المفهوم الأردني للأمن القومي والدولي

تمهيد

1.    الأردن عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وله دوره المشهود على صعيد الأمن القومي العربي ، وأصبح عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة بتاريخ 14 كانون الأول 1955 ، وعلى الرغم من محدودية مساحته وقلة عدد سكانه وشح موارده الا انه ومنذ ان شاطر المجتمع الدولي مسؤولياته في المحافظة على السلم والأمن الدوليين فقد تمكن من تفعيل دوره على أحسن وجه ، عضواً فاعلاً مسؤولاً ومحباً للسلام انطلاقاً من الرؤية الإستراتيجية الثاقبة لقيادته الهاشمية الحكيمة واستجابة وتلبية لرغبة هذه القيادة المحبة للأمن والسلام والوئام والمتطلعة لرؤية عالم تنعم فيه الإنسانية بكل الهدوء والطمأنينة والاستقرار ، ناهيك عن المصلحة الوطنية الأردنية العليا التي تتمثل في تحقيق السلام إقليمياً وان تنعم من خلاله.

السلم والأمن في المفهوم الأردني وطنياً .

2.    يتطلع الأردن وينظر الى السلم والأمن على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي على انه كل متكامل وان التعاون والتناغم والتكامل ما بين هذه الإبعاد الثلاثة يعتبر ضرورة ملحة لترسيخ الأمن والاستقرار على كافة الأصعدة على اعتبار ان السلم والأمن مسؤولية مجلس الأمن او الأمم المتحدة وحدها ، وعليه فإن المفهوم الأردني للأمن الجماعي ينطلق متدرجاً من ضرورة تحقيق الأمن الوطني كقاعدة لتشكيل المظلة الأمنية الاشمل على صعيد الإقليم الذي نعيش فيه ، ومنها الوصول الى تحقيق الأمن الجماعي (بمفهومه الشامل) على الصعيد الدولي بغية الإحاطة بمفهوم الأمن بأبعاده العسكرية والاقتصادية والغذائية على حد سواء خاصة في ظل التطورات التي تشهدها عمليات السلام وما يرافقها من حفظ السلام او فرض السلام بالقوة وهوالأمر الذي قد لا تقبله الأطراف المعنية او دول الإقليم والعالم .

3.    في ظل هذا الطرح الأردني الذي يتلاءم والتحولات الجديدة في المفاهيم الأمنية ، وما يشهده من توسع في ضوء التغيرات والمستجدات على الساحة الدولية منذ بداية التسعينات وحتى اليوم ، يـرى الأردن ان الأمن بمفهومه الشامل لـم يعـد مقصـوراً علـى قضايـا الأمن الصعب (HARD SECURITY ISSUE ) في بعدها الامني وإنما تعداها الى قضايا الأمن الليّن (SOFT SECURITY ISSUE ) في إبعادها غير الامنية والتي تركز على الإنسان واحتياجاته الأساسية المتداخلة مثل الطعام ، الماء ، الطاقة ، التكنولوجيا ، الدواء ، التمويل ، النقل والاتصالات وكافة الأبعاد الأخرى التي تشكل البنية التحتية . وتلعب السياسة الخارجية دوراً مهماً في التخطيط والتنسيق ومتابعة التنفيذ ويتركز الدور الأردني على المحاور التالية :

       أ.     محلياً .

(1)   الإيمان بالحق الذاتي وبحق الأخر بالحياة الكريمة القائمة على أساس المواطنة الصالحة التي تلتزمنا بأسلوب الحوار المنطلق من الاعتراف بالأخر والالتزام دائماً بالوسائل الدبلوماسية لحل النزاعات والصراعات كأفضل آلية لتأكيد الأمن الدائم والاستقرار ، حيث يأتي الحوار العقلاني الوطني كمتطلب لتحقيق الأمن على الصعيد الوطني. وبناءً على ما تقدم فان أي دولة لا تستطيع أن تحقق السلام مع ذاتها فإنها لن تكون قادرة على المساهمة في صنعه إقليميا.

(2)   أدركت المملكة الأردنية الهاشمية مع غيرها من دول العالم والمنطقة ، ان العصر هو عصر الديمقراطيات الحديثة وان الحياة السياسية لا بد لها من ان تتجاوب مع روح العصر ومتطلباته ، وعليه فقد بدات بالانفتاح السياسي ، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان وحرياته وبناء مؤسسات المجتمع المدني ، ورفع سقف حرية الصحافة وتفعيل الحياة الحزبية كما ورد في الميثاق الوطني 1991م واصبحت عملية ممارسة الديمقراطية جزء من جملة متغيرات حديثة على المستوى العالمي ، مرتبطة بثورة التكنولوجيا والاتصالات ، وثورة التكتلات الاقتصادية والسياسية غير القومية وشعاراً لمفهوم العولمة .

(3)   استهداف الحاجات الأساسية للمواطن الأردني كمحور أساسي في مفهوم الأمن الوطني الشامل الى جانب المحاور الأخرى وبما يتماشى مع التوسع في المفاهيم الأمنية الحديثة حيث ركزت على كافة البنى التحتية من ( تعليم ، صحة، إسكان ، مياه ، جيوب الفقر، البطالة ، الأمن الاجتماعي ) ( من خلال حزم الامان الاجتماعي ) وعقد مؤتمرات البطالة والتشغيل ، بالإضافة لتنظيم العمالة الوافدة وذلك بغية خلق بيئة آمنة ومستقرة يستطيع الأردن من خلالها تحقيق السلام داخل الوطن والمحافظة عليه ثم الانطلاق للمساهمة في توطيد الأمن والاستقرار على صعيد الإقليم والعالم .

(4)   يعتبر الأردن ان السلام مع دولة اسرائيل خيارٌ استراتيجيٌ لا رجعة عنه ، وانه متطلب ضروري لتحقيق متطلبات الامن بمفهومه الشامل ، من خلال توجيه جزء من النفقات الدفاعية للإسهام في التنمية الاجتماعية الاقتصادية في الأردن وعليه قام الأردن بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل لتحقيق هذه الغاية .

(5)   يتصف الأردن بصغر مساحته البالفة 89000 كم2 وقلة عدد سكانه 5.4 مليون نسمة وشح موارده المائية والطبيعية وتحيط به دول تفوقه في عناصر قوته الوطنية اقتصادياً وعسكرياً وبشرياً وفي ظل المستجدات الإقليمية والدولية سعى الأردن إلى بناء شبكة من العلاقات المتميزة مع الدول الصديقة وتبنى سياسات تقوم على الابتعاد عن الأحلاف والسعي للتحديث والتطوير والمرونة والتعاون بغية تحقيق أمنه الوطني ومتطلباته الجديدة . فقام بتوقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية على طريق المزيد من التعاون مع أوروبا كما أنه عضو في الحوار الأطلسي – المتوسطي ، وعضوٌ مراقبٌ في الشراكة من اجل السلام وعضواً في اتفاقية التجارة الدولية ، وهو يتبع سياسات استثمارية منفتحة لتحقيق مزيدٍ من النمو الاقتصادي للمساهمة في المظلة الأمنية الشاملة على الصعيد الوطني .

ب.   إقليمياً .

(1)   يتطلع الأردن الى نظام امني إقليمي ويأمل ان يكون شاملاً من حيث الرؤية والتطبيق، ويعيش في ظله كافة شعوب الاقليم ، ويساهم في تعزيز الفهم الحضاري لشعوبها غايته في ذلك تعزيز أمن واستقرار المنطقة ، وتوسيع التعاون الاقتصادي ، وتقليل فرص الحرب وتحويل الادوار العسكرية ، وضبط التسلح ، والاعتماد على الدبلوماسية الوقائية كآلية لحل النزاعات بدلاً من الحلول العسكرية ، وإشاعة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعددية السياسية في الإقليم ، كل ذلك بما يتماشى مع التوسع في المفاهيم والادبيات الأمنية التي يقرها المجتمع الدولي .

(2)   يسعى الأردن لخلق بيئة آمنه ومستقرة في الإقليم الذي نعيش فيه ، حيث يؤمن أنه لا يمكن ان يكون للمنطقة مستقبلاً امناً وسعيداً ومزدهراً الا بشرط توفر السلام ولذلك التزم الأردن بالمشاركة في العملية السلمية ، حيث مكنه موقعه السياسي والجغرافي من القيام بدور محوري وهام في أمن واستقرار منطقة الوطن العربي ، ويأتي توقيع معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية مساهمة واضحة في إيجاد هذه البيئة التي  تنمي وتعزز القوى الراغبة في السلام داخل اسرائيل والبلاد العربية ، لا سيما ان هذه المعاهدة منعت الانهيار التام للعملية السلمية وأصبحت مرساة للسلام الإقليمي ، خاصة في ظل التعثر على المسار السوري اللبناني -  الإسرائيلي وما تواجهه العملية السلمية على المسار الإسرائيلي – الفلسطيني من صعوبات ، رغم كل ما تحقق حتى الآن على هذا المسار .

(3)   بهدف تحقيق السلام العادل والشامل فقد دخل الاردن مسلسل المحادثات متعددة الأطراف في الاقليم بغية إيجاد الإطار لحل قضايا ضبط التسلح والأمن الإقليمي ، المياه ، البيئة ، الحدود اللاجئين والقدس والتعاون الاقتصادي .حيث دعا لاقامة اتفاقية تجارة حرة في المنطقة وبنك تنمية وتأسيس مركز امني اقليمي لمنع الصراعات ، وساهم بعقد اربعة مؤتمرات اقتصادية بمشاركة فاعلة بالاضافة الى المشاركة في مؤتمر دافوس واستضافة المؤتمر في الاردن وبالتناوب، مرة في دافوس ومرة في الاردن. وكمؤشرات على ضرورة الاقتصاد لتأمين حاجات الفرد حيث ان قياس مدى الامن والاستقرار ينعكس عن مدى رضى شعوب الاقليم وليس حكوماته فقط وان التعاون الاقتصادي هو احد أهم الآليات لتعاون الاطراف المتنافسة والمتناقضة والمتصارعة على طريق التنمية وبناء المستقبل بدلاً من التطلع الى الوراء  .

د.     دور الأردن في الحرب على الإرهاب.

الارهاب هو كل عمل يقوم به فرد او مجموعة او دولة او مجموعة دول بناءً على استخدام العنف والقوة بدون اسناد شرعي ضد الناس الابرياء المدنيين ، وتطور مفهوم الارهاب الى ارهاب الدولة والارهاب النفسي والارهاب ضد البيئة الكونية , وقد كان الأردن من أوائل الدول المتأثرة بالإرهاب حيث كانت البداية باستشهاد الملك المؤسس أثناء توجهه للصلاة في المسجد الأقصى ،ثم توالت العمليات الإرهابية الموجهة ضد الأردن، من اغتيال رئيس الوزراء هزاع المجالي ،ثم وصفي التل ،الى أن وصلت الى تفجيرات العقبة وتفجيرات الفنادق في العاصمة عمان في 9/11/2005.

5.    المشاركة الاردنية في عمليات حفظ السلام الدولية .

للاردن تاريخ مميز على صعيد عمليات السلام الدولية حيث كانت اول مشاركة اردنية بقواته المسلحة على الصعيد العربي في الكويت عام 1961 م ولاكثر من مرة ،ثم اليمن وعُمان .بالاضافة الى العون الانساني من خلال الجمعية الخيرية الاردنية الهاشمية للاغاثة على الصعيد العربي والاسلامي والعالمي  .

6.    بدأت المشاركة الاردنية العسكرية في عمليات السلام على الصعيد العالمي في عام 1989م في انغولا ، وتوسعت وأخذت زخمها في عام 1992م عندما شاركت القوات المسلحة الاردنية في يوغسلافيا السابقة بقيادة قوة وثلاث كتائب حماية وسرية استمكان مدفعية ، وعدد من المراقبين العسكريين ومراقبي الشرطة الدولية واستمرت هذه المشاركة حتى نهاية عام 1995 م وتمثلت في العناصر التالية  .

07   نوع المشاركة الاردنية في عمليات حفظ السلام .

أ.     كتائب حفظ السلام (يشارك حالياً كتيبة حفظ سلام في هاييتي ، كتيبة في ارتيريا ، كتيبة + سرية في ساحل العاج) . Peace Keeping Units 

ب.    مراقبين عسكريين (69) مراقب . Millitary Observeres

جـ.    شرطة دولية.      CIVPOL

ضباط ارتباط.Liason Officeres            

هـ.    المستشفيات العسكرية المتحركة في كل من : (اسمرة ، افغانستان ، بروندي ، الكونغو ، ساحل العاج ، هاييتي ، ليبريا ، العراق وفلسطين) .

و.     اللواء عالي الجاهزية متعدد الجنسيات. SHIRBRIG

       ز.    قوات الانتشار السريع. Stand by Forces

ح.    أما المساهمات الأردنية الأخرى فقد كانت على المستويات الإنسانية والدبلوماسية ومنها مراقبة الانتخابات ، وإرسال المساعدات الإنسانية، والجهود الدبلوماسية .

اهمية المشاركة الاردنية في عمليات حفظ السلام الدولية .

أ.     اعطت المشاركة صورة مشرقة عن الاردن في الخارج ، وكرست دوره على الساحة الدولية حيث اصبح الدور الاردني مطلوباً للمشاركة وباستمرار .

ب.    ساهمت برفد الاقتصاد الاردني بالعملات الصعبة ودعم ذوي الدخل المحدود بالنظر الى حجم الشريحة المشاركة من قواتنا المسلحة وجهاز الامن العام والدفاع المدني مما يترك اثره على عملية تحريك الاقتصاد الوطني والحد من الفقر والبطالة.

جـ.    وفّرت المشاركة الخبرة العالمية والاطلاع على ثقافات متعددة في عمليات حفظ السلام الذي قد يساهم بدور فاعل على الصعيد القومي او الاقليمي او الاسلامي من خلال منظمة المؤتمر الاسلامي .

اثبتت المشاركة مدى حيادية الجندي الاردني وإخلاصه للعمل الانساني مقارنة مع الآخرين .

هـ.    ساهمت بترسيخ مفهوم السلام لدى الجندي الاردني كدور رئيسي وواجب وطني قد يطلب منه تأديته في أي مكان من العالم .

و.     الانفتاح على جيوش الدول المشاركة ،وتبادل الخبرات معها بكافة المجالات.

ز.    بينت المشاركة التزام الاردن المعلن والثابت بمواثيق الامم المتحدة والتزامه بالشرعية الدولية .

ح.    ساهمت في رفع مستوى الفرد الاردني بالثقافة العالمية.

14.  الدروس المستفادة من المشاركة . لقد اكتسبت القوات المسلحة الاردنية وبقية المؤسسات التي عملت وتعمل في مجال حفظ السلام خبرة واسعة من خلال اشتراكها في مهام الامم المتحدة في اكثر من موقع في العالم ،والتي اضافت الى خبراتها السابقة دروساً مستفادة تستطيع توظيفها في عملياتها المستقبلية وصولاً الى مستوى ودور افضل، ومن أهم ما تم اكتسابه من الخبرات ما يلي :

أ.     فهم القيادات العسكرية والمدنية لشروط ومتطلبات العمل مع الامم المتحدة وفقاً لما هو منصوص عليه في مواثيقها وقوانينها المرعية والتي بينت كثيراً من الحقائق التي يجب  اخذها بعين الاعتبار مستقبلاً .

ب.    ادى انخراط المشاركين في عمليات حفظ السلام علىالصعيدين العسكري والمدني الى اكتساب خبرات واسعة في مجال التنظيم والتسليح ومقاييس الوحدات والفرق الحكومية المشاركة في كافة المجالات والاختصاصات راعت الالتزام بالحياد .

جـ.    اكتسب ضباط وافراد القوات المسلحة الاردنية خبرات في مجال ادارة الازمات ومواجهة الكوراث وإدامة عمليات الامداد والدعم اللوجستي والتنقل والانفتاح التعبوي والاستراتيجي واساليب وسلسلة القيادة والسيطرة في عمليات الامم المتحدة ضمن فرق عسكرية مختلطة الثقافات والمدارس العسكرية.

د.     تحقيق مستوى عال ومتقدم في تدريب الوحدات للعمل في الظروف القاسية وتأهيل المشاركين في مجال اللغات المختلفة والتثقيف الصحي والبيئي وبما يتلاءم ومتطلبات الامم المتحدة ، بالاضافة الى التأهيل الدبلوماسي والاستخباري ويتم التأهيل له في معهد حفظ السلام ، المعهد الدبلوماسي الاردني ، معاهد القوات المسلحة والمعاهد الصديقة .

هـ.    ان الدور الاردني المستقبلي يتطلب ضرورة تفعيل المشاركة على صعيد القطاعين العام والخاص بغية رفد المشاركة على الصعيد العسكري وبحيث يتكامل هذا الدور بكافة الاتجاهات .

و.     الخروج بدروس مستفاده في مجال اهمية تحديد مدة ولاية ومركز القوات العاملة في الميدان واساليب التعامل مع الدول المضيفة وضرورة وضوح قواعد الاشتباك دون أي لبس خاصة ما يتعلق منها في حق الدفاع عن النفس بالاضافة لاكتساب الخبرة في مجال العمليات العسكرية – المدنية.

ز.    تتوفر لدى المملكة الاردنية الهاشمية حالياً المقدرة على مضاعفة المساهمة في قوات حفظ السلام الدولة من حيث اعداد المشاركين والاستعداد الدائم للمشاركة في مهام الامم المتحدة المختلفة بالقوات والاسناد الطبي واللوجستي .

ح.    بناءً على الخبرة الجيدة والاستعداد المستقبلي المتوفر لدى القوات المسلحة الاردنية نتطلع ان يستمر الدور الاردني ويتطور التعاون مع الامم المتحدة ليكون الاردن مركزاً للتدريب والتأهيل لقوات حفظ السلام والمشاركات الدبلوماسية على مستوى الاقليم والعالم.

      

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة