تاثير الإجتماع على التدين انموذج مقارن الإسلام والمسيحية في التاريخ

  • الكاتب elkamel hammadi
  • تاريخ اﻹضافة 2017-04-25
  • مشاهدة 8

ان ما حصل في المسيحية الغربية من تطور في الهياكل الكلية ادي الى تغيير نمط التدين، ولكن المسيحية الشرقية لم تتعرض للمسار الغربي الأوروبي، وانما هي تتعرض لمسار ملازم ومشابه للمسار الإسلامي، ولذلك يسري عليها في قطاع كبير ما يسري على الإسلام في وضعيته وسياقه التاريخي.

على العكس ما حصل في الغرب، لم يتعرض المحيط الإسلامي بعد لتغيرات جذرية في الهياكل الكلية الاقتصادية والاجتماعية والعقلية، وبالتالي لم يدخل نمط التدين في تحدي حقيقي مع قانون التطور ولم يتعرض لضغوط كافية لإحداث تغير ملموس، ولهذا فان قابلية التطرف الكامنة في هذا النمط لا تزال قادرة على انتاج العنف، ولكن في الوقت ذاته مستويات التطور الاجتماعي النسبي في الواقع الإسلامي تظل كافية لتوليد حالة من الاضطراب والتوتر في مواجهة الحداثة، بمعنى انه مازال لم يصل التطور في منطقتنا الإسلامية حد احداث معركة كسر عظام بين قانون التطور وبين النظام الديني كما حدث في الغرب، فوتيرة التطور وحجمه ليس كافيا بعد للإشعال المعركة النهائية واحداث مثل هذا الصدام المباشر القوي ولكن في الوقت ذاته بلغ الضغط من التصاعد حد احداث توتر واضطراب، وهنا لا نتكلم عن الحداثة بمعنى الاصطلاحي التنويري الذي تعرض لمراجعة نقدية شاملة في الفكر الغربي طوال القرن الماضي والذي ينطوي على أيديولوجيا مسبقة مضادة لفكرة الدين في ذاتها، وما نعنيه بالحداثة هنا هو المطلق، أي الفكرة المتطورة المتواصلة في الزمن كقانون اجتماع طبيعي قادر على كشف التناقضات الإشكالية لنظام التدين، في هذا السياق يمكن قراءة الأصولية الإسلامية خصوصا في اشكالها العنيفة كنوع من رد الفعل الدفاعي امام الحداثة، امام هذا التطور النسبي في قانون التطور.

في الحالة المسيحية لما حدث الصدام بين قانون التطور والمسيحية كان حضور الكنيسة كمؤسسة قابضة قد ساعد في ضبط إيقاع المواجهة مع الحداثة وتنظيم عملية التراجع، الأمر الذي يفتقر اليه السياق الإسلامي، حيث يجري تمثيل الديانة بشكل مفتوح من قبل الأفراد والجماعات، كل من هب ودب يعتبر نفسه الممثل الوحيد للإسلام والمسؤول الأول عن الإسلام، وان من حقه ان يصنع كيانا يمثل المجموعة ويتكلم باسم المجموعة ويعبر عن المجتمع ويعبر عن الجماعة دون أي إحساس بالسؤال المبدئي الحقيقي: " من اعطاك هذا الحق في التمثيل وحق التعبير عن المجتمع الكلي عن المجموع الكلي؟".

لا يوجد في الإسلام منظمة ولا كنيسة، وهنا تكمن الخطورة، لأنه عندما يحدث صدام بين التطور وبين النظام الديني سيتراجع النظام الديني (هذا أكيد) نتيجة للصدام الطبيعي والضروري، فان كانت عملية التراجع في السياق المسيحي تم تنظيمها من قبل الكنيسة من خلال انسحاب منظم ووقع فيه تقديم تنازلات وقيام بمناورات متعددة لتلافي الإشكاليات الكبرى مع قانون الحداثة، فمن سينظم هذا التراجع في السياق الإسلامي في غياب مؤسسة جامعة قابضة، لهذا يكمن الخطر في حدوث عشوائية كبيرة في التعاطي مع الصدام بسبب التناقض الذي لم يصل بعد الى مداه الأعلى ولكنه وصل الى حد من الدرجات القادحة لشرارة التوتر.

لقد لعبت المؤسسات الدينية في السياقات التوحيدية الثلاث دورا سلبيا كبيرا في تكريس مفهوم التدين المغلوط الذي تم فرضه ولعبت دورا سلبيا أيضا يسئ في الحقيقة الى الدين المطلق والى الإيمان المطلق والى الأخلاق الكلية، ولكن من الحسنات القليلة التي لعبتها الكنيسة هي قيادة هذا التراجع ولكن هذه المؤسسة لا توجد في السياق الإسلامي.

الأصوليات الراهنة تشترك مع بقية العقل المسلم في المرجعية العامة التي يمثلها نمط التدين التاريخي الموروث بإشكالياته الثلاث، لان كل العقل الديني المسلم ينتمي الى نمط التدين نفسه، والأصوليات هي جزء منه، ولكن تمتاز عنه بشيء إضافي هو النمط التدين الطبيعي في الإسلام التي تنتمي اليه الأصوليات كما تنتمي اليه بقية مكونات التكوين الديني.

هذا النمط التقليدي فرض المفهوم الحرفي الشكلاني للدين ونُصّب الفقه (وهو الزامات فرعية الزمتها حقبة التدوين) في صدارة الدين كفهم مباشر يسبق مكانة الروح والضمير الأخلاقي، وكرس الخصومة التقليدية المزمنة بين الدين والحرية والعقل، لكن من داخل هذه المرجعية العامة تتبنى الأصوليات الإسلامية مفاهيم التيارات الأشد عنفا او الأكثر ارتباطا بوقائع الحقبة السلفية ورواياتها التفصيلية المصنوعة التي تتبني المفاهيم الأقل اعتدادا بالقيم الكلية للدين في النفس الروحي والإنساني العام.

فالفقه هو المكون الرئيسي للثقافة الإسلامية، ومثل ما قيل اذا كانت الثقافة الرومانية ثقافة قانون والثقافة اليونانية ثقافة عقل والثقافة الحديثة ثقافة تقنية فالثقافة الإسلامية هي ثقافة فقه الذي كرس اجتماعيات الغزو بمفرداتها التفصيلية الخشنة وحولها الى احكام دينية مستندا الى وجودها في النص دون ان يفرق داخل النص بين المطلق الثابت الذي هو الإيمان والقيم الكلية، وبين الاجتماعي المتغير، أي الوقائع، فالنص كان يسجل الوقائع، بما فيها الحوادث القتالية، ولكنه لم يقصد تحويل الوقائع الى قيم مؤبدة.

كانت اية السيف الآية خمسة من سورة التوبة تعكس الوضعية الأخيرة لميزان القوة بين الجماعات المسلمة وخصومها في الجزيرة عند وفاة النبي، وهي وضعية التغلب التي ضلت قائمة لعدة قرون عبر الغزو والفتوح والتي قننها الفقه في شكل احكام تكليفية تفرض على المسلمين مقاتلة الناس حتى يدخلوا في الإسلام وتربط صراحة بين حالة الكفر لعدم الانتماء للإسلام وحل الدم، وهي احكام في غاية الخطورة من حيث مخالفتها لجوهر الأخلاق وللنصوص المطلقة، ومن حيث فداحة الاثار التي تربت عليها، ونعني بذلك التوجه العنيف الذي اتخذ مسار التدين الإسلامي وتاريخه سواء على المستوى الخارجي تحت عنوان الفتوح او الاقتتال الداخلي بين الفرق وانعكس على مستوى الذات الإسلامية المعاصرة التي صارت عرضة للتناقض بين مفاهيمها الملزمة فقهيا وثقافتها الحداثية التي كشفت عن الجذور التاريخية لهذه المفاهيم.

في واقع الأمر يبقى الفقه متناغما مع البنية الفقهية للنص التي تمثل إشكالية في صلب الدين التاريخي (التدين)، حيث يستطيع الاستناد الى مقدس، أي الى دليل وحجة.

ينبع العنف في الفقه الأصولي من خلال فهم انساني للنص المقدس الذي يعتبرونه ثابتا أذ يعتبر النص بجميع اجزائه كيانا مطلقا يقرا بمعزل عن ملابسات نزوله التاريخي (منجما)، ولهذا تكون الأحكام الهجومية الناجمة في صور التوبة وفي القران المدني بوجه عام احكاما نهائية واجبة على الدوام، فيقدم اسنادا صحيحا للعقل الأصولي وهو يمارس القتال والقتل باسم الله، ولا يمكن الخروج من هذه الوضعية إلا بحل المشاكل الأصلية أولا.

ان هذا يشرح بوضوح خطورة المعني الإشكالي في النص، ولا سبيل لرفع التناقض بين مضامين النصوص الهجومية والجوهر الأخلاقي الهي للدين، فقبل تعديل مفهوم النص.

ختاما، أن محاولات الإصلاح المتفائلة في الفكر الإسلامي المعاصر لم تواجه المشكل في صميمه بل، واجهته بدعوى الاعتدال بشكل التفافي من خلال اليات تأويلية تنتمي الى نفس نمط التدين ذاته، مما اسفر عن تدوير (او رسكلة) مفهوم التناقض وليس رفع مفهوم التناقض. https://www.youtube.com/channel/UC9PjMQd22AsFlFTnk3T4W2Q

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة