خبزاً وحباً

      خبزاً وحباً

أو حباً وخبزاً، لا أعلم أيهما أهم!

كان ممكناً قبل هذه السنوات العجاف، بل كان من حقنا أن نقول "الحب" ثم أي شيء آخر، لكن بعد كل هذا الدمار والموت والقهر لم يعد من مكان للحب، غدت الحاجة الى الخبز أعنف.. إلى القوة والحياة والمواصلة والصمود ومن ثم يأتي أي شيء آخر.

نعيش نحن في بيوتنا آمنين لكن الآلاف اليوم تغيرت حيواتهم وأولوياتهم تبعاً لكل ما حصل، فباتت هبة الهواء الساخنة تثير رعباً في نفوسهم خوفاً من أن تكون محملة بالغازات والسارين..

كم هائل من الخوف يجتاح أروقة دواخلهم ويذروا بذاره في قلوبهم المتربصة.

                                       *****

ومع تلاحق الأحداث لم يعد هنالك وقت كاف لتترجم الوقائع الى نصوص وأدب، اكتفى الرفاق بالتحليلات السياسية والمناكفات التحريرية والمراسلات الدولية، وتربعت العجائز ذاهلات على أبواب منازلهن؛ لم يعد هنالك ما يحدثن بعضهن عنه، أصبح اللطم طقساً يومياً والبكاء الصامت المخنوق في المساءات ملازماً لدعاء النوم والتلفظ بالشهادتين.. من يدري إن كان سيعيش واحدهم حتى الصباح أو سينتهي به الأمر عارجاً الى السماء على درب "الغوالي"..

                                       ******

أحد المتوحشين بأقلامهم صمت طويلاً ثم تقيء بعض الكلمات التي نجح بصفها في جملة مفيدة، كانت الفكرة الأساس أن أولئك الأولاد الصغار الذين ماتوا هناك في "خان شيخون" وجدوا مصادفة..

 كيف يعني مصادفة؟

أي أن الموت واقع والقتل واقع والحرب دائرة رحاها تطحن بلا رحمة، ليسوا هم المستهدفين لكنهم وقعوا في الفخ مصادفة واختارتهم الأقدار ليموتوا بهذه البشاعة. ربما معه حق، فالعشرات منهم ماتوا غرقاً على الشواطئ، ومئات ماتوا في قصف البراميل المتفجرة، وآخرين ماتوا قنصاً وآخرين ماتوا خوفاً ومنهم من مات جوعاً.. لايهم كيف ماتوا، لكنها المصادفة المحضة من وضعتهم بطريق السارين!

أطول مدة يمكن أن نحزن فيها من أجلهم أسبوع.. بعدها سينتهي الأمر ونغرق في أوحال النحيب على مجزرة جديدة.

هل كان معه حق يا ترى؟

                                      *****

قد يكون معك حق أيها المستشرف للمستقبل القريب.. لكن دعنا نتفق على شيء واحد، أعطنا حباً وخبزاً، أو خبزاً وحباً لا فرق فنحن فقط نريد أن نعيش!

أجل نحن.. فأنا منهم وهم مني..

بيسان عناب

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة