الكاتب الصحفي نعيم رمضان يكتب وبالتفصيل عن ثقافة وانواع الفساد المالي والاداري

بسم الله الرحمن الرحيم











الفساد مشكلة عالمية. ويعرف الفساد السياسي بمعناه الأوسع بانه إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية. كل أنواع الأنظمة السياسية معرضة للفساد السياسي التي تتنوع أشكاله إلا أن اكثرها شيوعاً هي المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الأقارب. ورغم أن الفساد السياسي يسهل النشاطات الإجرامية من قبيل الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال والدعارة إلا أنه لا يقتصر على هذه النشاطات ولا يدعم أو يحمي بالضرورة الجرائم الأخرى. وتختلف ماهية الفساد السياسي من بلد لآخر ومن سلطة قضائية لأخرى. فإجراءات التمويل السياسي التي تعد قانونية في بلد معين قد تعتبر غير قانونية في بلد آخر. وقد تكون لقوات الشرطة والمدعون العامون في بعض البلدان صلاحيات واسعة في توجيه الاتهامات وهو ما يجعل من الصعب حينها وضع حد فاصل بين ممارسة الصلاحيات والفساد كما هو الحال في قضايا التصنيف العنصري. وقد تتحول الممارسات التي تعد فساداً سياسياً في بعض البلدان الأخرى في البلدان إلى ممارسات مشروعة وقانونية في البلدان التي توجد فيها جماعات مصالح قوية تلبية لرغبة هذه الجماعات الرسمية. ويؤدي الفساد كذلك إلى تقويض التنمية الاقتصادية لتسببه في حدوث تشوهات وحالات عجز ضخمة. ويؤدي انتشار الفساد في القطاع الخاص إلى زيادة كلفة العمل التجاري من خلال زيادة سعر المدفوعات غير المشروعة نفسها وكذلك لإزدياد النفقات الإدارية الناجمة عن التفاوض مع المسؤولين ومخاطر انتهات الاتفاقيات أو الانكشاف. ورغم أن البعض يدّعي بان الفساد يقلل من النفقات الإدارية عن طريق تجاوز الروتين الإداري، إلا ان وجود الرشوة يمكن كذلك ان يدفع المسؤولين لاستحداث تعليمات وحالات تأخير جديدة في إنجاز المعاملات. ومع إسهامه في زيادة تضخم النفقات التجارية فإن الفساد يشوه الملعب التجاري إذ يحمي الشركات ذات المعارف في الحكومة من المنافسة ما يعني بالنتيجة استمرار وجود شركات غير كفوءة. وعلاوة على ذلك يولد الفساد تشوهات اقتصادية في القطاع العام عن طريق تحويل استثمار المال العام إلى مشروعات رأسمالية تكثر فيها الرشى. ويلجأ المسؤولون إلى حيلة زيادة التعقيدات الفنية لمشاريع القطاع العام لإخفاء أو لتمهيد الطريق لهذه التعاملات غير المشروعة، ما يؤدي بالنتيجة إلى زيادة تشويه استثمار المال العام. ويؤدي الفساد كذلك إلى خفض معدلات الالتزام بضوابط البناء والمحافظة على البيئة والضوابط الأخرى وإلى تردي نوعية الخدمات الحكومية وزيادة الضغوط على ميزانية الحكومة. ويقول خبراء الاقتصاد بأن أحد أسباب اختلاف معدلات التنمية الاقتصادية بين أفريقيا وآسيا يعود إلى أن الفساد في أفريقيا قد إتخذ شكل اشتقاق الإيجارات الذي ينجم عنه تحريك رأس المال إلى الخارج بدلاً من استثماره في الداخل (وهو النمط التقليدي والمحبط الذي نشهده في قيام الحكام الدكتاتوريين الأفارقة بإنشاء حسابات مصرفية لهم في بنوك سويسرا). أما الإدارات الفاسدة في آسيا من قبيل إدارة سوهارتو فغالباً ما إتخذت هيئة الحصول على حصة في كل شيء (طلب الرشى)، إلا أنها تمكنت بخلاف ذلك من توفير جميع شروط التنمية عن طريق الاستثمار في مشاريع البنية التحتية ودعم سيادة القانون وما إلى ذلك. ويقدر الباحثون في جامعة ماساشوسيتس ان تهريب رؤوس الأموال من 30 دولة أفريقية للفترة بين 1970 و1996 قد بلغ 187 مليار دولار وهو ما يفوق مديونيات هذه الدول مجتمعة، وهو ما ينجم عنه تخلف أو تنمية منقوصة وهو ما أطره الاقتصادي مانكور اولسون في نظرية وضعها لذلك). وأحد العوامل التي تقف خلف هذا السلوك في حالة أفريقيا كان عدم الاستقرار السياسي وحقيقة أن الحكومات الجديدة عادة ما تصادر أرصدة الحكومات السابقة التي حصلت عليها عن طريق الفساد. وهذا ما شجع المسؤولين على تخزين ثرواتهم خارج البلاد لكيلا تطالها قرارات المصادرة الحكومية في المستقبل. ولحدوث الرشوة يحتاج الأمر ثلاثة اطراف: الذي يعطي الرشوة والذي يأخذها والذي يوصلها (الوسيط). وقد تمتد ثقافة الفساد في بعض البلدان لتشمل كل نواحي الحياة، ما يجعل من الصعب الحفاظ على أي تجارة من دون اللجوء إلى الرشى. اما الابتزاز هو قيام المسؤول السياسي شخصياً بالاستفادة من الأموال العامة بطرق غير قانونية. ويمكن مقارنة الابتزاز بالإتجار بالمنصب. لقد إدعى جورج واشنطن بلنكيت ممثل نيويورك في مجلس الشيوخ إدعاءه الشهير بأن هناك اختلافاً بين الابتزاز "الشريف" والابتزاز "غير الشريف". فالمثال التقليدي للابتزاز يتمثل في استغلال المسؤول لمعرفتة بالقرارات المتعلقة بمسح الأراضي في شراء الأراضي التي يعرف بان منظمته السياسية مهتمة باستغلالها ومن ثم بيعها وتحقيق أرباح كبيرة لتلك المنظمة. أما الهدايا الكبيرة المقدمة من أحد الأحزاب المشتركة في الحكومة فتصنف هي الأخرى على أنها ابتزاز ومعظم الدول لها قوانين تحظر هذا العمل. (ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال كل هدية تتعدى قيمتها 200 دولار نقدم إلى رئيس البلاد تعتبر هدية مقدمة إلى مكتب الرئاسة وليس إلى شخص الرئيس. ويمكن للرئيس المنتهية ولايتة أن يشتريها إذا ما أراد الاحتفاظ بها) وقد يصعب إثبات الفساد في الميدان السياسي ولكن يستحيل كذلك نفي وجوده. ويرتع الفساد في البيئات المضطربة سواء سياسيا أو تعليميا أو اقتصاديا .. فالفساد قرين القهر ومصادرة الحريات والكبت الفكري والديني والجهل والفقر، وغياب الشفافية والرقابة المنصفة، حيث تشكل هذه العوامل فرادى أو مجتمعة دافعا قويا على تغليب المنافع الشخصية أو القبلية على منفعة الكل. فعلى سبيل المثال أفادت دراسات أجريت في تايلاند وإندونيسيا والهند وكوريا أن الحكومات تدفع ما بين 20 % -60 % زيادة على الأسعار التي ينبغي أن تدفعها، ومرد هذه الزيادة في قيمة السلع هو «الفساد» الذي أصبح يوضع في كلف الإنتاج والتسويق، واضطرت منظمات الغوث الدولية في دول أفريقية إلى دفع رشا كبيرة لمسئولين كبار لأجل السماح بإيصال المعونات إلى الفقراء، ودفعت دول ثمناً باهظاً على شكل كوارث إنسانية واجتماعية واقتصادية بسبب الفساد المؤدي إلى الإهمال والتساهل في إجراءات السلامة في مبان وسدود ومشروعات اقتصادية كبيرة. وفي مؤتمر «نحو إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد» الذي عقد بالقاهرة بحضور ممثلين عن 19 دولة عربية، قال رئيس المنظمة العربية لمكافحة الفساد (عامر خياط): إن المنطقة العربية سجلت إضاعة ألف مليار دولار في عمليات فساد مالي وإهدار للأموال خلال النصف الثاني من القرن الماضي تمثل ثلث مجموع الدخل القومي للدول العربية.

ومن أجل ذلك -في أواخر القرن العشرين- بدأت بالظهور والتشكل مؤسسات دولية تهتم بمسألة الفساد على المستوى العالمي، ولعل من أبرزها مؤسسة «الشفافية الدولية» التي تقوم بإعداد التقارير الدورية عن حالة الفساد في العالم، والسبب في تشكل هذه المؤسسات الدولية هو فشل البرامج المالية التي وضعتها المؤسسات الدولية المالية لمساعدة الدول ذات الاقتصاد المرتبك، حيث ينهي هذا الفساد أهداف برامج المساعدة. اما مسألة القضاء على الفساد ليست عملية سهلة، ولا يمكن حصرها في تشريعات وقوانين رادعة، لأن النفوس الشريرة لن تعجز عن النفاذ من ثغراتها، لكن يضمحل الفساد بمنظومة من الأعمال والإصلاحات وإعادة بناء لأنظمة المجتمعات والدول: التعليمية والاجتماعية والإدارية والوطنية. وفي تصورنا أن منظومة محاربة الفساد ترتكز إلى ثلاث ركائز أساسية:- أولا: «العدالة» بكافة أنواعها من سياسية واجتماعية، والتي تحقق بطبيعة الحالة مجتمع متوازن في الحقوق والوجبات، وهذا من شأنه ترسيخ مبادئ الانتماء للوطن ومؤسساته، فمما من شك في أن المواطن الذي يحصل على حقوقه دون تميز يشعر بالولاء للوطن الذي يهبه هذه الحقوق، ويتفانى في الحفاظ على كل ركن فيه، لأنه يشعر في قرارة نفسه أنه ملك له وللأجيال من بعده. ورأس العدالة تنحصر في ولاة الأمر وبطانتهم، فهم الممسكون بزمام الأمور، وهم قادة الناس وقدوتهم، والرعية لهم تبع، ولذلك يقول أبو حامد الغزالي في كتابه الماتع (التبر المسبوك في نصيحة الملوك): «اعلم أيها السلطان أن كل ما كان في قلب الإنسان من معرفة واعتقاد فذلك أصل الإيمان، وما كان جارياً على أعضائه السبعة من الطاعة والعدل فذلك فرع الإيمان. فإذا كان الفرع ذاوياً دلّ على ضعف الأصل فإنه لا يثبت عند الموت، وعمل البدن عنوان إيمان القلب. والأعمال التي هي فروع الإيمان هي تجنب المحارم وأداء الفرائض، وهما قسمان: أحدهما بينك وبين الله تعالى مثل الصوم والصلاة والحج والزكاة واجتناب شرب الشراب والعفة عن الحرام. والأخرى بينك وبين الخلق وهي العدل في الرعية والكف عن الظلم. والأصل في ذلك: أن تعمل فيما بينك وبين الخالق تعالى من طاعة أمره والازدجار بزجره، وما تختار أن تعتمده عبيدك في حقك، وأن تعمل فيما بينك وبين الناس ما تؤثر أن يعمل معك من سواك إذا كان غيرك السلطان وكنت من رعيته، واعلم أنّ ما كان بينك وبين الخالق سبحانه فإن عفوه قريب، وأما ما يتعلق بمظالم الناس فإنه لا يتجاوز به عنك على كل حال يوم القيامة وخطره عظيم ولا يسلم من هذا الخطر أحد من الملوك إلا ملك عمل بالعدل والإنصاف ليعلم كيف يطلب العدل والإنصاف يوم القيامة». وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى عامله أبي موسى الأشعري: (أما بعد فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته. فإياك والتبسّط فإن عمالك يقتدون بك، وإنما مثلك كمثل دابة رأت مرعى مخضراً فأكلت كثيراً حتى سمنت فكان سمنها سبب هلاكها لأنها بذلك السمن تذبح وتؤكل).وبناء على هذا فلابد أن نعيد النظر في سياسة التعينات والولايات، وأن نخرج من حيز الولاءات الشخصية إلى فضاء المصلحة العامة .. إن المدير غير المتخصص بعلوم الإدارة رجل غير مناسب للإدارة مهما نبغ في القيادة أو التخصص المهني، فينبغي مع توافر الصفات الشخصية القيادية أن يكون دارسا لأمور التنظيم والتخطيط والأهداف والرقابة والتحليل واتخاذ القرارات، وأن يكون ملما بعلم النفس الإداري، ومطلعا على علم الإدارة الحديث، إضافة إلى مكتسباته الذاتية من مهارات وخبرات عملية ونزاهة ونظافة يد. ويندرج تحت «العدالة» إطلاق كافة الحريات في التعبير والنقد والاقتراح، لتصب كلها في توجيه الجهات الرقابية لما قد يكون خافيا عنها، كما أنها تجعل عملية اتخاذ القرارات غير محصورة في شخص المدير أو الوزير (اللامركزية الإدارية)، وليس بخاف فضيلة الشورى والاستفادة من اللجان البحثية المتخصصة في صناعة القرار. ومن العدالة أيضا القضاء على البيروقراطية التي تعرقل مصالح الناس وتهيئ المناخ للرشوة والمحسوبية والوساطة، والاستفادة من التقنيات الحديثة من كمبيوتر ونت .. وغيرها في تسهيل أمور الناس والقضاء على النظام الدفتري العقيم الذي يستنزف الجهد والوقت، وهذا الأسلوب منتشر جدا في الشركات الخاصة وحققت منه إنجازات كبيرة ربحية وخدمية. - ثانيا: «التربية الإيجابية» لمقاومة ثقافة الفساد، ونقصد بالإيجابية تلك التربية الفعلية لا الشكلية التي تتغلغل في سلوكيات أفرادها، وليست تلك المناهج التربوية المعنية بالحفظ والتلقين والحصول على أعلى الدرجات وأرقى الشهادات، ونخص بالذكر التربية الإيمانية التي تربي في النشء فقه المراقبة والإتقان والتوكل، وتتجلى خلالها معاني الأمانة والنزاهة والصدق وسائر الفضائل .. إن التربية أحد الأركان الأساسية في منظومة محاربة الفساد، لأنها تجعل النفس محكومة بسياج العقل والحكمة، وتزيد التربية الدينية في أنها تعلق النفس برضا الرحمن وطلب الجنان، وهي غاية شريفة تضمحل أمامها كل غاية دنيوية مهما عظمت. - ثالثا: «القوانين والتشريعات» الرقابية والعقابية الحازمة، فالناس فيهم الصالح وفيهم أيضا الطالح، ومنهم من تنفعه الأمور التوجيهية، ومنهم من لا يردعه إلا عقاب رادع، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولو تركنا أهل الفساد والمنحرفين لجزاء القيامة لفسد المجتمع، فلا بُدَّ من قوة تصون صلاح المجتمع، وهذا يشمل أيضا تدعيم نشاط جمعيات حماية المستهلك ومراقبة الجودة. وعلى الجانب الآخر لابد من تفعيل عقوبات التشهير لحماية المسئولين الأكفاء من نيران الدسائس والشكاوى الكيدية الأمر الذي يجعل المسئول مغلول اليد فلا يقدم على إصلاح خوفا من كبوات الطريق وترصد الشامتين. إن الواقعية تحتم علينا أن نعرف أنه لا يمكن أبدا اجتثاث الفساد من جذوره، لكن في الوقت نفسه لابد أن نحتاط دائما بمقص حاد لقطع أعشابه متى خرجت من تربتها القذرة، ولا بد أن تكون عيوننا مفتوحة على حركاته وسكناته، تماما كما نفعل حين نتوجس من اللصوص الذين يمكن أن يداهموا بيوتنا في أي لحظة، أما الاعتماد على أسلوب واحد في اجتثاث جذور الفساد فهو محض الخيال، إذ لا بد من تضافر جميع الجهود على كافة الأصعدة لتلجيم هذا الشبح الذي يهدد أمتنا ووجودنا.

بقلم الدكتور نعيم رمضان

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة