تطور المجتمع المدني بالمغرب بين السياق المحلي والكوني

  • الكاتب Youssef Zarouk
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-14
  • مشاهدة 16


يوسف زروق


تقديم:

كانت الأديان السماوية سباقة في الدعوة إلى العمل الخيري التطوعي بجميع أشكاله. غير أن مفهوم المجتمع المدني ضارب في عمق التاريخ والثقافة الإنسانيتين والإحاطة به عملية معقدة. فقد نشأ مفهوم المجتمع المدني أول مرة في الفكر اليوناني حيث أشار إليه أرسطو باعتباره مجموعة سياسية تخضع للقوانين، أي انه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني.

تطور هذا المفهوم في القرن الثامن عشر حيث بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع، وبدأت حركة الجمعيات بالتبلور كنسق يملك الأحقية للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي. وفي نهاية القرن ذاته تأكد في الفكر السياسي الغربي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يجب أن يدير أموره الذاتية بنفسه وان لا يترك للحكومة إلا القليل. وفي القرن التاسع عشر حدث التحول الثاني في مفهوم المجتمع المدني حيث عدَ كارل ماركس إن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي. وفي القرن العشرين طرح المفكر الايطالي غرامشي مسألة المجتمع المدني في إطار مفهوم جديد فكرته المركزية هي أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي بل ساحة للتنافس الإيديولوجي، منطلقاً من التمييز بين السيطرة والهيمنة الإيديولوجية.أما المجتمعات المعاصرة فقد تأسست على مفهوم المجتمع المدني من خلال التأسيس لمنظمات المجتمع، حيث تم طرحه على المستوى الدولي تحت مسمى برنامج الأمم المتحدة التطوعي 1967، وتطورت العملية التطوعية وتجذرت حتى أصبحت معياراً ومؤشراً قوياً للتنمية والتقدم.

وتتكون منظمات المجتمع المدني من: الأحزاب السياسية، النقابات، جمعيات المجتمع المدني والتي تختلف أنشطتها ومجالات اهتمامها واشتغالها ما بين الجمعيات البيئية والجمعيات الثقافية والجمعيات والرياضية والفنية والتنموية والخيرية والحقوقية والتربوية... الخ بل وأصبح العديد من جمعيات المجتمع المدني تتخصص في جزئيات الاهتمام كالسكن والأحياء والنظافة... وغيرها من الجمعيات العديدة والمختلفة. والمقصود أن نطاق المجتمع المدني ينحصر في المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي، ومن ثم فهو مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر.

وبشكل عام، كثيرة هي المصطلحات التي تردد في الأدبيات والتي تتعلق بواقع تنظيمات المجتمع المدني مثل المنظمات الخيرية والمنظمات الغير الحكومية التي تشتغل بشكل تطوعي ولها استقلالية عن مؤسسات الدولة.

وبهذا فالمجتمع المدني في حاضرنا أصبح يشكل إحدى الدعامات والركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة، كما وأصبح له الدور الحاسم والبارز في رسم التصورات والمسارات التنموية للدول. وذلك لما عرفته المجتمعات المعاصرة من تحولات فرضت تبوء المجتمع المدني مكانة أساسية في رسم معالم السياسات التنموية للدولة بسبب تراجع الدولة العناية لصالح المؤسسات والفاعلين المدنيين.

وقد عرف المجتمع المدني تطورا مهما في السنوات الأخيرة  في كل دول العالم بداية من المجتمعات التي تعطي لنفسها أحقية الملكية في بروز المجتمع المدني واعتباره مفهوما يخصها دون غيرها وانه ظهوره ارتبط بها وبتطور هياكلها الفكرية والثقافية، ونقصد هنا المجتمعات الغربية التي ترى في مجالها مشتل بروز  هذا المفهوم نظرا للتحولات الكبرى التي رافقت نشأته من عصر النهضة مرورا بفكر الأنوار والثورة البورجوازية المجيدة والثورة الفرنسية وصولا إلى ثورة التقانة والتكنولوجيا.

·التأصيل النظري التاريخي لمفهوم المجتمع  المدني

مفهوم المجتمع المدني

مع اتساع دور المجتمع المدني وتزايد أهميته في المجتمعات الديمقراطية، فقد أصبح يحظى باهتمام الكثير من المفكرين والباحثين المعاصرين في الغرب وفي العالم العربي، ولذلك نجد أن هناك عدة تعاريف للمجتمع المدني، من بينها التعريف الذي يقترحهDominuque Colas))  ويعتبره عمليا فيقول بأن المجتمع المدني « يعني الحياة الاجتماعية المنظمة انطلاقا من منطق خاص بها وبخاصة الحياة الجمعوية التي تضمن دينامية اقتصادية وثقافية وسياسية»[1]، ويعرفه (برتراند بادي) بأنه « كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع دون تدخل أو وساطة من الدولة» [2]، ويعرفه (وايت جوردون) بأنه « مملكة توسطية تقع بين الدولة والأسرة، وتقطنها منظمات منفصلة عن الدولة، وتتمتع باستقلال ذاتي في علاقتها معها، وتتشكل طوعا من أفراد يهدفون إلى حماية مصالح أو قيم معينة» [3]، ويعرفـه عبد الغفار شكر بأنـه  «مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف» [4]، ويعرفه سعد الدين إبراهيم بأنه: « المجال الذي يتفاعل فيه المواطنون، ويؤسسون بإرادتهم الحرة، تنظيمات مستقلة عن السلطة، للتعبير عن المشاعر، أو تحقيق المصالح، أو خدمة القضايا المشتركة»، ويفيد مصطلح المجتمع المدني في التداول السوسيولوجي المعاصر، أو بتعبير آخر في الأدبيات السياسية الحديثة، معنى «الوسائط المبادرة».

ويرى محمد عابد الجابري أنه مهما كان الاختلاف في تعريف المجتمع المدني، فإن ما هو بديهي ولا يمكن أن يكون محل اختلاف، هو أن المجتمع المدني أولا وقبل كل شيء «مجتمع المدن» ، وأن مؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم في المدينة، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهي إذن مؤسسات إرادية، أو شبه إرادية، يقيمها الناس وينخرطون فيها، أو يحلونها، أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي التي هي مؤسسات «طبيعية» يولد الفرد منتميا إليها، مندمجا فيها، ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة.

وتتفق عدة دراسات أكاديمية وجامعية على أن المجتمع المدني هو « مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، أو لتقديم خدمات للمواطنين، أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح، والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف».

وباعتبار أن مصطلح (المجتمع المدني) من إنتاج غربي، ويرتبط بمفاهيم الديمقراطية الليبرالية، فإن هناك من ينتقد نقل المفهوم الذي يعبر عنه المصطلح، من بيئته الغربية إلى المحيط العربي، الذي يعد المغرب جزءا منه، دون تهيئة تربة جديدة ملائمة لغرسه، ويذهب عبد الله حمودي إلى أن هذا النقل يؤدي إلى عدم الأخذ بعين الاعتبار « خصوصية الدولة المغربية وتركيبها، وأسس ونوعية العلاقات التي تنبني عليها سلطتها ومشروعيتها.. وإغفال ما يمكن تسميته بالشعور الذاتي لهذه التنظيمات، والرؤية التي تكونها عن نفسها ومسؤوليتها»، ويضيف أن هناك إهمالا لتعريف (هيكل) للمجتمع المدني الذي يركز على فكرة الوسائطية، التي تجعل المجتمع المدني وسيطا بين الأسرة والدولة، مما يستلزم تجاوز البنية العلائقية الأسرية والقبلية والعشائرية.

وهناك من حاول أن يبحث عن بديل للمصطلح الغربي (المجتمع المدني)، وذلك بمحاولة إدراج ما يفيده هذا المصطلح ضمن منظومة « المفاهيم الإسلامية» بإطلاق مفهوم (مؤسسات الأمة) التي تتميز عن (مؤسسات السلطة).

غير أنه بالرغم مما يطرحه نقل المفاهيم والمصطلحات الغربية إلى الثقافة العربية من إشكاليات، خاصة في المجال المعرفي والفلسفي، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لإغلاق الأبواب لمنع دخولها، أو تجنب استعمالها، أو البحث عن بدائل يكتنفها الغموض، ولا تستوعب المفهوم المقصود، خاصة وأن هناك ظواهر كونية تشترك فيها المجتمعات البشرية، ومن هذه الظواهر نزوع الإنسان بطبيعته للعمل الجماعي لتحقيق منافع مشتركة، وفي التراث الإسلامي ما يزكي ذلك، حيث ورد في الحديث النبوي:« يد الله مع الجماعة»، وإذا كانت تجليات المجتمع المدني متعددة ومتنوعة، وتحمل كل منها خصائص المجتمع الذي انبثقت منه، والمكان والزمان الذين وُجدت فيهما، فإنها لا تخلو من عناصر مشتركة بينها، يعيد إنتاجها العقل الإنساني الكوني في أماكن مختلفة، وعصور مغايرة، ويطبعها كل شعب بطابعه الخاص انطلاقا من هويته المتميزة.

تختلف التعاريف وتعدد في تناولها لمفهوم المجتمع المدني، حسب المحيط والبيئة التي انبثق منه، وحسب رؤى وتوجهات  كل دارس وباحث، وحسب تمثلانه ومظهراته في الوسط الذي يشاع تداوله فيه، لذلك فإن الإحاطة الشاملة بجميع المقتضيات المعرفية  والسوسيوتاريخية  لهذا المفهوم تصبح ذات صعوبة، لكن هذه الصعوبة لا تمنع من محاولة مقاربة مفهوم المجتمع المدني والتأريخ لتطوره[5].

ومن هذا المنطلق يمكن رصد اتجاهين يتناولان مفهوم المجتمع المدني، الأول وتمثله المدرسة الكلاسيكية، والثاني يمثله التيار الليبرالي الماركسي.

·مفهوم المجتمع المدني عند المدرسة الكلاسيكية

لقد ظهر مصطلح المجتمع المدني ((La société civile مع تطور الفكر الغربي الذي أنتجه، وكان (طوماس الأكويني) في تعليقه على كتاب السياسة ل (أرسطو) يدافع عن المكون الجماعاتي للتجمع السياسي، معتبرا المدينة مجالا للتواصل، وأن الإنسان حيوان سياسي وأهلي بطبيعته، أي أنه اجتماعي، وهي المعاني التي تشكل منها مفهوم(Communicatio Politica)، وعندما ترجم (Leonardo Bruni) كتاب (أرسطو) المذكور في القرن الخامس عشر، بدأ انتشار مفهوم ((Societas Civilis والانتقال من مفهوم (Communication) إلى مفهوم (Societas) لما يمثله من إشارة واضحة لانبثاق النزعة الإنسانية المدنية التي شهدتها مدن إيطاليا[6].

في سياق انتقال مجتمع أوروبا من النمط الزراعي الإقطاعي محدود الأفق إلى النمط الجديد التجاري الصناعي الرأسمالي بآفاقه المفتوحة، وعبر صراع وتناقض نوعي متعدد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية، بدأت تراكماته الأولى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، في هذه المرحلة الانتقالية، تولدت المفاهيم والأفكار والمدارس الفلسفية معلنة بداية عصر جديد للبشرية،عصر الحداثة، عصر النهضة والتنوير، عصر المواطنين.

لكن ولادة هذه المفاهيم لم تكن عملية سهلة في المكان أو الزمان، ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة، ولم تتخذ شكل القطع منذ اللحظة الأولى مع النظام أو الحامل الاجتماعي القديم. إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي بين مفاهيم العصر الإقطاعي القديم، ومفاهيم عصر النهضة والتنوير الجديد، إلا بعد أربعة قرون من التراكم والنفي، شهدت صراعاً مادياً وفكرياً هائلاً من جهة، وتحولات ثورية في المدن والتجارة والاقتصاد والاكتشافات العلمية من جهة أخرى. هذه التحولات كانت بمثابة التجسيد لفكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير والديمقراطية، وسيادة القانون في إطار الحداثة، وهي التي أرست في الوقت نفسه القواعد الأساسية التي استند إليها «المجتمع المدني» وارتبط بها.

إن ما يميز العصر الأوروبي الحديث، هو هذا الاتحاد العضوي الفريد الذي تم بين المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية والميكانيكية الجديدة، لقد أضحى لرأسِ المالِ مصلحة حيوية في العلم، آما أبح للتقدم العلمي مصلحة لا تقل حيوية في رأس المال،ِ وهذه دينامية حضارية جديدة تماما لم يعرفها الإنسان من قبل، هذا المزيج الجديد، برهن أنه طاقة متفجرة وهائلة إلى أبعد الحدود، مدمرة وخلاقة في وقت واحد، هذه الطاقة هي التي صنعت ما يسمى بالحداثة، وشكلت العالم الحديث وقضت على القديم، كان شعارها: المعرفة قوة، وكان للعلم دورٌ حاسمٌ في الإنتاج التدريجي للفلسفة الحديثة، تماماً آما كان حاسماً في إنتاج نوع جديد من المعرفة بالطبيعة وظواهرها، وبالمادة وبقوانين حركتها عبَّر عن نفسه بمقولات جديدة. فإذا رجعنا، أو حاولا مراجعة أبرز المقولات والتصورات التي سيطرت على الخطاب الفلسفي وتفسيره للعالم قبل عصر النهضة أو قبل المرحلة الحديثة، نجد أنها تضم التالي: الماهية، الجوهر، المُثل، الفيض، الغاية، الوجود بالقوة، الصورة، الهيولي، الفكرة المطلقة، أو الصانع الأول، التسيير، التخيير، الغيب.. الخ، فإذا انتقلنا الى الفلسفة الحديثة وخطابها، فماذا نجد؟ نجد تراجعاً بطيئاً ولكن متزايداً ومؤكداً لهذه المقولات والتصورات الغيبية جميعا لصالح صعود نوع مغاير منها، أخذ يحتل مواقع السيطرة على الخطاب الفلسفي الحديث (خطاب ومقولات عصر النهضة(، مثلا: المكان، الزمان، الجسم المادي، الذرة، الحركة، العلة الفاعلة، الصفات الأولية، الصفات الثانوية، قوانين الحركة، الاستقراء. وآل هذه المقولات مستمدة ومشتقة من العلم الحديث وخطابه ونظرياته. باختصار، لقد  فرضت الكوزمولوجيا العلمية الجديدة )المادية الميكانيكية تحديداً( على الفلاسفة والفلسفة خطابا وتصورات ومقولات علمية نقيضه ونافية للفكر الغيبي القديم ومقولاته[7].

ومما لاشك فيه -من جانب آخر-، أن ولادة «المجتمع المدني» لم تكن ممكنة بدون نجاح الثورات السياسية البورجوازية التي أنجزت كثيراً من المهمات الديمقراطية، في فضاء التنوير والعقلانية والعلم والديمقراطية. فقد كان نجاح هذه الثورات أو التغيير العنيف، في هولندا في مطلع القرن السابع عشر، والثورة الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر بمثابة الإعلان الحقيقي لميلاد عصر النهضة أو عصر الحداثة.

في هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الطبيعة المحكوم بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني، مجتمع الديمقراطية والثورة العلمية الكبرى التي دشنت العلاقة بين الإنسان والعالم من جهة وبين العقل والمنهج العلمي من جهة أخرى.

من هنا  فإن الحديث عن نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطوره في  الفكر الغربي كما  يقول " سعيد بن سعيد العلوي" يفترض تحليل مجموعة هائلة من النصوص التي كتبها هوبس وجون لوك  و روسو، وهيجل، وماركس، وانجلز ولينين و غرامشي،إضافة الى ما كتبه اوجست كونت وسان سيمون وتوكفيل وماكس فيبر وآدم سميث وكنزكورو روزا لوكسمبرج...الخ.  كما يلزمنا أن نتعرض للمفهوم من حيث  هو تصور تجريدي لتطور المجتمع العربي الحديث، بحيث يكون ميلاد المجتمع الصناعي تعبيراً عنه وتصويراً لما صاحبه وواكبه من صراعات وثورات سيكون  التعبير عنها هو تطور النظرية الليبرالية من جانب وميلاد الماركسية وتطورها من جانب آخر[8].

وبدون ذلك التحليل، الذي يقع على عاتق الطليعة الحزبية لساياسية لمثقفة بالدرجة الأولى، لن يتم التوصل إلى صياغة وتركيب الرؤية النظرية التحليلية المناسبة لواقعنا العربي الراهن، وما تتطلبه من ضرورة إعادة النظر في مختلف الأبعاد، الإيديولوجية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستنباط جدلية العلاقة المطلوبة، على الصعيد الوطني والدولي، لتفعيل الأطر النقيضة والآليات التغيرية لكي تقوم بدورها في تجاوز المرحلة الراهنة ببرنامجها القومي التقدمي القادر على صياغة المستقبل.

من ناحية أخرى، فان تحليل مفاهيم  عصر الحداثة والمجتمع سيقودنا إلى استكشاف عمق التباين بين مجتمعاتنا وبين المجتمعات وبين المجتمعات الأوروبية، ليس فقط من حيث التطور الاجتماعي التاريخي وشكله ومحتواه، بل من حيث التطور المعرفي الذي تواصل في حركة متجددة صعوداً في الغرب، في حين انه عاش في الشرق حالة انقطاع وجمود عرفي او ضمن حلقة دائرية منذ القرن الثالث عشر الميلادي إلى يومنا هذا، عبر استمرار سيطرة النظام القديم وأدواته ورموزه السياسية والاجتماعية، في ظل عوامل داخلية خارجية مترابطة، أغلقت السبل في وجه كل محاولات النهوض او محطاته في التاريخ العربي المعاصر.

ففي هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الضيعة المحكومة بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني، مجتمع الديمقراطية والثورة العلمية الكبرى التي دشنت العلاقة بين الإنسان والعالم من جهة وبين العقل والمنهج العلمي من جهة أخرى.

ولكن ما المنطلقات والعوامل الرئيسية التي دفعت نحو تشكل هذا العصر استمراره؟ ان معظم الدراسات التي تناولت هذه المرحلة التاريخية الأولى من عصر النهضة وما يطلق عليها  "المرحلة الانتقالية" تتفق على إن العصر الرئيس لهذا العصر هو أولوية الفرد وحريته، او الفردية، والإقرار باهتمامات الشخصية الإنسانية وحقوقها ومصالحها كموقف نقيض للحكم المطلق، الديني والسياسي، الذي ألغى هذا الحق وصادره أكثر من ألف عام، دون أن تغفل دور التجارة وأثرها في تعزيز النزعة الفردية في سياق تطور الطبقة البورجوازية الصاعدة آنذاك، والتي وجدت في التجارة سندها المعنوي بما تستدعيه من نظام في المعارف والأخلاق والقوانين والأنظمة التي تحمي وتعزز سيادة الطبقة الجديدة، فالبرجوازي- الصانع او التاجر- غايته الاولى هي الربح في عالم وحيد، هو عالم الامتلاك والبضاعة والتنقل الحر، في الزمان والمكان، ولا حاجة به للراهب او لسلطان الكنيسة والحكم المطلق.

بالطبع لم يكن هذا التحول ممكنا، بدون تراكم المواقف والرؤى الفلسفية والفكرية الرحبة التي كسرت الجمود الفكري اللاهوتي-الإقطاعي السائد، وأدت إلى تهاوي استبداد الكنيسة في عنوان الناس، وإخفاق نفوذها الاقتصادي والسياسي، ومهدت لولادة النظام الجديد "المجتمع المدني".

ومن الجدير بالتأمل والمتابعة ان هذه العملية من التراكم والتحول النوعي تخللتها أشكال متنوعة من الصراع الحاد، الذي نشب طوبلاً بين دعاة الجدد المدافعين عن سيادة العقل والعلم والحرية، والمدافعين عن القديم او النظام القائم على السلطة المطلقة في السياسة والمجتمع والمعتقدات الدينية والمعارف، وبالتالي فإن ما اتى به فلاسفة الفكر السياسي الحديث هو مواكبة واتمام لما قام به علماء وفلاسفة آخرون في مجالات الفلك والطبيعة والرياضيات ونظرية المعرفة.

فقد ترافق صعود البورجوازية في تلك المرحلة مع ظهور العصر الكلاسيكي لنظرية المجتمع المدني، او عصر النهضة، الذيذ تمت فيه صياغة هذه النظرية التي تبلورت عبر حصيلة نوعية من أفكار التنوير للعديد من المفكرين والفلاسفة من كل انحاء القارة  الاوربية  وعلى مدار القرون الاربعة السابقة على القرن التاسع عشر.

بداية مع "نيقولا ميكافيللي (1469-1527) الذي حاول البرهنة من خلال مؤلفاته على ان البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية والمصالح المادية، فالفردية والمصلحة عنده هما أساس الطبيعة الإنسانية. وقد وجدت البورجوازية الصاعدة آنذاك  في هذه المفاهيم ملاذا ومدخلا لتطورها وصعودها. كما ظهرت في هذه المرحلة كتابات "كوبرنيقوس"(1473-1532) التي اسهمت في تحطيم الايديولوجية اللاهوتية، ووضعت كما يقول "انجلز" الاسس والارهاصات الاولى لبداية تاريخ تحرر العلوم الطبيعية من اللاهوت. هذه الاسس تبناها فيما بعد "جوردانو برونو" (1548-1600) صاحب النظرية العلمية التي تقول ب"لا نهائية المكان او لا نهائية الطبيعة.

كما ان للعلماء الطبيعين اسهاماً مهما في هذا الجانب، أمثال "دافينشي و غاليلو" وغيرهم، بصياغتهم "للنظرية الدينية" او الربوبية القائلة بوجود إله كسبب أولي لا شخصي للعالم، والعالم محكوم او متروك لفعل قوانينه الخاصة بعد ان خُلق.

كان لهذه الافكار أثراً حاسماً في قطع صلةالود المتينة التي كانت تربط تحكم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في النظام الاقطاعي الاوروبي. اذ تراجع الدور السياسي الذي لعبه الدين في المجتمع، وتراجعت معه الهيمنة الثقافية للفكر الديني اللاهوتي لصالح تنامي الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، التي كانت سبباً في انتشار العلاقات الرأسمالية وهيمنتها في النظام الاقطاعي.

كان للازمات والتحولات العميقة التي خلفها الانتقال من المجتمع الاقطاعي وبروز السمات الاولى للحداثة. بالرغم مما نتج عن هذا لانتقال من مآسي اجتماعية في تفكك النظام الفيودالي على مستوى البنية الاقتصادية والا جتماعية،اولا وقبل كل شيء، ثم على مستوى الافكار والتصورات والسلوكيات التي أ طرت أهالي أوروبا لقرون عديدة[9].

لقد كان للاصلاح الديني الذي عرفته أوروبا دوراً مهماً في هذا الانتقال ، تزعمه "مارتن لوثر"(1483-1546) الذي اعلن مطالبته بالاصلاح الى جانب انه انكر دور الكنيسة ورجال الدين في الوساطة بين الانسان والله. وكان لهذا الموقف دور هام في فتح آفاق القطيعة بين الدين والدولة[10] ، وتعميق تطور مفاهيم المجتمع والمثل السياسية البورجوازية والدولة الديمقراطية.

لقد عرف مفهوم المجتمع المدني اوجه وبدأ يتخذ مساراً وسياقاً تطورياً مع "جون لوك" (1632-1704)، فقد كانت رؤيته مغايرة لتلك التي كان يدافع عنها من سبقوه من فلاسفة وعلماء. حيث كتب لوك بعد ثورة 1688 بحثان عن الحكومة، يعد البحث الثاني منهما غاية في الاهمية في تاريخ الافكار السياسية. الاول تناول فيه نقده لنظرية السلطة بالوراثة. قائلاً: لقد اختفى مبدأ الوراثة تقريباُ من السياسة، كما كان سائداً في المرحلة الاقطاعية وما سبقها، ففي خلال حياتي اختفى اباطرة البرازيل والصين وروسيا، والمانيا، والنمسا. وحل محلهم دكتاتوريون لا يهدفون الى الاساس الوراثي للأسرة الحاكمة[11] .

لقد تميز جون لوك بوضوحه فيما انتهى إليه، فالتعاقد الاجتماعي عنده يبدأ بافتراض ما يدعوه "حالة الطبيعة" سابقة على كل حكومة بشرية، وفي هذه الحالة ثمة "قانون للطبيعة"، بيد ان  قانون يتألف من آوامر إلهية، ولا يفرض أي مشروع إنساني، ويخرج الناس من حالة الطبيعة بواسطة عقد اجتماعي يقيم الحكومة المدنية.

وبالنظر الى حالة الطبيعة كان "لوك" أقل أصالة من "هوبز" الذي اعتبرها حرب الكل ضد الكل، والحياة فيها بغيضة، بهيمية، وقصيرة.

ويفترض لوك من خلال التعاقد الاجتماعي أن يعيش الناس معاً وفق العقل، دون سيد اعلى على الارض، ومع سلطة تفضي بينهم، هذه على الحقيقة هي حالة الطبيعة.

فالغرض الاساسي من التعاقد الاجتماعي بالنسبة للوك هو المحافظة على الارواح والملكية الخاصة وإلغاء النظام الملكي المطلق(او الفردية الأتوقراطية) التي لا تتفق مع طبيعة المجتمع المدني الذي ينطلق في الاساس من مبدأ الارادة الحر[12] .

كان ل "شارل مونتسكيو(1755-1689) إسهاماً مهماً في تطور المفهوم، وهو أحد زعماء التنوير. ففي كتابه "روح القوانين" يؤكد على ان الضمانة الاساسية للحرية تكمن في المؤسسات الدستورية الكفيلة وحدها بالحد من العنف وكبحه، الى جانب رفضه للحكم المطلق الذي اعتبره شكلاً مناقضاً للطبيعة الإنسانية، ومناقضاً للحقوق الشخصية وحصانتها وامنها،" ففي مجال العقوبات، يضع مونتسكيو حداً فاصلاً بين الفعل وبين نمط التفكير، فالعقاب يستحق فقط على الأفعال التي يقترفها الإنسان لا على أفكاره أو آرائه، إذ أن عقاب الإنسان على أفكاره هو امتهان فاضح للحرية[13].

وبالرغم من الايمان القوي ودعوته لإعمال العقل وحرية التفكير والتصرف، إلا أنه يخشى حكم الشعب باعتباره استبداد الرعاع، وهو أسوء أنواع الاستبداد، ويدعو الى الحفاظ على الارستقراطين والرجال الأحرار في الحكم تجنباً لحكم العبيد الذين لا أخلاق لهم[14].

لقد كان لعصر الأنوار دوراً حاسماً في بروز العديد من المقومات التي ميزته عن المراحل السابقة في سياق بروز وتطور مفهوم المجتمع المدني، من حيث شيوع الفلسفة العقلانية الداعية الى الحرية والتقدم والعدالة، وانتشار الأفكار المرتبطة بحقوق الإنسان، وبروز أفكار جديدة ليبرالية وديمقراطية، في مواجهة الحكم المطلق وتأسيس ضمانات قانونية في شخص الدستور وفصل السلط وتحول الشعوب من رعايا إلى مواطنين.

- المجتمع المدني في الفكر الغربي الليبرالي الحديث/ الماركسي.

تطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر الليبرالي بالموازاة مع التطورات السياسية والاقتصادية التي عرفها العالم الغربي وبروز نزعة الدفاع عن المصالح المشتركة للطبقة البرجوازية؛ وبدأ يتبلور المفهوم الحديث للمجتمع المدني من خلال ما كتبه "هيجل" في مؤلفه (مبادئ فلسفة الحق) الصادر سنة 1812، حيث أشار فيه إلى أن "المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة، وأنه يتكون من الأفراد والطبقات والجماعات والمؤسسات، وتنتظم كلها داخل القانون المدني" [15]. وبناءا على هذا فإن تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة لأنه كفرق او إختلاف بين العائلة والدولة، يفترض وجود الدولة وهو ما ميز المجتمع الحديث عن المجتمعات السابقة ورغم ذلك فإن "هيجل" لم يجعل لمجتمع المدني شرطاً للحرية وإطاراً طبيعياً لها تتكون من أفراد لا يرون غير مصالحهم الخاصة، ويتعاملون فيا بينهم لتحقيق حاجاتهم المادية، فالمجتمع عند "هيجل" هو مجتمع الحاجة والانانية، وعلى هذا فهو في حاجة مستمرة الى المراقبة الدائمة من طرف الدولة. في حين يرى "بوبيو" ان المفهوم الهيجلي عن المجتمع المدني هو في أحد جوانبه أرحب من المفهوم الذي سيصوغه "كارل ماركس" ومن أحد جوانبه الاخرى، أضيق، فهو أرحب لأنه لا يضع دائرة العلاقات الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية وحسب وإنما يضم الادارة والقضاء ودائرة الشرطة التي سيعزوها "ماركس" الى الدولة، وهو أضيق لان المجتمع المدني لدى "هيجل" يمثل الحلقة الوسيطة بين الاسرة والدلة، ومن ثم لا يشمل جميع العلاقات والمؤسسات قبل الدولية.

فالمفهوم الهيجلي للمجتمع المدني عنصر جذب لمنظري الديمقراطية المعاصرين[16]. ويرجع هذا الى تاسيسه على سلسلة من الوسائط بين الدولة والفرد من جهة  والى عدم التخلي نظرياً عن البنى العضوية المشاركة التي لا يغترب فيها لافراد عن الجماعة بل الى اعتبارها جزء لا يتجزأ من المجتمع لمدني الحديث من جهة ثانية.

أما " كارل ماركس" وفي سياق نقده للمثالية الهيجلية في جميع مستوياتها، فيرى ان المجتمع المدني باعتباره الاساس الواقعي للدولة، حيث شخصه في مجموع العلاقات المادية للأفراد في مرحلة عودة من مراحل ونظم حضارة أو معتقدات، وبتعبير اخر فإن المجتمع المدني عند "ماركس" هو مجال للصراع الطبقي، فهو يشمل الحياة الاجتماعية قبل نشوء الدولة ويحدد المستوى السياسي او الدولة، وبوصفه مستوى تطور العلاقات الاقتصادية. يتطابق المجتمع المدني إذن في المعالم العريضة مع البنية التحتية، وبشرط مستويي البنية الفوقية الايديولوجيا والمؤسسات السياسية.

خضعت الماركسية لتطوير هام على يد المفكر الايطالي "انطونيو غرامشي" ولا سيما مفهومه للمجتمع المدني والذي يعارض به تنظير وتصور "ماركس"[17]، إذ ينظر الى المجتمع المدني باعتباره جزءاً من البنية الفوقية، هذه البنية تنقسم بدورها الى مجتمع مدني ومجتمع سياسي، وظيفة الاولى، الهيمنة عن طريق الثقافة والايديولوجيا، وظيفة الثاني (الدولة) السيطرة والإكراه. فالجديد في التصور "الغرامشي" للمفهوم هو ان المجتمع المدني ليس مجالا للمناقشة الاقتصادية كما أبرز "هيجل" و "ماركس" بل مجالاً للتنافس الايديولوجي[18].

إن المجتمع المدني في فكر "غرامشي" هو مجال سياسي أيضاً، لكونه فضاءاً لتكون الايديولوجيات المختلفة وانتشارها، فالجسد الاجتماعي تشد بعضها الى بعض تلك المساحة التي تحتلها الانشطة والمبادرات الفردية الجماعية التي تقع المؤسسات والاجهزة ذات الطبيعة لاقتصادية البحثية، من جانب وأجهزة الدولة الرسمية ومؤسساتها من ناحية اخرى. فهنا المجتمع المدني حسب النظرة "الغرامشية" يمثل في نهاية التحليل رابطة للصراع حول التوجه الفكري الثقافي او الايديولوجي للمجتمع في كليته[19].

ومن الواضح ان المجتمع المدني في فكر "غرامشي" هو مجال سياسي كذلك، إنه فضاء تكون الايديولوجيات المختلفة وانتشارها[20]، والتي تضم الجسد الاجتماعي والتي تشغلها الانشطة والمبادرات الفردية الجماعية التي تقع المؤسسات والاجهزة ذت الطبيعة لاقتصادية البحثة، من ناحية وأجهزة الدولة الرسمية ومؤسساتها من ناحية أخرى.

ان المجتمع المدني لدى "غرامشي" هو هذا التركيب المتشابك والمعقد والمتسع الذي يلتقي فيه سيج من التنظيمات الايديولوجية، وهو بمؤسساته ليس منفصلاً عما سمي بالمجتمع السياسي وانما هو في علاقة جدلية به، تتخذ أشكالا مختلفة حسب طبيعة الصراع وحسب طبيعة السلطة في كل مجتمع. على هذا الأساس، يتحدد المجتمع المدني يثنائية العلاقة بين الدولة والمجتمع، الدولة بوصفها أداة سيطرة واحتواء، والمجتمع بما يحويه من إرادة في التحرر والاختلاف والتعدد والاستقلال.

لقد أكتسب مصطلح المجتمع المدني مع "غرامشي"، تطوراً نوعياً في ربطه بالهيمنة، والتي ربطها "غرامشي" من جهة ثانية بالثقافة. هذا التطور، وهذه الجدة قد إرتبطا بالنظرية الماركسية، فهما قد ظهرا في ثنايا قراءة نقدية لتلك النظرية، وتبلورا في عمل النقد الذاتي لممارسات الحزب الشيوعي في إيطاليا على الخصوص، فلهما تفسير موضوعي تاريخي ولهما تفسير نظري معرفي.

ربط "غرامشي" المجتمع المدني باشكاليات الديمقراطية، وبدور المثقف، في تبرير أو إنتاج البدائل في خضم صراعه اليومي مع الواقعن وأولى بالتالي أهمية بالغة بالاحزاب السياسية، ولدورها الفاعل في المجتمع، باعتبارها تصورات عقلية وجماعية جديدة، ذلك أن التجديد لايمكن أن يتخذ في أوائله طابعاً جماهيرياً الا بواسطة نخبة، وحسب رأيه، ليست وحدها التي بأمكانها نشر الايديولوجيا بل المجتمع المدني ايضاً، بواسطة المثقفين قادر على نشر الايديولوجيا المضادة وممارسة الهيمنة.

لقد ركز "غرامشي" تحليلاته على البنية الفوقية للمجتمع، إذ ميز فيها بين مستويين. مستوى أول، هو ذاك الذي يعبر عنه بالمجتمع المدني، يعني مجموع المؤسسات التي نقول عنها في اللغة المعتادة أنها داخلية وخاصة، ومستوى أخر، هو المجتمع السياسي او الدولة، ووظيفتها السطرة واليادة، وتسم العلاقة بين هذين المستويين (المجتمع المدني والدولة) بنوع م تبادل الحصار كشكل من أشكال الصراع، ويعتبر "غرامشي" أن العلاقات الاجتماعية الاساسية تتبدل بالضرورة حتى داخل الاطار السياسي الواحد، وتبزغ قوى جديدة فعلية تنمو وتؤثر بشكل غير مباشر، عن طريق الضغط البطيء والمستمر دون تراجع على القوى الرسمية التي تقوم بتعديلها، دون ادراك منها بذلك. لقد ساعد هذا التحليل على تطوير معنى المجتمع المدني وعلى فهم العلاقة القائمة جدلياً بينه وبين المجتمع السياسي، وتجذر الاشارة، الى أنه لا يمكن فهم المقاربة "الغرامشية" للمجتمع مالم نقرنها بالدولة وبالهيمنة وبالايديولوجيا وبالثقافة باعتبارها كلاً مترابطاً[21].

اما "ألكسي دي توكفيل" فقد أشار في كتابه الديمقراطية في أمريكا التي هي تلك السلسلة اللامتناهية من الجمعيات والنوادي التي ينضم إليها المواطنون بكل عفوية، وربط ضمان الحرية السياسية بالقوانبن والعادات أي الوضعية الاخلاقية والفكرية للشعب. ومن هنا تبرز أهمية المدنية وأهمية المواطنة كمكانة قانونية باعتبارها مجموعة أدوار اجتماعية ومجموعة من الصفات الاخلاقية[22].

وما خلص إليه "توكفيل" يعيد مقولة مفادها "لابد للمجتمع من عين فاحصة ومستقلة، هذه العين ليست سوى مجموعة متعددة من الجمعيات المدنية الدائمة اليقضة، التي تقوم على التنظيم الذاتي، وهي الضرورة اللازمة لتقوية الثورة الديمقراطية".

وبناءاً على ما تقدم فعلى الرغم من تعدد وغنى المساهمات في صياغة مقهوم المجتمع المدني، فإنه لابد ان نقر بوجود عناصر مشتركة أرخ لها العديد من الباحثين الذين تحدثوا عن المجتمع المدني في إطار الحضارة الغربية، ومن أهم هذه العناصر[23]:

1.  المجتمع المدني رابطة إختيارية يدخلها الافراد طواعية، ولا تقتصر عضويتها على الاجبار، أي ينضم اليها الافراد بمض إرادتهم الحرة وإيماناً منهم على أنها قادرة على حماية مصالحهم.

2.  ان المجتمع المدني يشمل العديد من المكونات من بينهاك المؤسسات الانتاجية، الطبقات الاجتماعية، المؤسسات الدينية والتعليمية، الاتحادات المهنية، النقابات العمالية، الروابط والاحزاب السياسية، النوادي الثقافية والاجتماعية ..

3.    الدولة أو المجتمع السياسي لازمان لاستقرار المجتمع المدني وتمتعه بوحدته وأدائه لوظائفه.

4.  ليس من الضروري أن تكون الدولة قائمة في المجتمع المدني دولة الديمقراطية ولكنها في كل الاحوال دولة غير مطلقة السلطة تخضع في أداء مهامها لقواعد عقلانية، سواء وضع هذه القواعد برلمان تنتخبه اغلبية المواطنين او تولدت عبر تطور تاريخي طويل وأشرف على تطبيقها طبقة من الاداريين ذوي الخبرة والمعرفة.

5.  إن للمجتمع المدني امتدادات خارج حدوده تتمثل في توسع بعض عناصره وانتقال تأثيرها الى غيرها من المجتمعات سواء كانت هذه العناصر هي المؤسسات الانتاجية أو الطبقات الاجتماعية، أو الاتحادات المهنية والنقابات العمالية وحتى الايديولوجيات التي بلورتها جماعات اجتماعية معينة في ذلك المجتمع ومثقفوها.

6.  إن مؤسسات المجتمع المدني من حيث المبدأ تتمتع باستقلالية نسبية من النواحي الادارية والمالية والتنظيمية عن الدولة، زمن هذا المنطق فإنها تجسد معنى قدرة أفراد المجتمع على تنظيم نشاطاتهم بعيداً عن تدخل الدولة.  

·تطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر العربي لمعاصر

يطرح مفهوم المجتمع المدني عدة تحديات متباينة سواء من خلال بنيته او مضمونه، ففي إطار البنية يجعل بعض الباحثين المفهوم مفتوحاً ليتضمن بنى ومؤسسات تقليدية وحديثة ويعرف على أنه "مجموعة المؤسسات الفعاليات والانشطة التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي والنظام القيمي في المجتمع من جهة، والدولة ومؤسساتها واجهزتها ذات الصبغة الرسمية من جهة ثانية، وهذا ما أشار إليه الباحث السوسيولوجي" علي الكنز " حيث إن المجتمع يتموقع في الفرق بين الاسرة والدولة[24].

لقد بدت تتجلى ملامح المجتمع المدني في المجتمعات العربية من خلال عمل المنظمات والجمعيات وغيرها، حتى وان بدا هذا المفهوم دخيلا على التراث الفكري والسياسي العربي – الإسلامي، باعتبار أن ولادته ونشأته كانت في بيئة مغايرة تماما هي الغرب الأوروبي في مرحلة شهدت صراعا اجتماعيا وسياسيا برز من خلاله مفكرون كبار نحتوا مفاهيم جديدة مثل الوطن والدولة والمجتمع المدني.. وغيرها من المفاهيم التي ارتبطت بمتطلبات الطبقة الاجتماعية الناشئة في البداية.. ليحتل حيزا بارزا لأنصار تياران متعارضان، تيار ليبرالي وتيار اشتراكي لكل رؤيته الخاصة لطبيعة "المجتمع المدني"، ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فان المجتمع العربي الإسلامي لم يستعمل هذا المفهوم إلا حديثا[25]،  مع العلم أن الحضارة العربية الإسلامية قد عرفت منذ العصر الوسيط تنظيمات حرفية ومهنية يمكن اعتبارها نوعا من أنواع التنظيم المجتمعي، وقد تزامنت فـي الواقع مع ظهور تيارات سياسية – دينية معبرة عن تحولات مجتمعية معارضة للسلطة، ولا يمكن أن تكون حينئذ إلا ذات صبغة دينية[26].وبالرغم من أن الجمعيات والمنظمات الأهلية "العصريةقـد انتشرت في العالم العربي الإسلامي منذ دخول الاستعمار وقبل ذلك بقليل، اثر الاحتكاك بالغرب بصفة عامة، إلا أن تداول هذا المفهوم لم نجد له أثرا بالنظر لارتباط عمل هذه المنظمات المختلفة الاتجاهات والمشارب بالعمل السياسي المباشر ضد الاستعمار، وكانت المعبر الأساسي عن مطامح فئات الشعب قاطبة الهادفة إلى التحرر والانعتاق

ولم ينتشر هذا المفهوم في أدبيات الفكر السياسي العربي إلا مع مطلع السبعينات ومع ذلك بقي محدودا وانحصر بشكل خاص في البلدان التي تتبنى مشروع تحول ديمقراطي تحمست مـن خلاله النخبة للمفهوم باعتباره حجر الزاوية في كل تحول ديمقراطي[27] .

من هذا المنطلق هل يمكن الحديث أصلا عن مجتمع مدني في العالم العربي بعد سقوط الدولة الوطنية، وتفكك البنى الاجتماعية وبروز ظاهرة العنف المهددة بلا شك لنظام الدولة والمجتمع ككل؟ [28]

لقد بدأ مفهوم المجتمع المدني ينتشر في أدبيات الفكر السياسي العربي المعاصر منذ مطلع السبعينات من القرن المنصرم بصفة خاصة، متأثرا بعودته في المجتمعات الأوروبية، وعرف رواجا بصورة واضحة في البلدان العربية التي  رفع فيها الخطاب الرسمي مشاريع  التحول الديمقراطي وآثاره الايجابية على مجمل  الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية رغم أن  هناك بلدان عربية لم يصلها بعد خبر "المجتمع المدنيفلا نجد له أثرا لا في الخطاب الرسمي ولا في خطاب فئات النخبة[29].

فالدولة العربية الحديثة منذ محمد علي باشا في مصر لم تقم إلا عبر التدمير المنظـم للمجتمع ومؤسساته وممثليه وقواه، باسم الحداثة ومطلب القوة، من أجل إخضاع المجتمع وإلحاقه بمصالحها ولهذا كثيرا ما اصبحنا نرى أن العرب لا يتقدمون إنسانيا وثقافيا واقتصاديا إلا في القطاعات التي تقع خارج رقابة الدولة

إن المجتمع العربي مافتئ يتسم بالتراتب العمودي سواء بالولاء أو بالانتماء، فالفرد مضطر إلى ترتيب انتمائه وولائه إلى سلسلة متصاعدة تبدأ بالعائلة وتنتهي بالدولة، مرورا بالطائفة والحرفة والقبيلة، وكما هو معروف تكون درجة قوة الولاء أو الانتماء متناسبة عكسيا مع هرمية هذا التراتب العمودي[30].

وهنا تبرز علاقة عكسية بين السلطة والحرية،  على ضوءها  تنعدم او تقل  شروط  قيام المجتمع المدني في حالة قوة السلطةفالمجتمعات العربية – الإسلامية عرفت طاعة الحاكم خشية منه أكثر مما عرفت الحرية وحق الاختلافلذلك أي تقديس وإطلاق للسلطة يعني تضييق مساحة الحرية، حيث ضرورة تقييد السلطـة السياسية ونسبيتها وعدم إعطائها أي صبغة أو مضمون ديني لكي لا نجعلها سلطة مطلقة تحكم بالحكم الإلهي ولا يمكن الاعتراض عليها لأنها تحكم باسم الله وليس باسم الشعب باعتبار أن الحاكمية لله، فالمطلوب تأكيد إنسانية السلطة السياسية ونسبيتها

وهناك من يحصر المفهوم بالمؤسسات الحديثة، وأنه مقترن وإقترن بالتمدن والتحديث في كل جوانبه الفكرية والمؤسساتية، أي انه قرين بالحداثة، وفي هذه الحالة يكون مجمل التنظيمات غير الإرثية وغير الحكومية التي تنشأ لخدمة المصالح او المبادئ المشتركة لاعضائها، وكونه المجتمع الذي تنتظم فيه العلاقات بين أفراده على أساس الديمقراطية، بمعنى المجتمع المدني الذي يمارس فيه الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية تحترم فيه حقوق المواطن السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية إنه بعبارة أخرى المجتمع الذي تقوم فيه دولة المؤسسات بالمعنى الحديث للمؤسسة (البرلمان والقضاء المستقل والاحزاب والنقابات والجمعيات)[31] .

إن ديثنا عن جذور المجتمع المدني ومظاهره يحيلنا على حداثة هذا المصطلح نظراً لاستعماله اللصيق بالتجربة الغربية، ما دفع العديد من الباحثين الى القرار بصعوبة تلمسه  حيث يؤكدون ارتباطه بتفاعل ثلاث نظم من القيم والمعتقدات، اولها الليبرالية، وثانيها الرأسمالية، وثالثهما العلمانية، وهذه القيم والثلاث بجوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية، لاتتفق مع القيم الإسلامية السائدة في الأقطار العربية[32] ، فقد نشأ المجتمع المدني من خلال النضال الذي خاضته طلائع البورجوازية الأوروبية للفصل بين المدني والكنسي ، وهو المعنى المتداول نفسه عن فصل الدين عن الدولة.

لكن السؤال الذي طالما بحثنا ولا زلنا نبحث عن إجابة شافية له، هل عشنا النموذج من هذا قبيل في تراثنا التاريخي العربي الإسلامي.

تؤكد التجربة التاريخية للعصر الذهبي للأمة الإسلامية عصر النبوة المحمدية والخلافة الراشدة،انه سبق للنموذج وان تواجد من خلال اول تجربة التعاقد المدني التي عرفها التاريخ والتي سبقت حتى التعاقد الاجتماعي في التجربة الغربية، تعاقد من نوع خاص تجلت فيه مظاهر المواطنة والحقوق والواجبات والمتمثل في "البيعة" والتي تعارف عليها المسلمون وتعايشوا معها كشكل من أشكال ما يسمى اليوم بالمواطنة.

إن المجتمع المدني المتنوع دينياً، المتعدد عرقياً، يجد في الأمة والجماعة أسسه التي تتحقق خارج سلطة الدولة، فالتاريخ العربي يذكر لنا مؤسسات أو ما يشابه المؤسسات أقيمت ونشأة كمؤسسات مجتمع مدني، كالمساجد التي تقام فيها ندوات فكرية ودينية هذه المؤسسات التي وإن لم تكن بنفس المعنى فإنها كانت بداية أولية لمجتمع مدني قائم على العدل والمساواة والقانون[33].

وجدير بالذكر كذلك انه كانت هناك بنى جمعية تختص بوظائف منفصلة عن وظيفة الدولة كأشكال من التنظيم الذاتي خارج السلطة، كجماعة القضاة والعلماء ونقابات الحرف والصناع، وشيوخ القبائل والعشائر. ومن هنا كان المجتمع المدني يدير نفسه قروناً طويلة قبل ظهور فكرة المجتمع المدني[34].

ولعل من دواعي وأسباب بعث المفهوم منجديد ومحاولة تأصيله وتتبع مسار تطوره، هذه المكانة التي أصبح يطلع بها في وقتنا الراهن، والتنافس الشديد حول تشيد صرح الدولة والمؤسسات وبروز الفاعلين كقوة تنافس الدولة وتجادلها في أدوارها. أما حضور مفهوم المجتمع المدني في الفكر العربي المعاصر كان من دواعيه سيادة الدولة السلطانية الشمولية والمستبدة، وقد تزامن هذا مع انحطاط وتأخر شامل لعدة قرون، حيث أنه بدأت مرحلة الضعف ثم التدهور منذ القرن العاشر الهجري، وتواصل هذا التراجع والضعف الى يومنا هذا.

فالمجتمع المدني عند " رفاعة الطهطاوي" هو المجتمع المبني على المواطنة المطمئنة بفعل سيادة الحرية والمساواة القانونية، فالحرية والمساواة هما أساس الاستقرار الداخلي للدولة. في المقابل يراه "جمال الدين الأفغاني" في سلطة مدنية محضة تستمد شرعية وجودها من خلال الحفاظ على مصالح المجتمع. أما "محمد عبدو" يتجه في طرحه لتبني الطرح الهيجيلي والنتشوي في سيادة السلطة ومقومات الدولة القوية بمؤسسات قوية.

الا ان تبلور العمل المؤسساتي المنتظم للمجتمع المدني سيبرز مع مطلع القرن العشرين وخصوصا مع مرحلة الاستعمار التي دخلت فيها كل الدول العربية إن لم نقل كل المجتمعات العربية نظرا لغياب الدولة بمفهومها الحديث ،حيت ان طبيعة البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية كان تتميز بنظام فبائلي عشائري، وبالتالي لا يمكننا الحديث عن الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني الا من خلال هذه المرحلة، التي شهدت تأسيس العدبد من الجمعيات والحركات والتنظيمات، وتطورت من جمعيات او منظمات الى أحزاب سياسية في العديد من الدول العربية في مرحلة لاقة. كما ظهرت إبان هذه المرحلة ألاستعمارية ستنتقل تنظيمات سرية لمقاومة المستعمر من تنظيمات عسكرية شعبية مسلحة الى الانتظام في تشكيلات وتنظيمات وأحزاب سياسية حزب بعد الحصول على الاستقلال كحزب الشورى والاستقلال بالمغرب  ( يتبع )...

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة