تاريخ الأردن


توطئة تاريخية .

       قبل الحديث عن تاريخ الأردن لعل من المناسب استعراض الفقرات التاريخية السابقة، التي مرت على أرض الأردن وبشيء من الإنجاز يخدم غرض هذه المحاضرة رغم أنني لست مع فكرة السرد التاريخي للحقب الزمنية والأحداث التاريخية إلا مع الشكل الذي يخدم غرض هذه المحاضرة والتي توخيت من خلالها الاعتماد على الأسلوب التحليلي  بطبيعة الأحداث وليس على الوقائع التاريخية التي يمكن التعريف عليها في العديد من الكتب المنشورة حول تاريخ الأردن .

       من هنا يمكن القول بأن الأردن عرف قديماً كأهم تقاطعات الطرق في العالم وكان دائماً مطمعاً للقوى المتنازعة وقد شهد سكان هذه المنطقة القدامى سلسلة الغزوات بين الإمبراطوريات القوية في الشمال التي كانت كل منها تحاول التغلب على الأخرى مما جعل المنطقة ساحة تجاذب حادة للقوات المتنازعة ،على أن المنطقة شهدت فيما بين فترات النزاع حقبات استقرار وازدهار ولقد خلف كل من المصريين والسومريين والاكاديين والبابليين والآشوريين والفرس واليونان والرومان والبيزنطيين تأثيرات واضحة على ثقافة وحضارة  هذه المنطقة إلى أن استقر الأمر للعرب فيها .

       ومن ابرز ما أثير الانتباه في هذه المنطقة أنه رغم العزلة والجغرافية وغياب مصادر الخيرات أحيانا وصعوبة الحصول عليها أحيانا أخرى رغم ذلك فقد عرفت المنطقة استيطان السكان فيها وازدهار المجتمعات وقد أسهمت الطبيعة في رسم حدود المنطقة ففي الغرب يفصل نهر الأردن ووادي عربة ضفة الأردن الشرقية عن فلسطين وتمتد في الشرق المناطق الصحراوية لتشكل فاصلاً طبيعياً وفي الشمال فأن وادي اليرموك يشكل الحد الشمالي الطبيعي أما في الجنوب فرغم أن الحدود اكثر انفتاحاً إلا أن الطبيعة الصحراوية للمنطقة تجعل الاتصالات عسيرة حتى في أيامنا هذه وفي العصر الحديدي قسمت المنطقة شرقي نهر الأردن إلى ثلاث ممالك هي

-     مملكة أدوم في الجنوب  (معان)

-     مملكة مؤاب في الوسط (الكرك)

-     مملكة عمون في الشمال (عمان)

في عام 311 ق 0م استطاع الأنباط أن يبنوا دولة قوية مزدهرة امتدت سيطرتها إلى جنوب الأردن حتى دمشق في الشمال . وقد حاول السلوقيون عام 311 قبل الميلاد الاستيلاء على البتراء عاصمة الأنباط إلا انهم ارتدوا عنها خاسرين .

       وفي غمرة انشغال أباطرة الروم البيزنطيين بقضايا المذاهب الدينية فأنهم لم يبذلوا اهتماماً  كافياً للمناطق البعيدة من إمبراطوريتهم وفي هذا الوقت شهدت المنطقة كلها تحولاً مصرياً في تاريخها وأخذت تواكب انبعاث قوة جديدة في قلب الجزيرة العربية .

      

فقد استطاع النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) الرسول العربي أن يوحد العرب تحت راية الإسلام وان يهز الانبعاث ركائز الإمبراطوريات القوية التي كانت تحكم المنطقة آنذاك فارس الروم وفي مؤته إلى الجنوب من الكرك وقع أول صدام بين العرب المسلمين والروم البيزنطيين  وفي سنة 636 بعد الميلاد وفي معركة اليرموك شمال الأردن دمر المسلمون في المعركة الفاصلة جيش الإمبراطور البيزنطي هرقل والحقوا به هزيمة ساحقة وهكذا انطلقت رايات الفتح الإسلامي خفاقة في أنحاء بلاد الشام وفلسطين ومصر مرورا بالأردن ولا زالت أضرحة الصحابة التي نتفيأ خلالها صباح ومساء ماثلة أمامنا فوق الأراضي الأردنية فهذا ضريح جعفر الطيار وزيد بن حارثه وعبد الله بن رواحه وشرحبيل بن حسنه وضرار بن الأزور ومعاذ بن جبل  منارات نعتز ونفاخر بها وقد ازدادت أهمية شرقي الأردن بسبب موقعة على الطريق .

       المباشر من سوريا إلى الجزيرة العربية حيث كانت دمشق عاصمة دولة الخلافة  الإسلامية- ولكن عندما نقل العباسيون عاصمة الدولة إلى بغداد في القرن التاسع بعد الميلاد تناقصت أهمية المنطقة ولعدم وقوع شرقي الأردن على طرق تجارة رئيسية في تلك الفترة وبسبب افتقاده للثروات الطبيعية دخل في ظلال الانحطاط والتأخير

       إلا أنه لم يفقد أهمية الاستراتيجية التي جعلته في القرن الثاني عشر الميلادي هدفاً لمطامع الحملات الصليبية التي سيطرت على أجزاء منه مدة قرن كامل وقد انشأ الصليبيون منه القلاع في الكرك عام 1142 والشوبك عام 1115 ثم انتشرت القلاع الصليبية التي كان الهدف منها حماية المداخل الجنوبية الشرقية للمملكة اللاتينية .

       وكان عام 1187 نهاية الوجود الصليبي في المنطقة على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي وجيوشه المنتصرة في معركة حطين الفاضلة على أن  حكم الأيوبيين سرعان ما انتهى بدوره على يد المماليك الذين حكموا الأردن وسوريا حتى عام 1516 .


      

       وهكذا وقعت البلاد تحت حكم الأتراك العثمانيين في أوائل القرن السادس عشر الميلاد وقد ركز فيها العثمانيون جهدهم علي حماية طريق الحج الذي كانت تسير في الطريق ذاتها التي يمر بها خط سكة الحديد 

       الأردن /من منشورات وزارة السياحية

       لذلك بنى العثمانيون القلاع على طول الطريق مثل : 

1-    قلعة زيزياء           2-    قلعة ضبعه          3-    قلعة معان

4-    قلعة القطرانه         5-    قلعة الحسا           6-    قلعة المدوره

       كما عقدت الدولة العثمانية مع شيوخ العشائر اتفاقيات لحراسة طريق الحجاج  في هذه الفترة ونتيجة لعدم توفر استتباب الأمن حصلت بعض الاعتداءات بين القبائل لقد تعرضت البلاد العربية عامة ومنطقة الأردن خاصة إلى ضعف عام وسوء في الإدارة والأحوال بحيث لم يمكن في قضاء الكرك سوى ثلاث قرى وهي (العراق) كثرباء) (وخنزيره) .

       وفي الجزء الشمالي من لواء عجلون قدر عدد سكان القرى التالية على هذا النحو

 

ملكا 600   اربد 150      كفر أسد 250      ججين 80      سوم 200   اربد 700    بيت راس 170

       مع نهاية الحكم العثماني شهدت البلاد اضطراباً واسعاً حيث جرت بعض الاعتداءات بين سكان البلاد كما شهدت الزراعة انحطاطاً كبيراً بعد أن كانت مصدراً كبيراً للحبوب .

التقسيمات الإدارية

سنجق عجلون

من نهر اليرموك شمالاً إلى نهر الزرقاء جنوباً -مركز اربد نعيمة

انظر التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى ص 203 المحطات

أ0     الكورة         ب.    بني جهمه          ج.    السور 

د.     الوسيطه      هـ.    بني عبيد والكفارات     و.   جرش وعجلون

-      أما الرمثا والقرى المحيطة بها شرقي وادي الشلال فقد الحقت بسنجق حوران _درعا)      

-     أما الأغوار الشمالية فتتبع لمقامية طبريا قفاء البلقاء من وادي الزرقاء إلى وادي الموجب جنوباً مركزه السلط ومعليته تابعاً لمتصرفية نابلس عام 1905 انفصلت عن نابلس والحقت في الكرك 

الأردن في الثورة العربية الكبرى

       انطلقت جحافل الثورة العربية التي قادها شريف مكة الحسين بن علي وأنجاله بالاتفاق مع زعماء العرب في الشام والعراق والأردن اليوم  هو الحقيقة المادية الوحيدة الباقية من هذه الثورة لذلك فانه يعتبر نفسه وارث هذه الثورة الأمين على رسالتها من هذا المنطلق اثرث الثورة العربية تأثيراً كبيراً  في سياسة الأردن منذ قيامه كدولة مستقلة في سلسلة الدول  التي قامت في المنطقة بعد الحرب العالمية . لقد ظلّت الثورة العربية ضاغطاً فعالاً في السياسية الأردنية لعدة أسباب منها أن الأردنيين يعتبرون الثورة جزءاً من تاريخهم بل لقد كانت الثورة القالب الكبير الذي انصب فيه التاريخ الأردني المعاصر .

       لقد ضغطت الثورة العربية الكبرى على السياسة الأردنية ووجهتها في كثير من المواقف الفاصلة لان الأردن الذي ورث لواء الثورة ورث أيضا ارتباطات الثورة والاتهامات الموجهة للثورة والخلافات حولها

       مثلما ورث فكر الثورة الذي منح الأردن ذلك الوجه العربي الذي حافظ على قوميته المبنية على أساس من عقيدة الإسلام  ظلوا عرباً في زمن ضاعت فيه العروبة في ثنايا الأيدلوجيات الوافدة وظلوا وحدوين في حقبة من التاريخ  انتصرت فيها الإقليميات ومن هنا كان ذلك الظلم الكبير الذي



لحق بالمسيرة الشعبية الأردنية لانها مسيرة استعصت على إفهام الكثيرين لان فكرها ومنطلقاتها تختلف عن فكر ومنطلقات الآخرين .

       لقد شكل الأردن ومنذ قيام الثورة العربية الكبرى مؤشراً الأحرار العرب حيث ساهم إسهاما فعالاً وبارزاً على صعيد العمليات العسكرية والمشاركة العقلية في جميع أحداث الثورة خاصة وانه شكل البيئة المناسبة والداعمة لحركات الثورة وعملياتها العسكرية .

       أعزائي الحضور هذا غيض من فيض رأينا المرور عليه سريعاً كتوطئه لهذه المحاضرة التي ستتناول في جزئها الثاني الكيان الأردني   (المملكة الأردنية الهاشمية ) والظروف السياسية والتاريخية التي أحاطت بتكونية ووجوده لذلك نقول بأن الكيان الأردني يختلف في مكوناته الأساسية عن أي كيان آخر من حيث أنه يتألف في الأساس من ارض وشعب وبذلك يكتسب شخصية من الخصائص التي تميز مركبات الثابت أرضه وشعبه غير أن الكيان الأردني مع ذلك اكتسب جزءاً من شخصيته من الكيفية التي ولد فيها وطبيعة النشأة التي تعرض لها .

       فالأردن الحديث هو من البلاد القليلة جداً التي جاءت إلى الوجود بمعاناة كبيرة واحتلت مكانها في هذا العالم بجهد اكبر 0000 

 والأردن في جوهرة ثمرة تفاعل جملة من الثنائيات البداوة والاستقرار والتاريخ والجغرافيا والقيادة والشعب والوقائع والوهم والمستعمر

والوطنية والقومية والمحافظة والانفتاح والأردن الحديث كذلك شكل منذ ولادته نموذجاً حياً للتعددية الاجتماعية والثقافية والدينية وبالرغم من هذه الثنائيات المتفاعلة والتعديات استطاع الأردن إن يكسب الرهان ممن راهنو على زواله فوقف على رجليه وبنى وشيد وتأسس كأي دولة حديثة أخرى (Nation State) ) لم تتعرض لمثل هذه الصعوبات ولم تعترض سبيلها العثرات.

          لقد قيض للوليد الأردني بعد الحرب العالمية الأولى أن يكون برعاية الملك عبد الله الوالد المؤسس الذي تميز بالحكمة والبصيرة وبعد النظر ولا أتجاوز الحقيقة إذا قلت أن تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية في جانب كبير منه ، هو محصلة تفاعل الأسرة الهاشمية الحاكمة مع الشعب الأردني وتفاعل الأردن قيادة وشعب مع القوى الإقليمية والدولية والقضايا القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ويكفي أن أذكر في هذا الصدد الإنجاز التاريخي للمغفور له الملك عبد الله بن الحسين الذي أخرج بحنكته وجهده الأردن من الإقليم الذي شمله وعد بلفور وأكد عليه صك الانتداب الصادر في 24 تموز 1922 ولقد شكلت هذه الولادة الشرعية أو بداية التكوين السياسي للملكة الأردنية الهاشمية ولولاها لكانت قصة الأردن قصة أخرى قلنا أن الأردن شأنه شأن أي كيان سياسي آخر يقوم على الشابتين الشعب والأرض. ولكن تكوين الأردن وتطوره مع ذلك لم يقتصر على مركبات الأرض والشعـب . بـل تجـاوز ذلك الثلاثـة عوامل أخرى هي الأسرة الهاشمية والقضية الفلسطينية – والجيش العربي وفيما يلـي سأعـرض لهـذه العوامـل :-

أولاً:  عامل القيادة الممثل بالأسرة الهاشمية:

       لكل قيادة تأثيرها على كيان الدولة التي تقود. وقد يكون هذا التأثير إسهاماً في البناء أو في التداعي والتأخر والتاريخ والواقع يقدم أمثله كثيرة على ذلك.

      

         لكن قلما كان لقيادة تأثيرها البناء في تطوير كيان ما بقدر ما كان للقيادة الهاشمية في الأردن إن أي دراسة موضوعية للإنجازات التي تمت في الأردن حتى الآن على خلفية المحدودات والتحديات التي عاشها ويعيشها الأردن تبين بوضوح الدور الهام الذي نهضت به القيادة الأردنية لتحقيق هذه الإنجازات لقد لعبت القيادة الهاشمية في نشأة الأردن وصياغة الأردن على ما هو عليه الآن دوراً لا يقل أهمية عن دور العامل الأساسي في موازنة محدودات الكيان الأردني ونقاط ضعفه في جميع مراحل التكوين التي مر بها الأردن فما هي خصائص هذه القيادة وماذا تمثل:-

أولى خصائص هذه القيادة إنها هاشمية الأمر الذي أعطى للحكم في الأردن

 شرعية متميزة تمثلت بثلاثة أبعاد هامة هي البعد التاريخي والبعد الديني والبعد الثوري. غير أن المفارقة في شرعية الحكم إنها بقدر ما منحت القوة والحيوية للكيان الأردني الصغير قليل الموارد، بقدر ما أثارت المخاوف والقلق لدى بعض القوى الإقليمية لفترة  طويلة امتدت نحو ثلاثة عقود ومنذ نشأة الكيان. ولعل من أبرز الشواهد على ذلك هو موقف عدد من الدول العربية المؤثرة في الجامعة العربية من وحدة الضفتين عام 1950 حيث إنها قاومت تلك الوحدة ولم تعترف بها. وموقفها في الأربعينات من سعي المرحوم الملك عبد الله لتنفيذ مشروع الهلال الخصيب.

 وثانية هذه الخصائص كونها ملكية والملكية تتميز بالاستمرارية التي

 يحتاجها الاستقرار والتواصل الذي تقتضيه أبوه الحكم والاعتدال والتسامح اللذان يتطلبهما التواصل.

 فالأمير عبد الله. بما أوتي من عميق معرفة وواسع إطلاع ووثيق اتصال

 بالحضارة الغربية وبالنظام العالمي القائم كان الأقدر يبين أقرانه الحكام العرب وبين شعبه الأردني والأمة العربية على التمييز بين الممكن وغير الممكن والواقع والوهم ولم تشفع له حقيقة إنه هو الذي أنقذ المسجد الأقصى والقدس العربية من الاحتلال الإسرائيلي في حرب 1948 وأن الجيش العربي تمكن من إنقاذ أكبر رقعة حافظ عليها جيش عربي نتيجة تلك الحرب .

         والحقيقة أن الجيش اللبناني لم ينقذ أي رقعة من فلسطين بينما لم ينقذ الجيش السوري إلا رقعة صغيرة هي منطقة الحمة بينما لم يحافظ الجيش المصري إلا على قطاع غزة في الوقت الذي أنقذ فيه الجيش العربي بمساعدة الجيش العراقي في المراحل الأولى الضفة الغربية.

قصـة تكويـن الصـورة الأردنيــة

         لقد بدأت قصة تكوين الصورة الأردينة بعد معركة ميسلون عام 1920 في تموز والتي أدت إلى سقوط الحكم الفيصلي في سوريا وما تبعه من وصول الأمير عبد الله بن الحسين في تشرين الثاني 1920 إلى معان جنوبي الأردن بناءاً على دعوة رجالات الأردن والكوادر القيادية في الثورة العربية الشريف حسين لإرسال أحد أنجاله لقيادة بقايا القوة العربية لمحاربة الفرنسيين وإخراجهم من دمشق فحينما وصل الأمير عبد الله للأردن لم يكن في نيته إقامة إمارة له أردن منفصلة عن سوريا الكبرى.بل جاء ليقود قوة عربية لتحرير سوريا . وما أن وصل الأردن حتى فوجئ بعدد من الحقائق أوجزها فيما يلي:-

إن القوميه العربية المطلوبة لهذه المهمة هي بائسة وشبه معروفة .

 إن المنطقة التي جاء ليحررها كانت قد أصبحت فعلاً تحت سيطـرة أقوى

 دولتين في العالم.

 إن الأمير عبد الله وحد نفسه في القيد البريطاني.

 أصبح الأمير عبد الله إزاء هذا الوضع أمام خيارين لا ثالث لهما بعـد أن

 أدرك استماله مجابهة الدولتين القوميتين.

أ0     إما أن يبقى في القيد مع جزء من الشعب العربي ويحاول أثناء وجوده فيه أن يحقق مع الوقت ما لم يستطيع تحقيقه إزاء المعطيات الموضوعية التي واجهها بشكلها البارز والبشع.

ب0   أو أن يبحث عن حريته الشخصية ويخرج من القيد مختاراً ويترك مصير المنطقة وأهلها في أيدي بريطانيا وفرنسا. بعد أن أخرج شقيقة الملك فيصل من سوريا. كما هو معلوم. فقد آثر الأمير عبد الله البقاء مع الشعب الأردني في القيد البريطاني على الهروب بحريته الشخصية منه.

       على أي حال ما يهمنا الآن ما حدث فعلاً . وكيف فسد العرب ما حدث؟ والطريقة التي صوروا بها الأردن.

       لم يدرك العرب ومعهم فريق كبير من رجال الثورة العربية الكبرى معنى الاختيار الذي تبناه الأمير بحما لم يدركوا أن الأمير كان بالفعل في

القيد البريطاني . وظنوا أن الأمير حر متواطئ معها , ولم ينشأ الأمير ان يعلن للناس حقيقة وضعهإ إعتقاداً منه بأنه ما دام مع شعبه في نفس السجن فلا حاجة للإعلان. فكبرياءه لا تسمح له بذلك وما الفائدة من الإعلان عن

حقيقة وضعه؟ ما دام قد إختار البقاء بين الناس؟ إذ لو خرج على الناس وقال أيها العرب إن الأردن تحت سيطرة بريطانيا فماذا تريدون ان أعمل؟

لكان الجواب واحد من أثنين. أما الطلب اليه مجابهة الإنجليز وهو أمر لا يطيقة بحما لم يطقه أحد في تلك الفترة. حتى في مصر أو أن يقال له أحلم بحريتك الشخصية وهو ما لم يطقه أيضاً فكيف يخذل من استدعوه لإنقاذهم إبتداء فالأفضل له أن يبقى معهم ويناضل معهم من أجل حريتهم على أن ينجوا بنفسه ويترك أهله تحت رحمة بريطانيا والصهيونية بدون قائد فمشكلة الأمير عبد الله مع العرب إبتدأت فعلاً من نظرة خاطئة.

قوامها أنه حي بينما في الحقيقة والواقع لم يكن حراً على الإطلاق وعلى أساس هذه النظرة الخاطئة فسر العرب ومنهم جزءاً من الشعب الأردني وبالذات سكان المدن تصرفات الأمير عبد الله السياسية بشكل ثبت الانطباع الأول عنه عبر حياته ولحين استشهاده في تموز عام 1951م وحتى بعد فوزه بحريته وحرية الأردن عام 1946م حينما أعلن استقلال المملكة – وسأوجز بما يلي أبرز الأحداث والمواقف التي فسرها العرب ويعض الأردنيون بالطريقة التي ذكرت انطلاقا من اعتقادهم أن الأمير كان حراً ولم يكن مقيداً.

حينما شكل الأمير عبد الله الجيش العربي كانت نواتـه مـن بقايـا

 المحاربين في الثورة العربية الكبرى. وحينما شرع توطيد أركان الحكم والنظام في الأردن . قام عصيان الثورة . ولم يستطيع القوات التي بين يديه من النجاح في إنهاء عصيان الثورة فنتيجة إفتقار هذه القوات إلى المال والسلاح والتدريب الكافي.

 حينمـا وصل الأمير عبـد الله معان في تشرين الثاني 1920 م لم

 يواصل مسيرته نحو دمشق بحما كان رفاقه من قادة الثورة العربية الكبرى.

 بعـد بناء نواة الجيش والأمن كان من الطبيعي أن ينصرف الأمير

إلى بناء مؤسسات الدولة.

وحتى يتم ذلك كان بحاجة إلى معونة فنية ومالية ولم يكن هناك من

يوفر له ذلك إلا بريطانيا المهيمنة على المنطقة.

في الثلاثينات ، وحينما تسارعت الهجرة اليهودية بعد تولي النازيين الحكم في المانيا وزاد التوتر بين العرب الفلسطينيين واليهود ونشوء محاولات لحل المشكلة ، كان الأمير عبد الله مدركاً لتنامي القوة اليهودية في ظل الإنتداب البريطاني ومدركاً لتواطؤ بريطانيا مع الحركة الصهيونية، فكان همه بناء على ذلك هو كبح جماح تنامي القوة الصهيونية ومن مظاهر تلك المحاولات اقتراحاته بقبول حلول تعطي لليهود حقوقاً محدودة ولأن الفلسطينيين كانوا ينطلقون دائماً من رفضهم للإعتراف بمثل هذه الحقوق فقد رأوا في مواقف الأمير عبد الله صورة للتواطؤ عليهم وليس محاولة لإنقاذهم من الأسوأ الآتي.

       وبالإضافة إلى هذه المواقف والأحداث علينا أن لا ننسى أن الأمير عبد الله بما كان يتمتع به من شرعية وحنكة كان مصدر قلق لعدد من القوى الإقليمية ولم تكن هذه القوى راقدة بل كانت ناشطة في نصب الكمائن للأمير وفي تغذية الانطباع الخاطئ عن شخصه ومبادئه وسياساته.

       بقي أن اذكر ان بريطانيا كانت ترى في الأمير عبد الله قائداً خطيراً قي طموحه وفي دهائه فعمدت دائماً على تقييده وهو في سجنها خشية أن يفسد عليها استراتيجيتها التي كانت قائمة على تقسيم المنطقة العربية أما المفارقة العجيبة فتكمن في أن الصورة السلبية الظالمة عن الأردن تكونت بعاملين :

أولهما :             الصلة مع بريطانيا والتي ظنها العرب صلة تواطؤ وليست علاقة سجان بسجين.

وثانيهما :     صلة الأردن بالقضية الفلسطينية.

       أما اللون البريطاني في الصورة السيئة الظالمة فقد بهت واختفى حينما بادر جلالة الحسين بتعريب قيادة الجيش العربي سنة 1956 ، وبقي اللون الفلسطيني الذي بهت تماماً أي في اعلان فك العلاقة القانونية والادارية مع الضفة الغربية في 31  تموز عام 89 وبمعنى آخر فإن الصورة الظالمة التي تكونت حول المرحوم الملك عبد الله بددها حفيده جلالة الملك الحسين وقد استغرقه ذلك نحو ستة وثلاثين عاماً.

ثالثاً : الجيش العربي.

       لقد قام الجيش العربي بدور أساس في نشوء الكيان الأردني وتطويره ولا يمكن للدارس أن يستوعب بشكل صحيح تطور الكيان الأردني دون أن يتتبع المراحل المختلفة التي مر الجيش الأردني بها منذ تأسيسه حتى استكمال الأردن لاستقلاله في آذار 1956 ، حينما عرب جلالة الحسين قيادة الجيش.

لقد قام الجيش العربي في إطار نشأة الأردن وتطويره بأربعة مهام رئيسة هي :

       1.    شكل الجيش العربي عند قيام الكيان الأردني المؤسسة النواة التي سمحت بنمو     المؤسسات الأخرى فبلد مثل الأردن لم يكن فيما مضى من الأيام قبل الإمبراطورية     العثمانية مقراً للخليفة، ولم يكن في عهد الإمبراطورية العثمانية مقراً لوال لم يألف     وجود جيش وطني مقيم وكل الذي عرفه حاميات تركية مبعثرة هنا وهناك مهمتها المحافظة على الخط الحديدي وحماية الحجاج وحماية جامعي الضرائب واخماد   العصيان في حالة حدوثه ولم يكن غريباً لذلك أن تأتي نواة الجيش العربي من ضباط متنوعين في أصولهم العربية الإقليمية اذا كان منهم الأردني والسوري والعراقي       والفلسطيني والحجازي، وبمعنى آخر نواة الجيش العربي هي الأساس جاءت لتعكس        النسيج الذي تكون منه جيش الثورة العربية الكبرى ولم يكن غريباً لذلك أن يحمل   الجيش الأردني اسم الجيش العربي فهذا الإسم لا يعكس فقط طبيعة الرسالة التي أنشئ من أجلها بل يمثل أيضاً طبيعة النواة التي تكون منها ولم يكن من السهل بالنسبة لبلد هذا هو وضعه عن انحسار الأتراك عنه أن يتولد إلى أهله حس الدولة بدون جيش      فبالجيش العربي نشأ الحس بوجود الكيان الأردني .

       2.    في بلد قبلي في تكوينه الاجتماعي قام الجيش بدور بوتقة الصهر بين عشائره    وقبائله ومختلف فئات سكانه ليجعل الجميع يشعرون بأنهم ينتمون لشيء أكبر من العشيرة أو القرية أو المدينة هو الوطن.

       3.    قام الجيش العربي الذي ارتبطت به قوات الأمن لفترة طويلة باقرار الأمن في      ربوع الأردن وحماية عمل المؤسسات الناشئة التي بدأت تعطي للكيان الجديد طابع      الدولة وظل الأردن يقوم بدور تماسك الدولة حتى وقتنا هذا وقد نجح في كل التجارب التي مر بها ما عدا تجربة حرب 1967 لأسباب مناقشتها تخرج عن موضوع هذه    المحاضرة.

       4.    جسد الجيش الأردني الدور الاقليمي للمملكة الأردنية ( ثورة رشيد عالي في        العراق – حكومة فيشي في سوريا ، فلسطين ، الكويت، سلطنة عمان).

رابعاً :        عامل القضية الفلسطينية.

       تشكل القضية الفلسطينية في تاريخ تطور الكيان الأردني العامل الأكثر تأثيراً من الناحية السياسية بحيث انه من الصعب التاريخ لفلسطين في منأى عن الأردن ويكفي   ان نتذكر بان الولادة الشرعية للأردن تمت باستثناء عن وعد بلفور المتعامل مع      فلسطين وهذا يعني بين أمور أخرى أنه مكتوب على الأردن ومنذ الولادة أن يجابه ما        خطط لفلسطين في الدوائر الاستعمارية وما ترتب على التخطيط والتنفيذ من مشكلات     ما زالت قائمة حتى هذه الساعة وسيبقى الأردن متلازماً مع الشأن الفلسطيني إلى أن   تحل المشكلة الفلسطينية وهذا التلازم بطبيعته ليس أمراً خاضعاً للإختيار كما يظن أو     يقول البعض حتى لو كانت القومية خيار عند هؤلاء فالجغرافيا ليست كذلك وفي    الوقت الذي لا أرى فيه ضرورة الخوض في الاستعراض التاريخي لعلاقة الأردن   بالقضية الفلسطينية فانني اعتقد أنه من المفيد إجراء قدر من التحليل لهذه العلاقة.

      

              أود أولاً أن أقول بأن المرحوم الملك عبد الله كان يتطلع إلى توسيع رقعة   الأرض التي أرادها تجسيداً لمبادئ الثورة العربية الكبرى ومنطلقاً لتحقيق أهدافها ولا     أقول توسيع رقعة الأردن كما الفنا فيما تقرأه من كتابات حول الموضوع فالفرق بين   الحالين شاسع كما أود أن أشير إلى أن العشرينات والثلاثينات والأربعينات أي العقود        الثلاثة من عهد المرحوم عبد الله كانت فترة بروز حالة التناقض في المزاج العربي        فمن جهة وبخاصة في بدايات هذه الفترة كان المزاج العربي في آسيا العربية مزاج     حسرة واحباط ناجم عن خذلان الحلفاء لقيادة الثورة العربية والأهداف التي حلم بها العرب لإقامة مملكة عربية واحدة في معظم ما يعرف بأقطار آسيا العربية اليوم وفي   نفس الوقت ونتيجة تقسيمات " سايكس بيكو " بدأ ينمو نزوع لدى دوائر كثيرة في أوساط  الصفوة العربية نحو القطرية التي تمنحهم الأمل – واذا كان لهذا النزوع من        معنى تاريخي فإنه يعني أن القيادة الهاشمية التي كانت تعتبر في العشرينات القيادة    الشرعية المسلم بها من قبل الشعوب العربية في هذه المنطقة أصبحت قيادة منافسة        لهذه الصفوة الطامحة إلى الحكم وبسبب ذلك فقد لعبت هذه الصفوة أو القيادات المحلية   دوراً معادياً للقيادة الهاشمية وعملت كل ما تستطيع لنسف مصداقية هذه القيادة وهو ما       المحت في فصل سابق عن الكائن التي نصبت لهذه القيادة وعن الدور الذي لعبه       هؤلاء في سوء تفسير مواقف الملك عبد الله السياسية وسلوكه ولم تكن القيادة المحلية      في فلسطين استثناء لذلك المدرستان القومية المؤمنة بقيادة الهاشميين والوطنية بقيادة الحاج أمين الحسيني ومن بعده منظمة التحرير الفلسطينية قائمتين حتى الآن وكل الذي   تغير هو أن كفة المدرسة الوطنية قد رجحت فغدت هي المدرسة السائدة وهي       المسؤولة اليوم بناء على طلبها ودعم الشعب الفلسطيني لها المضي في طريق التسوية    السلمية مع اسرائيل حتى تحقق أهدافها المعلنة.

       على أي حال يمكن تقسيم العلاقة الأردنية الفلسطينية بعامة إلى المراحل   التالية :

              1.    مرحلة فك مستقبل الكيان الأردني عن مستقبل فلسطين واستغرقت  هذه المرحلة نحو ثلاث سنوات وانتهت باستثناء الأردن من وعد بلفور كما     ذكرنا،  وشعر الأردن بالإطمئنان إزاء ذلك في 25-5-1923 ، حين
              اعترفت بريطانيا رسمياً على لسان مندوبها السامي في فلسطين باستقلال
              شرقي الأردن.

              2.    مرحلة المراقبة والتوجيه والدعم من سنة 1924 حتى سنة 1947         بعد أن اطمأن المرحوم الأمير عبد الله بأنه أمن مرتكزاً له غير خاضع
              للتخطيط البريطاني لإقامة وطن قومي يهودي على أرضه أخذ في مراقبة         الوضع في فلسطين وارشاد قياداتها لاتخاذ القرارات والمواقف المناسبة التي             تحمي فلسكين من استشراء المشروع الصهيوني، وحينما قامت الثورة
              الفلسطينية عام 1936 قام الشعب الأردني بالدعم المباشر للثورة بالرغم من              الهيمنة البريطانية على الأردن وشجع الأمير عبد الله هذا الدعم المباشر من              طرف خفي، وفي نفس الوقت حث البريطانيين على الحد من الهجرة اليهودية             وانضاج حل مقبول للفلسطينيين.

              3.    مرحلة الانقاذ من سنة 1947 حتى سنة 1950 وهي المرحلة التي               دخل فيها الجيش العربي في إطار الجامعة العربية حرب فلسطين وانقاذ
              القدس والضفة الغربية .

              4.    الوحدة وبناؤها واستمرت من عام 1950 حتى عام 1967 حينما                وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال الاسرائيلي .

              5.    مرحلة تفكك العلاقة التي ابتدأت في حزيران 1967 وانتهت في                  تموز 1988 باعلان الأردن فك العلاقة القانونيه والادارية مع الضفة الغربية.

              6.    مرحلة المراقبه والدعم التي بدأت بفك العلاقة وما زالت قائمه حتى               الآن .       

              وباستعراض سريع لهذه العلاقة نجد أنها دارت دورة كاملة ، حيث بدأت بفك      علاقة ثم ربط على شكل وحدة ثم فك من جديد . وذلك نزولاً عن رغبة الاشقاء       الفلسطينيين وإجماع الرأي العام العربي حرصاً من الأردن على لحمة الصف العربي     ووحدة الأمة تجاه كل مواقفها المصيرية والأردن أعزائي الحضور كان على الدوام من دعاة الوحدة، ولم الشمل العربي يسعى جاهداً في سبيل انجاح المشاريع الوحدوية،     كما كان الملك الباني تجاه رأب الصرع ولم الشمل العربي أينما كان ووجد ممثلاً   بجهوده في مؤتمر الوثاق والاتفاق وموقفه الثابت والراسخ من حرب الخليج وغزو      الكويت فجسد بذلك البعد القومي والوحدوي ، بما اتصف به جلالته – رحمه الله – من     سمعة طيبة وخبرة واسعة في الشؤون الدولية ، حيث كان بعد مرجعية نادرة في    شؤون الحكم والسياسة يرجع اليه زعماء وقادة العالم ولقد رحل – رحمه الله – وهو      يحظى باحترام وتقدير العالم أجمع ، عندما اجتمع زعماء العالم من كل حدب وصرب    يودعونه إلى إلى الرفيق الأعلى عندما تسلم الراية شبل هاشمي تربى في عرين       الحسين وتمكن بحمد الله من حمل الراية والتصدي لأعباء المسؤوليات الجسام وسار      قدماً بتوفيق من العلي القدير وبروح متوثبة وعزم هاشمي مترسماً نهج الألى من آل    هاشم فاستطاع وبفترة زمنية وجيزة تحقيق خطوات مباركة على الصعيدين الداخلي      والخارجي فاقت كل التوقعات وفق الله جلالة الملك عبد الله الثاني في مساعيه وجهوده   الحميدة والحثيثة لإعلاء الصرح الأردني دولياً وعربياً وبارك الله في جهوده المتنامية        في توثيق أواصر التعاون والالتقاء مع أخوانه الأشقاء العرب خدمة لأبناء العروبة سائلين العلي القدير أن يوفق جلالته لما فيه خير الأمتين العربية والإسلامية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة