: خطاب العرش نَعْيٌ لخطاب 9 مارس وتَأْشِيرٌ على تبني النموذج الأمني للتنمية

Image title


وجّه الملك محمد السادس خطاب عيد العرش مساء السبت 29 يوليوز، وهو ما يعدّ سابقة في تاريخ خطابات العرش منذ توليه عرش المملكة، اذ جرت العادة أن يلقي الخطاب يوم عيد العرش 30 يوليوز وليس قبله، كما أن الخطاب كان يلقى على الساعة الواحدة زوالا أو على الساعة الثامنة مساء، باستتثناء خطاب العرش ل 2016 حيث ألقي بداية من العاشرة صباحا.

إن تقديم القاء الخطاب 24 ساعة، قد يكون اجراء تقني أملته بعض الاجراءات البرتوكولية، وقد يكون الامر ضربة استباقية، أي أن تقديمه كان بغرض معين ولم يكن مجرد اجراء تقني.

أول ملاحظة يمكن تسجيلها قبل الشروع في تحليل بعض فقرات الخطاب، هو أن خطاب العرش لهذه السنة من حيث المضمون يكاد يخرج عن نسق خطابات العرش السابقة، فقد جرت العادة أن يكون خطاب العرش مناسبة لعرض المنجزات والوقوف على ما تحقق منها وما لم يتحقق، فقد جاء في خطاب العرش لسنة 2015: “جعلنا منها مناسبة سنوية لإجراء وقفة مع الذات حول ما حققه المغرب من منجزات، وما يواجهه من تحديات”، لذك فخطاب العرش يأتي عاماً، يتم فيه التطرق الى المحاور الاساس للأولويات التي تشغل بال رئيس الدولة، ثم ماهي الخطوات المستقبلية، بينما خطاب هذه السنة بدا مشغولا بموضوع واحد أساس هو الحراك الشعبي بالريف وما ترتب عنه من ارتدادات مست العديد من المؤسسات، إنه من حيث المضمون والظروف المحيطة به أقرب الى خطاب 9 مارس 2011 منه الى سائر خطابات العرش.

بين خطاب العرش 2017 وخطاب 9 مارس 2011

جاء خطاب 9 مارس على اثر حراك شعبي هز المغرب بأكمله، وجاء أسبوعين بعد خروج مظاهرات 20 فبراير، بينما خطاب العرش جاء بعد 9 اشهر بالتمام على انطلاق الحراك الشعبي بالريف. عرض الملك في خطاب 9 مارس ما يشبه “خارطة طريق” للعمل بعد 20 فبراير، كما حاول الخطاب أن يستدمج في “مشروعه الاصلاحي” بعض مطالب حركة 20 فبراير، كذلك الامر بالنسبة إلى خطاب العرش اذ تطرق فيه الملك الى ما يمكن عده خارطة طريق لحل ملف حراك الريف مع التأكيد على تحديد المسؤوليات وترتيب المساءلة على أساسها.
خلا خطاب 9 مارس من أية اشارة الى ما يحدث في الشارع، حيث بدا ما طرحه الملك حينئذ جاء قناعة منه وليس تجاوبا مع الشارع ولا ضغطا من أحد، بينما خطاب العرش ظهرت فيه بعض المؤشرات التي تدل على أن خطاب الملك مشغول بحراك الريف، فقد ورد اسم الحسيمة في الخطاب، والحسيمة هي المدينة والإقليم الذي احتضن حراك الريف منذ استشهاد محسن فكري، كما أن بعض الاشارات لا تخطئها العين وردت في الخطاب تتعلق بحراك الريف وما ترتب عنه، فالاشارة في الخطاب مثلا الى عدم وجود تيارين في الاجهزة هي احالة مباشرة وواضحة على حراك الريف، الذي طرح سؤال صراع الاجهزة في تعاطيها مع الحراك، وقد شاع هذا الموضوع كثيرا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الاعلام، خاصة في وسائل اعلام فرنسية ودولية، كما انه ورد في الخطاب نفي لوجود أي مقاربة أمنية لحراك الريف، واعتبر الامر عاديا وطبيعا يمضي وفق القانون، هذا في الوقت الذي يتحدث النشطاء وتقارير حقوقية عن وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان في طريقة تعامل السلطات مع احتجاجات الريف.

رغم هذا السياق الذي يجعل خطاب هذه السنة يشبه خطاب 9 مارس إلا أننا لا نعدم وجود خيط ناظم، تحكّم في خطابات العرش خلال السنوات الاخيرة، هذا الخيط الناظم هو توجيه النقد الذي يكون احيانا لاذعا الى النخب السياسية والحزبية، الى درجة يخال لك كما لو أن هذه النخب وحدها المسؤولة عما يحدث، وأن الملك يقاسم ابناء شعبه استياءه من عمل هذه النخب: ” وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”.

مضامين خطاب العرش ومحاوره

من الواضح أن خطاب العرش جاء مترعا بالرسائل المباشرة والمضمرة الموجهة الى الفاعلين السياسين، والموجهة أيضا الى الحراك الشعبي بالريف والى المدافعين عنه، توزعت هذه الرسائل عبر محاور الخطاب التي يمكن التميز فيها بين اربعة محاور هي:

مفارقة التنمية بالمغرب..الملك يعمل والاخرون يتكاسلون او يعرقلون

جاءت توطئة الخطاب مبنية على فكرة أساس هو أن الملك ما فتئ يقوم بمجهودات حثيثة لخدمة الوطن والمواطن والسير بالبلد على طريق النمو والتطور، في نفس الوقت يستدرك الملك في خطابه بكون هذه الرغبة الملكية لا تجد دائما تنزيلا لها على أرض الواقع، وهو ما يجعلنا أمام مفارقة وجود سرعتين متفاوتتين: “نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها، أو القبول بها. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، ك”بوينغ” و “رونو ” و”بوجو “، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم”. من الواضح أن الملك هنا يلقي باللوم على طريقة تنزيل هذه الاختيارات التنموية، وليس على الاختيارات نفسها، فجل القرارات التنموية للملك كانت صائبة، لكن سريانها في الواقع تشوبه عدة معيقات؛ جاء في الخطاب: “إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة. إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع.”.

ثم يعرج الخطاب على ما يشبه تشخيصا لهذه المفارقة، ومحاولة البحث عن أسبابها والمسؤول عنها، مع التذكير بالقطاعات التي نجحت فيها الاختيارات التنموية للملك، منها على الخصوص الفلاحة (أخنوش) والصناعة (حفيظ العلمي) والطاقات المتجددة (الباكوري)، في حين القطاعات المرتبطة بالتنمية البشرية والترابية “لا تشرفنا ، وتبقى دون طموحنا”.

التطور السياسي والتنموي مقابل تقاعس الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين

جاء المحور الثاني في الخطاب بمثابة تشخيص لاسباب المفارقة التي تحدث عنها في المحور الأول، وركز الخطاب اساسا على مسؤولية الاحزاب ومسؤولي الادارة، الذين لم يتعاملوا بإيجاب مع “التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة”، بل كان همهم هو التسابق للاستثمار السياسي والاعلامي للنتائج الايجابية، وعندما “لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه”. فهذه النخب حسب الخطاب تنقضّ على النتائج الايجابية لاستثمارها اعلاميا وانتخابيا لصالحها، لكن عندما يكون هناك فشل، تهرب هذه النخب وتختبئ وراء القصر الملكي، حتى لا تتعرض لأي مساءلة ولا محاسبة، وهذا الامر جعل الملك والشعب في صف واحد، يتملكهما الاستياء من العمل السياسي والحزبي، وفي هذا اشارة مضمرة إلى تزكية خطاب الحراك أو على الاقل جزء من هذا الخطاب تجاه الاحزاب السياسية والنخب الحزبية.

يعني أن الخطاب يتقاسم الرأي مع الحراك في مهاجمة الاحزاب واتهامها بالتقصير، لكنه لا يتقاسم معه الرأي في الحل وفي طبيعة مخارج هذا الحل.

ربط المسؤولية بالمحاسبة
للخروج من المأزق الذي وضعنا فيه الفاعل الحزبي والسياسي، أكد الخطاب على ضرورة تفعيل الفقرة الثانية من الفصل الاول من الدستور، بل شدّد على ما اسماه “ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية التي تقول: “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.”(الفقرة 2 من الفصل1)، والمقصود باشارة الملك الى هذه الفقرة هو ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ونفس الشيء تم التركيز عليه في بلاغ الناطق الرسمي بالقصر الملكي على اثر انعقاد مجلس الوزراء الشهر المنصرم، وأعلن عن تشكيل لجنة ثنائية للتحقيق في مصير مشاريع “منارة المتوسط”.

وبل في سياق الحديث عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة تحدث الخطاب عما أسماه الخيانة وهي عندما يقوم مسؤول “بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي، لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب،وإنما هو خيانة، لأنه يضر بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروعة”، ولذلك ليس من المستبعد أن يتم محاكمة من سيرصدهم تقرير لجنتي المالية والداخلية حول تأخر مشاريع منارة المتوسط، اذ حمل الخطاب كل المسوغات التي تهدف الى جرّ حبل هؤلاء إلى أقصى مدى.

حراك الريف .. انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية ودفاع مستميت على “المقاربة الامنية”

ارتكز المحور الثالث في الخطاب على ماخلفه حراك الريف، والذي أبان عن انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية، جاء في الخطاب: ” أبانت الأحداث، التي تعرفها بعض المناطق، مع الأسف، عن انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية “، تجلى غياب روح المسؤولية في تقاذف المسؤولية وحضور الحسابات السياسية الضيقة مقابل غياب الوطن ومصالح المواطنين، كما يتجلى أيضا في غياب المسؤولية لدى بعض الاحزاب التي تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، و الحملات الانتخابية، وغياب تام للتواصل مع المواطنين والبحث عن حل لمشاكلهم وتأطيرهم وخدمة مصالحهم.

أمام غياب التأطير الحزبي والسياسي والفراغ الذي خلفه في الساحة، “وجدت القوات العمومية نفسها وجها لوجه مع الساكنة، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر، وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار. وهنا أقصد الحسيمة، رغم أن ما وقع يمكن أن ينطبق على أي منطقة أخرى.”، يعني أن الفراغ المهول الذي خلفه الفاعل السياسي لم يستطع أن يردمه إلاّ عمل القوات العمومية، الذي نظر إليه الخطاب بوصفه عملا شجاعا التزم بالقانون، ولم يكن تحت وقع الهاجس الأمني.

بدا جليا أن الخطاب في هذا المحور حاول بكل قوة أن يبرئ ساحة مؤسسة الامن من كل تجاوز، وفي ذلك تبرئة لوزارة الداخلية المسؤولة عن هذه المؤسسة، ودفاع عنها أمام سهام الهجوم التي أتتها من كل اتجاه، تتهمها بمسؤوليتها في تأجيج الاوضاع بالريف من خلال المقاربة التي نهجتها. واستفاض الخطاب في هذا الدفاع حين نفى بشكل قاطع وجود تيارين يتحكمان في مؤسسة الامن؛ أحدهما معتدل والاخر متشدد ينتصر للمقاربة الامنية، وفي التذكير أن الامن ليس مسؤولا عن تسيير البلاد، ولا يتحكم في الوزراء والمسؤولين، وليس هو من يحدد الاسعار وتكلفة المعيشة، وفي هذا اشارة أيضا لتبرئة ساحة وزارة الداخلية من تهمة هيمنتها على الحكومة او عرقلة أطرها لعمل المنتخبين ووزراء الحكومة.

مسؤولية الملك أمام التقصير الحكومي

في المحور الاخير الذي جاء بمثابة خلاصة للاختلالات التي رصدها الخطاب في المحاور السابقة، تحدث الملك بما يشبه اعتراف بوجود تقصير في العمل وتخلف المسؤولين عن القيام بواجبهم، لكنه أعاد وأكد أنه لا مسؤولية له في هذا التقصير، وأنه حرص “كل الحرص على احترام اختصاصات المؤسسات، وفصل السلط”، لكن أمام هذا التقصير فإن المهام الدستورية للملك تلزمه ب”ضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم”.

وفي نفس السياق حرص الملك على التنبيه إلى ضرورة تحمل المسؤولية وعدم الاختباء وراء ما اسماه الخطاب “أسطوانة: يمنعونني من القيام بعملي” التي ارتبطت كثيرا بالتدبير الحكومي لحكومة عبد الاله بنكيران، وأقام الحجة على هذا الاختباء غير المشروع حينما أشار الى أن على كل مسؤول أن يقوم بمهامه دون انتظار اذن من أحد، ومن لم يستطع القيام بواجبه فليقدم استقالته، وهو جواب واضح على العديد من وزراء البيجيدي الذين ما فتئوا يهددون بالاستقالة لكن دون أن يتجرأ احد منهم على القيام بذلك.

قراءة في محاور خطاب العرش

بدا جليا أن محاور خطاب العرش تركزت على فكرة أساس مفادها: “ما من حسنة فهي من عند الملك ومن عند وزرات السيادة (الفلاحة، الصناعة، الداخلية/الامن..)، وما من سيئة فهي من المنتخبين والمسؤولين الحكومين والادارين”، ليصل إلى نتيجة أساسها أنه صار الزاميا على الملك بمتقتضى مهامه الدستورية أن يتدخل لضمان ” أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم.”

“بدا جليا أن محاور خطاب العرش تركزت على فكرة أساس مفادها: “ما من حسنة فهي من عند الملك ومن عند وزرات السيادة (الفلاحة، الصناعة، الداخلية/الامن..)، وما من سيئة فهي من المنتخبين والمسؤولين الحكومين والادارين””

كما أن الملك حرص في خطابه على تبرئة كل المؤسسات والفاعلين المحسوبين عليه أو بالاحرى المحسوبين على القصر الملكي، من مسؤولي الامن ومستشاري الملك وغيرهم، وبدا ذلك واضحاً من خلال المرافعة الطويلة حول الامن مقابل تقريع السياسين والمسؤولين الحكومين والادارين، ومن خلال أيضا التحذير من الاختباء وراء القصر الملكي، ولم يقل وراء الملك، وفي هذا دلالة على تبرئة مستشاريه، خاصة فؤاد عالي الهمة الذي تشير إليه الاصابع في مسؤوليته على توتير الاجواء بالريف والاصرار على المقاربة الامنية، فقوله “وراء القصر الملكي” وليس “وراء الملك”، فيه تحذير ضمني من تحميل المسؤولية لأي فرد من مربع القصر الملكي، وفيه أيضا تزكية لكل الفاعلين المحسوبين على القصر الملكي.

كما أنه كان لافتا أن يتجه الخطاب إلى الرد مباشرة على أحد “مرتكزات” العمل الحكومي لوزراء البيجيدي، وهو المرتكز الذي سنّه عبد الاله بنكيران من خلال استعارته المشهورة حول التماسيح والعفاريت التي تعرقل مشاريع الحكومة، فجاء جواب الملك مباشرا، بأن اعتبر هذا الكلام مجرد تبرير للعجز، وأن على المسؤولين أن يباشروا عملهم دون انتظار الاذن من أحد، كما اعتبر هذا الكلام التبريري مجرد اسطوانة يتم ترديدها والاختباء وراءها لمدارة العجز والفشل في التدبير. كما يمكن اعتبار هذا الرد موجه أيضا في عمومه ضد المظلومية التي كانت تختبئ وراءها حكومة عبد الاله بنكيران.

كما بدا في نفس السياق أن الملك يجنب الامن أية مسؤولية حول تدعيات الحراك الشعبي بالريف، وأن المسؤول عما آلت اليه الاوضاع هو الفاعل الحزبي الذي تعامل بمنطق سياسوي مع مشاريع التنمية جلعه يوقف ويعطل بعض المشاريع التنموية لحسابات سياسية، وفي هذا تأكيد على تبني “طرح” حزب الاصالة والمعاصرة وامينه العام الذي خرج قبل أسابيع بتصريحات يتهم فيها الحكومة بمعاقبة ساكنة الريف لأنها صوتت للبام بعرقلة مشاريع “منارة المتوسط” وتعطيل تنزيلها. كما بدا التصويب على عمل الحكومة من خلال قوله في الخطاب أن الامن غير مسؤول على تسيير البلد ولا عن تحديد الاسعار ولا يتحكم في الوزراء والمسؤولين، مما يعني أن المسؤولين عن هذا الوضع هم من يسيرون البلد، ومن يحددون الاسعار والوزراء وباقي المسؤولين، وفي اعتقادنا الاشارة هنا بالتنصيص على “تحديد الأسعار” فيه رسالة اتهام ضمنية الى من كان مسؤولا على تحديد الأسعار او بالاحرى من كان مسؤولا على رفع الاسعار ومن كان يتباهى بذلك.

أمام هذا الوضع المحتقن لم يعد أمام الملك إلا تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وكذا القيام بواجباته الدستورية لضمان امن البلد واستقراره، وفي هذا احالة على اجراءات موسعة سيقدم عليها الملك فيما يستقبل من أيام، هذه الاجراءات لا حدود لها، ويصعب حصرها او حصر توقع طبيعتها، وهي اجراءات متضمنة في فصول الدستور المتعلقة بالملكية، خاصة الفصول: 42 و47 و و51و59، التي تخول له واسع الصلاحيات بدءا من حل البرلمان إلى اعلان حالة الاستثناء.

كان يمكن عدّ هذا الخطاب اقرارا شجاعاً بواقع الازمة والاحتقان لو لم يلجأ هو نفسه إلى الاختباء وراء فشل السياسين والادارين، من أجل تبرئة القصر الملكي والوزارات المرتبطة به، ورمي كل المسؤولية على الحكومة والمنتخبين، إذ حتى بالمنطق الاداري، فالملك هو رئيس الدولة، وهو رئيس كل المسؤولين، وضمنيا يتحمل الرئيس مسؤولية ما يقوم به مرؤوسه. وإذا أخذنا مثال مشاريع منارة المتوسط فإنها وُقّعت أمام الملك، وهذا يفترض وجود متابعة للمشاريع والتحقق من تنزيلها، ولو كانت المتابعة لما حدث توقيف وتعطيل لها لحسابات سياسية، وبمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، ثمة تقصير في متابعة المشروع والوقوف على تنزيله من طرف رئيس الدولة نفسه.

عود على بدء..من النموذج الديموقراطي التنموي الى النموذج الامني التنموي

بالرجوع الى خطاب 9 مارس 2011 الذي قدمناه في هذا التحليل بوصفه الخطاب الأقرب الى خطاب العرش لهذه السنة بالنظر الى السياق الذي حكمه والظروف التي احاطت به، نجد أن ذاك الخطاب جاء موزعا على محورين أساسين: الحديث عن مشروع الجهوية المتقدمة والرهان عليها بوصفها ستكون مدخلا مهما لتحقيق التنمية مبنيا “على حكامة جيدة، تكفل توزيعا منصفا وجديدا، ليس فقط للاختصاصات، وإنما أيضا للإمكانات بين المركز والجهات” (من خطاب 9 مارس)، ثم المحور الثاني المتعلق بالاصلاح الدستوري لدعم مسار الجهوية المتقدمة وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة، مع التذكير على مرتكزات الاصلاح الدستوري المنشود، فقد جاء في خطاب 9 مارس:” تقوية مكانة الوزير الأول, كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي، تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية”

إن خطاب العرش لهذه السنة يعد بمثابة نعي لخطاب 9 مارس، واعلان عن فشل “ترسيخ نموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز”، فلا المؤسسات المنتخبة قامت بدورها، ولا رئاسة الحكومة تحملت مسؤوليتها في التدبير، بل امام كل فشل تلجأ إما الى الاختباء وراء القصر الملكي أو تلجأ الى ترديد اسطوانة “يمنعونني من القيام بعملي”، كما أن رهان خطاب 9 مارس كان هو تقوية دور الاحزاب السياسية وتعزيز الاليات الدستورية لتأطير المواطنين، فإذا بنا نجد أنفسنا أمام “فساد النخب السياسية”، وتقاعس الاحزاب عن اداء مهامها بما جعل القوات العمومية تجد نفسها وجها لوجه أمام الساكنة كما جاء في خطاب العرش. كما أن عمل الجهات ما زال معطوبا رغم مرور 6 سنوات على اقرار دستور 2011، اذ ما زالت مجمل القوانين التنظيمية المؤطرة لاختصاصات الجهة معلقة في ادراج المؤسسة التنفيذية.

إن الرهانات الاساس التي انطلق منها منطوق خطاب 9 مارس كلها تحطمت على صخرة الواقع، وهو المسوّغ الذي اعتمده الملك لإعادة النظر في هذا المسار الذي كان عنوانه تحقيق نموذج ديموقراطي تنموي، ومع التشديد في الخطاب أن كل الاختيارات التنموية للملك صائبة، فإذن المشكل يكمن في الفاعل السياسي والحزبي، بمعنى، بلغة واضحة فإن القناعة التي انبنى عليها خطاب العرش هو أن النخب السياسية المغربية غير مؤهلة للمسؤولية والتدبير الحكومي، وأن عملها يحكمه منطق تصفية الحسابات السياسية، ويهمه تحقيق المصلحة الخاصة دون التفكير في مصلحة الوطن والمواطنين.

إن خطاب العرش هو إغلاق لقوس 2011 والذهاب بعيدا في تنزيل مشاريع اعادة “هيبة الدولة” وتكريس القبضة الامنية، أي أن خطاب العرش هو تأشير واضح على الانتقال من “النموذج الديموقراطي التنموي” الذي كان يحاول أن يؤسس له خطاب 9 مارس تحت ضغط الشارع، إلى “النموذج الأمني التنموي” الذي يؤسس له خطاب العرش لسنة 2017. بيد أن السؤال المحرج الذي يلخص كل القصة هو: من المسؤول عن “تمييع” العمل الحزبي وضعضعة الأحزاب السياسة؟ ثم من المسؤول عن التحكم في العملية الانتخابية والسياسية وحشرها في الزاوية الضيقة؟ من المسؤول عن مقاطعة جزء كبير من المغاربة للعملية السياسية المسيجة بالاشتراطات المخزنية؟

مستقبل التعامل مع حراك الريف على ضوء خطاب العرش
من خلال التشخيص الذي قدمه الخطاب لما يمكن اعتبارها أسباب حراك الريف والاحتقان الذي يعيشه المغرب بصفة عامة، فإننا مقبلين على “استراتيجية عمل” مبنية على ثنائية الامن والتنمية، بمعنى أن القبضة الامنية ستتكرس اكثر فأكثر، مقابل الشروع في تنفيذ بعض المشاريع بالمنطقة.
إن المرافعة الطويلة التي تضمنها خطاب العرش مؤشر مخيف على تزكية القبضة الامنية واطلاق يدهم، فإذا كان الملك احتفى بالدور الذي قامت به قوات الامن من خلال وقوفها في وجه الساكنة عندما انهارت مؤسسات الوساطة، فإنه سكت بالمقابل عن التجاوزات الخطيرة التي اعترف ببعضها وزير الداخلية نفسه، كما ذكرته تقارير مؤسسات الدولة مثل المجلس الوطني لحقوق الانسان، لكن مع اصرار الخطاب على التنويه بعمل القوات العمومية لأنها “تحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر، وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار” وعدم الاعتراف بوجود تجاوزات، فإن ذلك يعني منخ الضوء الاخضر للقوات العمومية لتستمر في عملها وتواصل سعيها للحفاظ على الامن والاستقرار، مما يعني أن التدخلات الامنية ستستمر، كما ستستمر الاعتقالات والمداهمات وجميع المضايقات.

خلاصة:

إن خطاب العرش انبنى على ترسيخ تصور عام مؤداه إعلان فشل “النموذج الديموقراطي للتنمية” بسبب فساد النخب السياسية، وانعدام كفاءتها، وتملصها من المسؤولية عبر الاختباء وراء القصر الملكي أو وراء مبرر “يمنعونني من القيام بعملي”، وفي اعلان هذا الفشل تأكيد على اقرار نجاعة ما يمكن تسميته ب”النموذج الامني للتنمية”، وهو النموذج الذي سيتم التعامل به مع ملف حراك الريف، وهو قائم على شقين: أولا؛ ممارسة الملك لمهامه الدستورية المفتوحة على عدة اختيارات حسب منطوق الدستور، وهذه الاختيارات يمكن أن تتوسع اكثر فاكثر باستحضار “روح الدستور” كما جاء في بلاغ اعفاء عبد الاله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة مع تشديد المقاربة الامنية، و ثانيا؛ تنزيل بعض المشاريع التنموية على شاكلة “المغرب الاخضر” ومشروع “الطاقات المتجددة” وجلب الاستثمارات الخارجية. كما يبدو جليا أن القصر الملكي وجد في طبيعة التدبير السياسي لحكومة بنكيران مناسبة لتحقير الفاعل السياسي وتصويره بمثابة كائن لا يسعى إلا إلى تحقيق مصلحته الخاصة دو أن يعبأ بالوطن ولا بمصالح المواطنين، ورميه بالتقصير وانعدام الجرأة في تحمل المسؤولية في الكشف عن معرقلي الاصلاح أو اعلان الاستقالة في حالة الفشل، واذا كان هذا التوصيف صحيح في مجمله، لكن الذي غفله الخطاب عن سبق اصرار هو الكشف عن طبيعة الأسباب الحقيقية التي جعلت الفاعل الحزبي كذلك، وطبيعة المناخ الذي جعل التدبير الحكومي يتأرجح بين الجبن في الكشف عن معرقلي الاصلاح والجبن في اعلان الاستقالة في حالة الفشل، لذلك فالمقاربة الامنية لا يمكن أن تكون حلا ناجعا، الحل الناجع يكمن في الذهاب الى جوهر المشكل القائم اساسا على تحكم السلطة في رقاب العمل السياسي الحزبي، والعمل على اضعاف عمل المؤسسات المنتخبة، بغض الطرف عن اغراقها ب”كائنات سياسية” صُنعت على المقاس، همها الأساس الاقتيات على الريع وتسمين المصلحة الشخصية، بمعنى أن الحل لا يكمن في تشديد القبضة الامنية وتحقير العمل الحزبي، بل بمزيد من الديموقراطية وفتح المجال السياسي أمام كفاءات الوطن عوض إعمال منطق التدجين والخضوع للتعليمات.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة