بحث في فرضية الخالق

  • الكاتب Usama
  • تاريخ اﻹضافة 2017-03-24
  • مشاهدة 8

 أحد فرضيات تفسير بدايات الكون هي فرضية وجود خالق أنشأ الكون و تعتمد هذه الفرضية على برهان يسمى البرهان الكوزمولوجي. هذا البرهان  يعتمد على السياق التالي

توجد ثلاث مقدمات في برهان الإمكان الكوزمولوجي وهي :

1- كل شيء موجود يوجد تفسير لوجوده ( إما لضرورة تقتضيها طبيعته أو لسبب خارجي).

2- إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو الله.

3- الكون موجود.

الآن، ماذا ينتج منطقياً من هذه المقدمات الثلاث؟

من المقدمة 1 و 3 ينتج :

4- وجود الكون له تفسير.

و من 2 و 4 ينتج منطقيّاً :

5- إذن، تفسير وجود الكون هو الله.

هذه حُجّة متماسكة منطقياً، لذا إن أراد الملحد إنكار النتيجة يجب عليه القول أن إحدى المقدمات الثلاث خاطئة، ولكن أي واحدة سيرفض؟ المقدمة الثالثة لا يمكن أن ينكرَها أي باحث صادق عن الحقيقة، لذا يجب على الملحد أن يرفض إما المقدمة الأولى أو الثانية، إن أراد أن يبقى ملحداً وعقلانيّاً في نفس الوقت.

إذن، السؤال هو: هل المقدمة الأولى والمقدمة الثانية صحيحتان أم خاطئتان؟

نهاية نص فرضية البرهان الكوسمولوجي. يمكنك الإطلاع على نص الفرضية بشكل كامل هنا

الرد:

بشكل عام هذا ملخص لحجة الإثبات المنطقية لوجود خالق في الكون، لكن دعونا نعاين هذا الطرح بشكل منطقي.

النقطة الأولى:

كل شيء موجود يوجد تفسير لوجوده.

أو بقول آخر أن كل موجود له مسبب أوجده. هذا الادعاء يتماشى مع ما نرصده من حولنا فلا نجد أي شيء موجود في الكون دون مسبب (على الأقل حتى الآن). إذا نتفق مع النفطة الأولى من الادعاء.

النقطة الثانية:

إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو الله.

هذا استنتاج غير مبني على أي منطق معرفي مسبق.  يمكننا أن نقول التالي:

إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو كريشنا

إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو وحش السباجيتي الطائر

إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو باراك أوباما

إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو الله

نحن نتفق أن الكون موجود وبالتالي لابد من وجود مسبب له لكن نحن لا نعرف أي شيء عن هذا المسبب ويوجد عدد لا منتهي من الاحتمالات التي قد تفسر وجود الكون. افتراض أن الله هو مسبب الكون هو افتراض غير مثبت مثله مثل بقية الافتراضات للتي سردتها في الأعلى. على فرض أننا قبلنا بآخر فرضية والتي تقول إنه إن كان هنالك تفسير لوجود الكون، فهذا التفسير هو الله فعلينا أن نقيم كيف وصلنا لهذه الفرضية.

وصلنا لهذه الفرضية بناء على النقطة الأولى التي بدأنا بها والتي تنص على أن كل شيء موجود يوجد تفسير لوجوده وبالتالي الآن علينا أن نطرح نفس السؤال وضمن نفس المنهجية إن كان الله موجود فما هو تفسير وجوده؟

عادة يكون الجواب أن الله لا ينطبق عليه هذا القانون لأن الله خلق نفسه ولم يلد ولم يولد.

هذا يعني انه بإمكاننا أن نقول التالي من باب اعتماد نفس المنطق المستخدم عن خواص الخالق:

الكون خلق نفسه بنفسه ولهذا لا يوجد داعي للاستفسار عن كيف بدأ الكون. عند هذه النقطة ينهار النقاش عادة وهذا لان كلا الطرفين أعطى نفسه حق غير مبني على قاعدة متفق عليها مسبقاً وهي وجود مسبب لا مسبب له.

وجود مسبب لا مسبب له يتعارض بشكل مباشر مع المبدأ الأول الذي بدأنا منه وهو كل شيء موجود يوجد تفسير لوجوده.

الطرف الأول يعطي نفسه حق اعطاء الوصول إلى مستوى لا تتطبق عليه هذا القاعدة و يسمى هذا المستوى الله و الطرف الثاني يرفض هذا الاستثناء و يقول إن كان يحق للطرف الأول لما لا يحق لي و أقول أن الكون خلق نفسه بنفسه دون الحاجة لفرضية الله.

لا أعرف:

أنا لا أعرف كيف بدأ الكون ولا أعرف أي شيء عن مسبب الكون لكن أرفض فرضية الله لأنها غير متماسكة منطقياً إذ أنها مبنية على مغالطة الاستدلال الدائري. مغالطة الاستدلال الدائري هي اعتماد اثبات الدليل على الفرضية من ضمن الفرضية نفسها. مثل “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. هذا استدلال دائري لأن اثبات وجود الله يعتمد على ما قاله الله عن نفسه.

موس أووكم وأبسط الاحتمالات:

أيضاً هذه الفرضية تتنافى مع مبدأ “موس أووكم” حيث يقول هذا المبدأ انه عند البحث عن اجابات غير معلومة بالنسبة لنا وإن كان لابد علينا وضع بعض الافتراضات غير المثبتة فعلينا تبني أكثر هذه الافتراضات بساطة. لنتخيل أنه يوجد بنك كوني للمعلومات و هذا البنك يتعامل بعملة “معرفية” فعندما نطلب قرضاً معرفي منه يشترط علينا هذا البنك أن نبدأ بأقل قيمة لهذا القرض.

هذا يعني أننا نستطيع شراء فرضيات لكن علينا شراء أرخص الفرضيات قيمة من حيث قيمة المعلومات التي لا نمتلك أي دليل لإثباتها.

إذا أردنا أن نفترض وجود مسبب لهذا الكون فهذا يستوجب علينا تبني أبسط فرضية من حيث القيمة الافتراضية للمعلومات. فرضية الله فرضية أكثر تعقيد من السؤال الاصلي الذي نحاول الإجابة عليه.

نحن نسأل من سبّب الكون ونجد البعض يقول لنا يوجد كيان يتصف بالكمال خارج الزمان والمكان لم يلد ولم يولد لم يكن له كفئ أحد وهو من سبب هذا الكون. هنا يقدم البنك الكوني المعرفي اعتراضاً اجرائياً لأننا لم نقترض منه أبسط الافتراضات وحاولنا اقتراض فرضية مركبة ومعقدة أكثر من السؤال الأصلي دون أي مبررات معرفية. (لا نملك ما يكفي من الموارد لأخذ هذا القرض من البنك الكوني).

لنفترض أننا تبنينا فرضية أن الكون أوجد نفسه بنفسه فهذا الافتراض على الرغم من أنه غير مبرر علمياً وغير مثبت معرفياً إلا أنه يعد أبسط من افتراض وجود كيان كامل خلق نفسه بنفسه ولديه قدرات خارقة ويعمل بشكل مؤثر في مجريات أحداث الكون. هذا الافتراض (الكون أوجد نفسه بنفسه) بسيط لأنه يعطي نظرية الانفجار العظيم ميزة وحيدة جديدة وهي أنها بدأت لوحدها فقط. لا يوجد حاجة لافتراض أي شيء سوى أن الانفجار العظيم حدث بشكل ذاتي وتلقائي.

يوجد فرضية بسيطة أخرى تقول أن الكون لم يكن له بداية (كون أزلي). هذه الفرضية على الرغم من بساطتها إلا أنها تتعارض بشكل مباشر مع ما نرصده في هذا الكون إذ أنه من الواضح انه يوجد نقطة محددة من الزمكان لم يكن يوجد قبلها زمكان. على الرغم من أن هذه الفرضية غير علمية (بناء على معارفنا اليوم) إلا أنها تبقى فرضية أبسط وأرخص من فرضية الله بالنسبة لبنك المعلومات الكوني.

فرضية الله:

فرضية الخالق أوجدها الإنسان بسبب الكسل المعرفي وبسبب عجزه عن ايجاد أجوبة سريعة لحل لغز هذا الكون العظيم. من الواضح أنه مهما كان هذا الجواب عن سؤال من أين جاء الكون. سيكون السؤال الذي يليه من اين جاء هذا المسبب وإن وجدنا الجواب لهذا السؤال سيكون الجواب الذي يليه من أين جاء مسبب المسبب والذي يليه من اين جاء هذا أيضاً إلى ما لانهاية. لهذا وجد الإنسان أن افتراض كيان يوقف هذا التسلسل اللانهائي بكيان لم يلد ولم يولد هو افتراض ينهي هذا البحث ويعطي وهم بالإجابة على السؤال.

بالنسبة لي لا يوجد لدي مشكلة بأن نقول أن الكون لم يلد و لم يولد أو أن الله لم يلد و لم يولد أو أن شيفا لم يلد و لم يولد لأن جميع هذه الفرضيات متطابقة بالنسبة لي مع استبدال الألفاظ و لا تقدم أي قيمة معرفية جديدة لكن المشكلة أن من يقدم لنا فرضية الله الذي لم يلد و لم يولد يستغل قبولنا بهذه الفرضية و يقدم ادعاءات أخرى تتعلق بحياتنا و الموجودات الكونية الأخرى. المشكلة بهذا الطرح أنه بإمكاننا تفسير الظواهر الكونية بدقة عالية دون الحاجة لفرضية الله طالما أننا تجاوزنا معضلة البداية الكونية. الكون يقدم لنا سرد دقيق عن أليات عمله.

إذا فرضية الله قد تؤجل البحث عن السؤال الأصلي حول كيف بدأ الكون إلا أنها غير مهمة وغير ضرورية بعد أول ثانية من بداية الكون وبالتالي يتم استغلال الله في محاور نحن لسنا بحاجته فيها. لو أن الأديان قالت لنا أن الله هو من خلق الكون وكل ما يتعلق في فهمنا لهذا الكون يجب أن يأتي عن طريق المنهج العلمي سنجد ان الخلافات لن تتعدى كونها خلافات فلسفية هنا وهناك، لكن الدين يريد أن أن يستغل فرضية الله ويفسر كل ما هو موجود في الكون ويسن لنا قوانين تضمن سيطرة هذه المنظومة الفكرية على كل مفاصل الحياة.

نجد أشخاص لا يمتلكون أي مقومات معرفية ولا يفقهون أبسط القواعد العلمية لكنهم يقدمون اقتراحات طبية للشفاء من الأمراض.

نجد أشخاص كل ما يميزهم عن اي إنسان آخر أنهم أطلقوا بصيلات الشعر على وجههم يقومون بتقديم نظريات فيزيائية حول سرعة الضوء والإعجاز العلمي وكيف نحفز الغيوم على هطول الأمطار.

نجد اشخاص لم يكملوا مراحل الدراسة الاساسية لكنهم وبكل ثقة يقيمون نصف سكان الكرة الارضية بأنهم ناقصات عقل وأنهن غير مؤهلات لاتخاذ القرارات ولا يعتد بهم قانونياً.

المشكلة أعمق من كيف بدأ الكون. المشكلة منهجية.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة