بسمة حجازي تكتب سيكون المجد للكلمات

ككل الأدباء والموهوبين دون ادعاء أومزايدة أو مهارة في تسويق أنفسهم وإبداعهم، رحل علاء أديب في صمت، بعد معاناة مع المرض، أسباب الموت كثيرة، ولحظة المفارقة واحدة، يتوقف القلب وتخمد الأنفاس وتذرف دموع الفراق من عيون الأهل والأحبة..

تنتهى علاقتك بالحياة الدنيا ويبقى أثرك فيها … الأمر يتوقف على ما زرعته في حياتك، هناك من يحصد ثمرة ما زرعه في حياته ولايبقى له شىء بعدها يدين به العالم، وهناك من يحصد الثمار في حياته وبعد مماته تظل ثماره نافعة يتغذى عليها أجيال بعد أجيال، وهناك من لا يحصد في حياته إلا أقل القليل ويبقى زرعه كله للآخرين منحة ونعمة.

الموهوبون عالم بذاته، المخلص منهم يكون أكثر بصيرة من غيره، وهو ما يجعله يرى العالم بشكل مختلف، مثل زرقاء اليمامة، تتكشف أمامه الأشجار التي تتحرك ويسخر الآخرون من رؤيته.. لكن يكتشفون في النهاية حمقهم.

المبدع الحقيقى يعيش في محن بسبب المنحة التي وهبها الله له، فليس سهلا أن تحمل على كتفيك خطايا العالم وأنت الإنسان الضعيف، تتنازعك الهمة واليأس.

كثيرون من هؤلاء الموهوبين يصابون بالإحباط والاكتئاب، وبعضهم يصل به الأمر إلى الرغبة في أن يضع كلمة النهاية بإرادته لحياة لم يعشها بإرادته.

الإبداع منحة ومحنة.. يمكن أن يصل بصاحبة لحافة اليأس ويمكن أن يكون بديلا عن الاكتئاب والانتحار كما كتب شيخنا الأديب الراحل علاء الديب في «وقفة قبل المنحدر.. من أوراق مثقف مصرى» الذي يحكى فيه تجربته الشخصية على مدار ثلاثين عاما من 1952 إلى 1982.

الأديب الفنان ينتابه الشعور بالغربة في مجتمعه، فالمجتمع في ذهنه مبنى على تصورات ذهنية وأفكار وقيم آمن بها واعتنقها، والواقع مختلف فج وخاصة المجتمعات المتخلفة التي يغيب فيها الوعى وتأتى الثقافة في ذيل الأولويات، عبر عن ذلك علاء الديب في كتابه: الأدهى والأمر أن أغلى أحلام المثقف مرتبطة بفهم الواقع، بل وبالعمل على تغييره، وضعه المعلق دائماً بين الحلم والواقع، يجعل منه وتراً مشدوداً.

الوتر المشدود، ونصل السكين مشاعر وأحاسيس كل مبدع، حين يشعر أن عليه أن يقول مقولته ويمضى حتى لو لم تثمر في زمنه، ولعل ذلك هو دافع الكاتبة الأمريكية «هاربر لي» التي توفت منذ أيام، حين نشرت عام 1960 روايتها الوحيدة الشهيرة والأكثر مبيعا في امريكا (باعت 30 مليون نسخة) «أن تقتل طائرا بريئا» وانتقدت فيها نفاق المجتمع الأمريكى والتمييز العنصرى ضد السود في ذلك الحين، وصادف الرواية حسن الطالع حين تحولت إلى فيلم سينمائى حاز على 3 جوائز أوسكار وساهم مع الرواية في تغيير هذا السلوك الظالم الفظ غير الإنسانى .

أديبنا وصف نفسه بإيجاز رائع «أنا إنسان حائر ووحيد»، كما وصف عالمه بـ«محيط من الغربة والحزن» رغم الوحدة والغربة والحزن الساكن في أعماق القلب النبيل إلا أنه لم يتوقف يوما عن إنجاز رسالته.. الكتابة والإبداع والنقد الأدبى والترجمة.

أبطال رواياته عاشوا معه غربته، وهذا يبدو في ثلاثية «أطفال بلا دموع» (1989)، و«قمر على المستنقع» (1993)، و«عيون البنفسج» (1999)، تدور الثلاثية الرائعة حول غربة أسرة، غربة مكانية وغربة نفسية.. تتبع الأب منير فكار، أستاذ الأدب العربي، في الجزء الأول (رواية أطفال بلا دموع)، ثم تتبع الأم، سناء فرج، في الجزء الثاني (رواية قمر على المستنقع)، وأخيرا حياة الابن تامر منير فكار الشاعر التسعيني (رواية عيون البنفسج).. وفي الروايات الثلاث يغوص علاء الديب بعيدا في أعماق الصراع الأسري والإنساني، وكيف ينظر كل من الأبطال لنفسه وللآخرين، كل هذا بلغته التي يمتزج فيها الصفاء بالفلسفة بالشاعرية .

ظل علاء أديب وفيا لمهنته، عاشقا للقلم حتى النهاية، وكان صاحب أشهر زاوية صحفية لعرض الكتب وهى «عصير الكتب»، التي بدأها في مجلة صباح الخير، كان معروفا عنه عذوبته ونقاءه وبساطته، رحم الله علاء الديب، الذي ستبقى كلماته لأجيال وأجيال فكما كتب جمال الغيطانى في «حكايات هائمة»: «لم تظهر الحروف لتختفي، إنّما لتبقى، ظهورها لن يعقبه طيّ وما سيكون.. سيكون..». …المجد للكلمات.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة