو حديث عن أشخاص بعينهم بل حقيقة وباء مُجتمعي يُداهم الإنسانية في الصميم ـ قد ألقي باللوم على العولمة والانفتاح الاقتصادي، قد أعاتب المثقفين والحكام وأصحاب القرار … ولكن في الآخر سأدرك خطئي وأُشير بأصابع الاتهام لجوهر الإنسان فقط … في كيان كل زومبي.

ما أوقنه بشدة هو أنّنا كمجتمع بشري متمدن نتأرجح كلنا بين تدرجات الزومبية هذه، غير أنّ ما سأتحدث عنه هو أسواء هذه التدرجات وأكثرها بؤسًا، حين يغيب العقل وتهيم النفس في الظلمات.

استهلكتالسينماوالدراما الأمريكية قصص الزومبي منذ فترة كبيرة حتى وصل الحال بألا يوجد أحد الآنلا يعرف شخصية الزومبي المُرعبة، للأسف هذه الثقافة الأمريكية مسحت جذور التاريخ الحقيقي والواقعي للقصة.

نعم، الزومبي حقيقة وليس خُرافة.




هذه الفانتازيا التي تُداعب خيالات المخرجين تعود حقيقتها إلى وقائع مؤلمة خلال سنوات الاستعمار الفرنسي في هاييتي التي كانت تُسمى آنذاك بسانت دومينيك، حيث تم استجلاب أفواج من الأفارقة من أجل العمل في مزارع قصب السكر، ظروف العمل كانت مُروعة لهؤلاء المُستخدمين العبيد، البؤس والقمع بلا هوادة جعل الانتحار بوابتهم للخلاص نتيجة اعتقادهم الواهم بالتحرر من الاستعباد المجحف والعودة إلى موطنهم في إفريقيا، هذا الإيمان بالحياة أو الانبعاث بعد الموت خلف معدل وفيات مُرتفع جدًا، ورغم أنّهم أُرغموا على اعتناق المسيحية والتخلي عن أديانهم، لم ينتقل الأفارقة لوحدهم فقط بل انتقلت معهم اعتقاداتهم وتراثهم الشعبي الذي تلاقح بدوره مع ثقافات شعوب الكاريبي.

وهو التراث الشعبي القائل بأنّ كل من أزهق روحه بيده لن يرجع إلى موطنه بإفريقيا، بل سوف يُدان إلى الأبد بأن يبقى هائمًا على وجهه يمشي جيئةً وذهابًا وسط مزارع قصب السكر!

تطورت أسطورة الزومبي تدريجيًا بعد الثورة الهايتية ونهاية الاستعمار الفرنسي، لِتلتحم بالفلكلور السائد المعروف بالفودو، حيث كهنة ومُشعوذي هذا الأخير يستخدمون الزومبيين ومرة أخرى خارج إرادتهم أي استعباد من نوع آخر حتى في الحياة بعد الموت، من أجل تنفيذ سحرهم الأسود وأعمالهم الشريرة، إلى هنا مازال الأمر يبدو خرافةً من تأليف مجموعة متخلفين.

صبرًا فالآتي مُثير للاهتمام فعلًا


هناك من غير الهايتيين من زعم أنّه رأى زومبي حقًا! إنّها الروائية الأمريكية والباحثة في الأنثروبولوجيا زورانيل هيرستون التي انصب اهتمامها بثقافة الفودو بهايتي فسافرت إلى هناك لتحقق في هذا الشأن، وهي التي قامت بالتقاط صورة فوتوغرافية لامرأة تُدعى فيليسيا فيليكس منتور، زعم أهل قريتها أنّها عادت من الموت بعد مرور عشرين سنة على وفاتها، وبعد الأبحاث التي قامت بها الأمريكية للتأكد من صحة هذه المزاعم توصلت إلى خلاصة تفيد بأنّ للسحر الأسود دور في هذه القصة، خلطة أعشاب وأجزاء حيوانات ميتة لها تأثير مخدر تجعل الضحية في حالة تشبه الموت.

حالة أخرى أيضًا تحدث عنها المستكشف الأمريكيويد دافيسسنة 1983، رجل يدعى كليرفيوس نارسيس هام على وجهه في مزارع قصب السكر المشؤومة تلك لمدة ستة عشر عامًا، حيث صدم سكان قريته بعودته لأنّه كان قد دُفن بعد أن أكد الطبيب المعاين وفاته، تحقيقات المستكشف دافيس التي شملت حالات أخرى من هذه الظاهرة العجيبة أكدت أيضًا وجود علاقة مع مزيج مُركّب من المواد تحوي ما يسمى بالنوروتوكسين، وهي مادة سمية لها تأثيرات خطيرة على الجهاز العصبي قد تكون المسؤول المباشر عن انخفاض حرارة الجسم و معدل التنفس الذي يميز حالة الزومبية التي تُصيب جسد الضحية.

كليرفيوس نارسيس

ما يهمني في هذه التراجيديا الهايتية ليس حكاوي السحر وأعمال المشعوذين، إنّها بداية الأسطورة هي التي حملتني على التفكير، كيف أنّ ماضٍ أليم من التهجير والإساءة في مزارع قصب السكر جعل من ذاكرة شعب عرضة للخوف والرعب الأبدي، مَخيل الهايتيين لم يستطع تصور إمكانية التحرر حتى بعد الموت، رافقهم ذعر الاستعباد حتى في تصوراتهم عن العالم الآخر.

كلكائن عاقلغير قادر على التعـلّم

التعلم

دائمًا ما نُشير لأنفسنا كعرب بأمة اقرأ التي لا تقرأ، هذا صحيح إلى حد ما، المشكل لا يقع في فعل القراءة بالضبط حقيقةً لأنّه حسب ملاحظاتي الشخصية هناك موجة عودة إلى القراءة بين أوساط الشباب العربي، إنّها إمكانية الخروج بشيء مفيد من فعل القراءة؛ لأنّ لا الحصول على دراسة أكاديمية ولا ممارسة القراءة يضمن أن يتمتع الفرد الواحد بالقدرة على التعلّم. التعلم من سلسلة التجارب أثمن من التعلم من خلال مادة معرفية، وهي الحقيقة القبيحة التي على كل عربي أن يتأملها ولو مرة في حياته.

يمكننا أن نرى الكم الهائل من المواد الدراسية والمخزون المعرفي الذي على كل طالب هضمه في نهاية كل سنة دراسية حتى يتمكن من اجتياز امتحاناته، والحصول على شهادة بهدف تحصيل مهنة في الأخير غالبًا ما تكون مليئة بالتحديات بعيدة كل البعد عما تعلمه في مقاعد الدراسة، وتكون هذه المهنة بمثابة نهاية مسلسل القراءة الممل والمتعب! وهو ما يبرز أحد أسباب تأزم العلاقة بين الشاب العربي وفعل القراءة الذي كان من المفروض أن يكون ممارسة بهدف الاستمتاع، وتحقيق اكتفاء نفسي فكري معين أو تغذية ميول شخصية. المدرسة بشكلها الحالي في الوطن العربي تدمر هذه الإمكانية، ويبقى على الأهل مسؤولية ربط مفهوم القراءة في أذهان أطفالهم قبل سن التمدرس بالمُتعة لا ألم وتوتر الامتحانات؛ لأنّ القراءة هذه هي ليست سوى إحدى الوسائل لتحقيق مهارة القدرة على التعلم.

فليس كل قارئ قادر على التعلم؛ لأنّ هناك أسئلة أخرى ستطرح نفسها بهذا الخصوص وهي. ماذا يقرأ، كيف يقرأ و لماذا يقرأ؟! أمّا كل من يملك قدرة على التعلم وليس شرطًا إن كان حاصلًا على تعليم أو يمارس القراءة، مهارته الذاتية هذه كفيلة ليُحرز نوعًا من التطور والتنامي، أي أنّه لن يبقى عالقًا طوال حياته في وظيفة لا يطيقها، أو مع أشخاص يُسيئون إليه أو في مكان واحد خال من فرص التقدم والإنجاز، ولنأخذ مثالًا على هذا الإنسان في أشهر حياته الأولى قد يدفعه حبه للاستكشاف أن يضع يده على صفيح ساخن فيحترق، مقدرته الفطرية على التعلم ستمنع من مُعاودة الكرة مرة أخرى اجتنابًا للألم، ولكن حين يكون العقل شبه مُغيّب لدى بالغ عاقل المرور بتجربة مؤلمة مرة مرتين ومئات المرات لا يكفي لأن يجعله يفكر كيف يجتنب التجربة نفسها، أو يحدد السبب المؤذي فيحذفه، كشخص يعيش في ضائقة مالية لمدة زمنية طويلة، حيث أصبح فريسة الديون من كل حدب وصوب، ولكنه لم يستطع خلال هذه الفترة من تحديد السبب الواقعي وراء محنته كما لم يتمكن من استثمار ما يملكه من قدرات أو تعلم مهارة جديدة تدر عليه الأموال الكافية لسداد ديونه، نفس الشيء بالنسبة لشخص آخر يفشل في علاقاته العاطفية الواحدة تلو الأخرى مُلقيًا باللوم دائمًا على الطرف الآخر، والأمثلة كثيرة من الحياة حيث يظل الإنسان مُحاصرًا في واقعه لا يتعلم كيف يخرج منه.

كل حبيس لعاداته عدو للتغيير

الكسل

التغيير حتمي في حياة كل إنسان فالكون بأكمله ذو طبيعة متغيرة، ليس هناك شيء ثابت فهناك أشياء تتغير بالرغم عنا، الوقت مثلًا يؤثر في كل جزيئة من جزيئات حياتنا، أجسادنا تتعب، تتقلص كفاءتها الفيزيائية، تهرم وتشيخ ولا تعود كما كانت مفعمة بالقوة والحيوية من قبل تحت تأثير البعد الزمني. لذا، تصبح مجموعة الخيارات التي نقوم بها يومًا بعد يوم مؤثرةً جدًا في التجربة الشخصية لكل واحد منا، كما يطال تأثيرها تجارب أشخاص في محيطنا، خيارات مهما بدت بسيطة وغير مؤذية لها مقدرة على تحديد المسار الكلي أو الجزئي لنا ولهم، أقول خيارات وهي إلى حد ما تبدو كأنّها كذلك ولكن زخم هذه الحياة يحوّلها إلى عادات مألوفة تتحكّم في عوالمنا الصغيرة.

الزومبي حبيس جسده الذي أراد أن يحرره في بادئ الأمر من خلال القيام بسلوك إنساني شنيع وهو الانتحار، وكذلك هي عادات يومية يقوم بها الفرد من أجل الهـروب وتناسي ضغوط الواقع ومطبات الحياة المملة أو الصعبة حتى إن توفرت له ظروف ووسائل التغيير والتطور.

وفي زمن تكنولوجيا التواصل، صار الإنسان الاجتماعي بطبيعته أكثر وحدة وكآبة يعيش في قوقعة السوشيال ميديا ووهم العالم الذي أضحى قرية صغيرة! ومن أقبح السلوكيات التي تُشعرني شخصيًا بالحزن على إنسانية الإنسان هو حينما تستهلّ حوار تواصلي بسيط مع أحدهم فتجده مكبوب بالمعنى الحرفي على هاتفه، وكأنّ العالم قد ينتهي إذا وضعه جانبًا وشاركك الحديث! وقد تنبّهه إلى ذلك وفي كل مرة سيعيد الكرة؛ لأنّ شعوره الحسي وتحليله المنطقي شبه مخدّر، حتى زائروك سيسألونك عن كود الواي فاي بمنزلك عوضًا أن يتجاذبوا معك أطراف حديث اجتماعي حقيقي. الزومبي يقيم علاقة مع هاتفه الذكي فهو يشاركه في كل شيء حتى وجبات الطعام … وأشياء أخرى كذلك!!

ويستمر مسلسل العادات الانتحارية اليومية القاتلة والمتمثلة في كل سلوك وممارسة فيها إدمان، ومُقاومة للتغيير مثل: قضاء ساعات متواصلة في الألعاب الإلكترونية، التسكع علـى المقاهي وفي الطرقات بلا فائدة ترجى، الانتقال بين الفضائيات، الأخبار والمسلسلات، كليبات الأغاني وآخر أخبار الفنانين … هذه فقط أمثلة وهي تبدو عادية جدًا وليس فيها ضرر، الخطر فيها يكمن في التعوّد عليها حتى تصبح جزءًا من تكوين الهوية، أي أنّ الشخص لا يكاد يتصور نفسه بدونها وهي في خطورتها مثل أو أكثر من إدمان المخدرات، انعدام القدرة على التعامل السلس مع التوتر اليومي، الخوف من المجهول، ضعف الكفاءات يقود إلى الهروب والانغماس في ملذات عابرة مؤقتة تخدّر الأحاسيس وتطبطب على الجوارح.

“يمـوت ببـطء من يصبح عـبدًا للعادة”

الشاعر التشيلي/ بابلو نيرودا

كل مُواطن همه الاستهلاك عديم الإنتاجية

الانغماس في العادات المسمومة يؤدي أيضًا إلى مستوى آخر من الزومبية الاجتماعية وهو ضعف الإنتاجية أو انعدامها، حيث يصبح المواطن مُستهلك لكل شيء يصادفه، قديمًا كان الإنسان يُنتج قوت يومه ويصنع ما يحتاج فقط! بعد الثورة الصناعية، أصبحت المجتمعات البشرية تميل إلى الاستهلاك السلبي في كل شيء. المواد الغذائية، الملابس، الأجهزة، السيارات والمنازل … ومع اكتساح الإشهار والحملات الإعلانية، تحولت الحياة إلى سباق نحو الاقتناء والتكديس بحيث لم يعد أمام الفرد الوقت من أجل إنتاج أو إعادة إنتاج شيء، لم يبقَ أمامه سوى العمل الشاق طوال الشهر وإنفاق الراتب في أسبوع واحد أو أقل، وهكذا يصبح المسكين مثل سيزيف ولعنة الصخرة التي لا تصل إلى قمة الجبل قط.

تجني الشركات العالمية الضخمة والمتوحشة ثروات طائلة من حشود عملائِها، ومع ثورة السوشيال ميديا أصبحت تجند جيوشًا من المحللين والمراقبين عن كثب لتفاعلات المستهلكين حول العالم عبر كل وسيلة تواصل رقمي كفيسبوك وتويتر؛ بهدف معرفة آراءهم حول منتجاتها وخدماتها أو تلك التي تخص الشركات المنافسة، تحليلات تقوم من خلالها بابتداع أو تعديل الحملات الإشهارية والمنتجات حسب ما يفضله المستهلك وما سيجعله مدمن على هذه أو تلك الماركة، إضافةً إلى التسويق غير المباشر عن طريق توظيف المؤثرين الرقميين الذين لهم أكبر عدد من المتابعين في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي!

فالدخل السنوي مثلًا لشركات التبغ يقدر بنصف تريليون دولار، أمّا مبيعات إحدى أكبر شركات الجعة في العالم وصلت سنة 2015 إلى 43.6 بليون دولار، والقائمة طويلة جدًا بأسماء ماركات مشهورة ومُصنعي منتوجات هي كالهواء والماء بالنسبة للمستهلك، وبأرقام خيالية من الأرباح ورائها حشود من الزبائن الأوفياء الذين تبنّوا لايف ستايل مبني على عادات استهلاكية غير صحية بل مسمومة وقاتلة.

الاستهلاك الفكري أيضًا يدخل في صميم هذا الموضوع وهو يخص جموع الزومبيين الذين يبتلعون المفاهيم والفلسفات الجاهزة ويهلّلون لها أينما كان؛ لأنّ حسهم النقدي مُعطّل. كل فكرة تدخل أدمغتهم دون فلتر فيصبحون كالببغاوات يكررون نفس الأحاديث، ويؤمنون بنفس المعتقدات طوال سنوات عمرهم دون أدنى تحديث أو تعديل فيها كأنّها ثوابت جامدة، فتصبح عقلياتهم هذه سجنهم الأبدي الذي لا يستطيعون فيه إنتاج فـكر جديد. ثقافة الاستهلاك المسؤول وحس الإبداع والخلق شبه ملغية، وهذه من أبرز سمات المجتمعات المفلسة، الخاملة وغير المنتجة، تستهلك المادة والفكرة ولا تقدر أن تُنتج أيًا منهما.

كل اندفاعي شهواني الميول

هذه المرة ستغيب ملكة العقل وتنكمش معها سعة الروح عند الزومبي الذي فقد السيطرة على اندفاعاته الحسية. لبضعة سنوات مضت بدا لي أنّ الاندفاعية صفة محبّبة قليلًا بين فئات الشباب، وكأنّها ميزة تتسم بها هذه المرحلة العمرية، أو ترخيص مجتمعي للقيام بشتى أنواع الهبل، وأحيانًا يتم خلطها مع التلقائية وهي الصفة الأخرى التي تعطيها صبغة القبول.

الحقيقة أنّ هناك وجهين للاندفاعية: واحد مشرق يتمثل في تلك الميزة التي يبحث عنها أرباب العمل في مستخدميهم، والتي تمكنهم من القدرة على اتخاذ القرار السريع الأكثر ملائمة، ومهارة حل المشكلات الطارئة باحترافية وعفوية، وقد تحتاج الحياة بعضًا من هذا في مواقف صعبة أو حساسة تتطلب الحسم السريع وحيوية التوجه دون تخطيط مسبق، وهي نفس الخصلة التي تصاحبها سلوكيات شخصية لها تأثيرات خطيرة على صاحبها الذي يتصرف غالبًا دون تحليل منطقي، وقراءة واقعية لعواقب أفعاله وهذا هو الوجه المظلم منها.

فإذا كان بعض الشباب يميلون إلى عيش الحياة بعبثية وتشويش في الرؤية المستقبلية بحيث يتعودون على طمس العقلانية والاستهتار بالمسؤولية التي تأتي مع الحرية، فهذا غالبًا هو الحال الذي سيظل يرافقهم بعد أن تنقضي سنوات الشباب التي قضوها في العبث، تضييع الوقت والجهد البدني والفكري، فخّ يقع فيه الكثير للأسف! حيث يدفعون ثمن اندفاعاتهم ويفقدون السيطرة على زمام أمور أبسط تفاصيل حياتهم بالمجمل، وهؤلاء عبء ثقيل على أي مجتمع بشري مُتَحضِّر و لا ترجى منهم راجية!

الأفعال الاندفاعية لمدة زمنية طويلة تحوّل صاحبها ببطء أو بسرعة حسب طبيعة سلوكياته إلى زومبي مسلوب الإرادة ومقتول الروح، وهي تتمثل في كل ممارسة متكررة ليست في أوانها دون سابق تخطيط مُعقلن، ولا تبصر ومحفوفة بالمخاطر بلا مبرر.

أعتقد أنّ وجود الشغف الحقيقي يعد بمثابة إكسير يضخ الحياة في الروح التي تمدد وتتسع أبعد من القوالب المجتمعية، فتكون بذلك هي المحرّك نحو التطور، التعلمّ الذاتي الدائم والسمو فوق الشهوانية والاندفاعات الحسية، هذه الروح التي تواصل تمددها عبر المراحل العمرية للإنسان، تمنحه مناعة قوية ضد أفتك آفات المجتمع المتمدن المعاصر، بها لا يظل مسعاه ولو عاش وسط أدغال مليئة بالزومبيين، ملكاته الفكرية في تقدم وتجديد ونفسه سليمة مُعافاه!

العبيد الأفارقة في هاييتي كانوا شاردين ومُغيبين حتى قبل أن يقرروا الانتحار؛ لأنّهم رفضوا واقعهم ولم يستطيعوا إيجاد وسيلة غير الموت للرجوع إلى وطنهم حسب ظنهم، فكل مُحاولة هروب وتشتيت الانتباه تزيد من ابتعاد الإنسان عن كينونته وجوهر وجوده، وهو اكتشاف رسالته في الحياة والعمل على تحقيقها مهما بدت بسيطة، صعبة أو مملّة، الحضور في اللحظة وموازنة ثلاثية الجسد، النفس والروح.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة