خريف الدّكتاتور, أو بداية نهاية النظام الملكي المغربي

Image title


يمكننا تشبيه حركة التّاريخ بدورة الحياة، أو بمسار الضوء كما وصفها "هيجل" بتعبير أكثر دقّة و شُموليّة. فكما أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، فإن آسيا هي بداية التاريخ، وأوربا هي نهايته حسب هيجل. وقد اعتبر أيضا أن تاريخ العالم ليس إلا ترويضا للإرادة الطبيعية على الخضوع للنظام، وجعلها تطيع المبدأ العام الذي هو الوعي بالحريّة. وهذه هي النتيجة النهائية التي لخّص بها هيجل فلسفته للتاريخ، حيث اعتبر أن الوعي بالحرية هو النتيجة النهائية التي يتجه مسار التاريخ إلى إنجازها.
لقد تعرّض النظام الملكي المغربي مؤخرا, لعدة هزّات سياسية داخلية و خارجية. فعلى الصعيد الداخلي, يمكن القول بأن النظام قد استكان لقبول الشعب بأكذوبة "العهد الجديد" منذ تولي محمد السادس لمقاليد الحكم, و ما رافقه من عمليات تجميل لنفس البنية القروسطية الموغلة في التخلف و الرجعية و الاستبداد. (نذكر : هيئة الانصاف و المصالحة, المجلس الاستشاري لحقوق الانسان سنة 1990 الذي سيليه المجلس الوطني لحقوق الانسان سنة 2011 تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية, مدونة الأسرة...) لكن على أرض الواقع, لم تكن لهذه المبادرات "الملكيّة" أي نتائج ملموسة, و لم تُغير شيئا في الخطوط العريضة لفلسفة اشتغال الآلة المخزنية, التي يعطيها الدستور و القانون كل الحرية في القضاء على كل ما يهدد جوهر نظام الحكم الممثل في النظام الملكي و أمير المؤمنين خليفة الله على أرضه. ( و هذا هو التعريف الحقيقي لنظام الحكم في المغرب), زيادة على ممارسات أخرى تنتمي للعرف و اللاقانون بضمانة الافلات من العقاب و المحاسبة بحجة القرب من الملك و حماية الملك. لم تكن إذن كلّ هذه المبادرات إلا ذرّا للرماد في عيون "الرّعايا", و جمعيات ريعيّة للاغتناء بالنسبة للمستفيدين منها و القائمين عليها, مادامت لا تمسّ الوثيقة الدستورية عموما, و البنود المتعلقة بطبيعة التعاقد بين النظام و الرّعايا (الشعب) خصوصا. نحن الآن بصدد الحديث عن صلاحيات الملك و ماهيّته في أعلى هرم السلطة. حيث يُصر على عدم التفريط في وظيفة الإمامة أو اقطاعية الحق الإلهي في أسلاك القضاء و الأسرة و العقيدة و حتى السياسة, حيث أنّه يفتتح البرلمان كلّ سنة بصفته الدينية كأمير للمؤمنين و ليس بصفته السّياسية كملك. لكنّه يُقدّم نفسه للعالم (الغربي خصوصا) بصفته قائدا للدّولة و رئيسا لها بالمعني السياسي. هذا التلاعب بالمفاهيم, هو الذي يجعل من النظام الملكي تنّينا برأسين, أحدهما قروسطيّ إلاهيّ مقدس في الداخل, يحكم بمنطق المبايعة من قبل ممثّلي الرّعايا, و يُقابلها (البيعة) الكفر و الخروج عن اجماع الأمّة !! و آخر سياسي مدني بلباس عصري موجّه حصرا للخارج.
لكن هذا الوضع لن يدوم طويلا, و سيجد النّظام المخزني نفسه أمام تحدي ما سُمّي بالرّبيع الديمقراطي الذي التحق بركبه الشعب المغربي بكثافة في البداية, بحكم أن جميع دواعي التغيير كانت حاضرة في المعادلة. و قد استطاع النظام الحاكم تفكيك قنبلة 20 فبراير, و تمكن, ولو مؤقتا, من تجميد نضالات قطاعات واسعة من الجماهير, لكنه لم و لن يتمكن من التخفيف من حالة الاستياء العام التي تسود أوساط الشعب المغربي. لأن الركون في هذه الحالة ليس مفاده أن الشعب اقتنع ب"أسطورة الاستقرار" التي روج لها النظام بكل مكر و دهاء, مستغلا في ذلك تعثر مسار التغيير في بلدان أخرى لا يربطنا بها أي قاسم مشترك.. و إنما فقط دخل في حالة من الانتظارية لاصلاحات جادة من أعلى الهرم لن تأتي أبدا ! و لم يكن هذا التفاعل الجماهيري مع هبّات شعوب المنطقة تقليدا أو ترفا نضاليا, بل كان نتاج صيرورة تاريخية من الانتفاضات المقبرة و الهبّات الشعبية المجهضة. حيث أن ما يعيشه المغرب منذ عقود من تسلط العصابة المخزنية الحاكمة, هو حرب معلنة على الشعب بكل ما للكلمة من معنى, تم فيها استعمال جميع الوسائل و السبل للقضاء على عزيمة هذا الشعب و النيل من ارادته, و كان أقصاها و أقساها انزال الجيش و دباباته الى الشوارع في مناسبتين( أحداث 23 مارس 1965, و 20 يونيو 1981). و باستحضار مختلف المحطات الاحتجاجية الأخيرة في المغرب (1981-1984-1990), و التي كانت نتاج أزمة بنيوة عميقة, و صراع سياسي مرير, و تدهور صارخ للأوضاع المعيشية. نجد أن السبب وراء هذه الانتفاضات المقبرة و الثورات المجهضة أسبابا اجتماعية-اقتصادية محضة. لكن رد فعل النظام اتسم بالقسوة المفرطة و الدموية الغير مبررة تجاه المحتجين, بل و سارع الى اتهامهم بالخيانة العظمى. و هذه أكبر طامة أتت على العلاقة بين النظام و الشعب, و خطيئة لا تغتفر في طريقة معالجة السلوك الاحتجاجي. و هذا كفيل باعطائنا لمحة سريعة عن مفهوم "الاستقرار" في المغرب, و توازن الرّعب الذي يسوّقه اعلام السّلطة الغوغائي الديماغوجي, على أنه تشبّث بالملكية و قبول بإصلاحاتها و حتى ثوراتها العظيمة !!
أما على المستوى الخارجي, فالجميع يتحدث هذه الأيّام عن التغير الطارئ في مواقف بعض الدول التي كانت فقط بالأمس في عداد الحلفاء التاريخيين.. و كالعادة, فإن قضية الصحراء الغربية تأتي في الواجهة. حيث يمكننا رصد بدايات هذا التغيّر الغير مفاجئ, بالنّسبة للمتابع اليقظ, في مشروع القرار الأمريكي القاضي بتوسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان سنة 2013, مما أثار الأزمة الأولى في العلاقة بين البلدين. و قد حاول النظام المغربي ما أمكن احتواء الوضع, لكن دون تقديم تنازلات استراتيجية في قضيّته المصيرية و رهانه الوجودي ( الصحراء), لكن سياسية المراوغة و المماطلة انتهت بموقف "أممي" هذه المرّة, عبّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة بانكيمون في زيارته الأخيرة للصحراء بكلّ وضوح.., ممّا أجج غضب النظام المغربي على أعلى مستوى, لدرجة شروع "مفسّري الأحلام" من الباحثين السياسيين و المتخصصين و الأكاديميين في تطوير هلوسات سيّدهم "محمد6" حول المؤامرة الكونية و الحرب بالوكالة التي تُشنّ على المغرب. و أيضا ليس من باب الصدفة أن يتزامن تقرير الخارجية الامريكية حول حقوق الانسان بالمغرب, مع مادّة اعلامية وثائقية بثتها القناة الفرنسية الثالثة حول محمد 6 و حديقته السّرية. و إذا كانت الأخيرة مجرّد مادة اعلامية وثائقية, فإن الأول, أي التقرير الأمريكي, قد وضع يده مباشرة على الجرح, أي النظام الملكي, الشعب الصحراوي, و الشعب الأمازيغي.
إن توصيف النّظام المغربي في هذا التّقرير باللاديمقراطي, و الدكتاتوري, و المنتهك لحقوق الانسان الدّنيا كما تنص عليها القيم الكونية, هو بمثابة تذكير له بحجمه الطّبيعي الحقيقي بعيدا عن لغة النفاق و الخشب السّابقة. و لا نظنّ أنها صحوة ضمير متأخرة بقدر ما هو توجّه استراتيجي جديد للإدارة الأمريكية, منبعه ضرورة التخلّص من عبئ ثقيل تُمثّله هكذا أنظمة قروسطية مُتعفّنة (خصوصا المغرب و السعودية), بحكم أنها المنتج الأول للتطرف و الارهاب سواء بسبب سياساتها الاقصائية التهميشية, أو توجّهاتها الايديولوجية و مشاربها العقدية التي تصب كلها في بحر التطرّف. و في الحالة المغربية خاصّة, نجد أن هناك مخاوف متصاعدة من تحوّل الصحراء المتنازع عليها الى بؤرة جديدة للإرهاب, بعد يأس جبهة البوليزاريو من تماطل المنتظم الدولي و تمادي النّظام المغربي في حربه على الشعب الصحراوي, و هذا مربط الفرس. و محرّك السياسات الخارجية الأمريكية و الغربية. و إذا كان ذكر أسماء معتقلين سياسيين مغاربة لأول مرّة في تقرير دولي, ثم في الاعلام الرّسمي المغربي بعد أن كان النظام ينكر أصلا وجود معتقلين سياسيين في البلاد على لسان وزير العدل, فمرحبا بها مؤامرة !!
لقد أعطت الإدارة الأمريكية كلّ الوقت اللازم للنّظام المغربي للإصلاح الجدّي و إعادة التأهيل, لكنّ تعنّت هذا الأخير, أو انتصار الجناح المُحافظ داخله فوّت عليه فرصة الاحتفاظ بالحدّ الأدنى للمصداقيّة و الشرعية داخليّا و خارجيّا. أما بخصوص فرنسا, الحليف التاريخي و الصّانع الحقيقي لجهاز الدولة الحالي "المخزن", فستجد نفسها أيضا مجبرة على الانحياز لتحديث النظام الملكي أو حتّى التخلّص منه, لأنه صار يشكل عليها أيضا عبئا ثقيلا, و صار يهدد مصالحها الاقتصادية التي فوّتها لهم العلويّون مقابل خدمات "الحماية". التي لن تنتهي إلا بسقوط أو بإسقاط النّظام الملكيّ القائم.
و هنا يجب على كلّ العبيد و الأقنان المتهافتين الآن على مهاجمة فرنسا بعد أن أدارت ظهرها للنظام الملكيّ, أن يجيبوا على السؤال : من أحضر فرنسا إلى المغرب بموجب معاهدة سنة 1912 الخيانية؟ ألم يكن اسمها "حماية" و ليس "استعمارا"؟ و تعبير "الحماية" لا نستعمله بغرض الاتهام أو التحامل, بحكم أن حكّام المغرب أنفسهم دأبوا على استعماله في خطاباتهم الرّسمية لما بعد الاستقلال الممنوح.
لا يمكن إذن رؤية هذا التصعيد الغربي-الأمريكي, إلا رغبة في التخلّص من نظام استنفذ المهام التي صُنع من أجلها, و رفض تطوير نفسه, بل تقوقع عليها بما يُحيل على ثقافة الأسوار القديمة. و أيضا إشارة لكل الأحرار بضرورة الاسراع بالتخلّص من نظام أقل ما يقال عنه أنّه "شاذّ", بالرجوع إلى كلّ مرجعيات العلوم السياسية و علم الاجتماع السّياسي. نظام يتفنن في انتاج و اعادة انتاج العبودية بشكل مقرف, و يتخذ من المغاربة أسرى و رهائن تحت التهديد بالسيناريو السّوريّ , و يفرض عليهم "الجزية الملكية", التي تتمثل في كون كلّ ما يصرفه المغاربة في يومهم مقابل منتوجات و خدمات رديئة, يذهب حصرا لشركات الملك التي تحتكر كلّ شيء !!
إن سؤال محمد6 في خطابه الأخير : "ماذا يُريدون منّا؟ " لهو زلّة قلم خطيرة لم ينتبه لها كاتب الخطاب, إذ أن فيها إيحاء مباشرا على أن النظام قد اعطى كلّ شيء للغرب, و انبطح و خان و ساوم و فوّت ثروات و مقدّرات البلد بغاية البقاء على نفس الشكل و النّمط, و أن المطلوب الآن هو النّظام نفسه !!
لقد وصل النّظام الملكيّ لمرحلة متقدّمة من الكساد و الافلاس و اليأس, و كلّ شروط التغيير الحقيقيّ الجذري حاضرة اليوم أكثر من الأمس, خصوصا في مناخ اقليمي صارت فيه قيمة الحريّة أهمّ من خبز الذّل و العبودية, و لا بديل عن الثورة الشعبية التي ستُعيد الأمور إلى نصابها, و تقطع الطّريق على الجميع, و هذا قدرنا كأحرار !!

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة