داعش :موت الرّاوي

                   اننا جميعا نعيش في رواية كبيرة ولكننا - وبكل اسف - مجرد شخصيات ثانوية فيها الى درجة انه يمكن الاستغناء عنا تماما دون ان يخل ذلك ببنيتها او ان يضعف من حبكتها ،على هذا النحو تم اختيار الإطار المكاني : "العراق والشام" حيث الثقل الحضاري و الثقافي والسياسي والتاريخي والوجداني و الرمزي للامة العربية وعلى هذا الاساس السردي ايضا تحدد الاطار الزماني فبدت الاحداث وكانها في سياق انتقامي لكل الاهانات التي لحقت بالعرب بدءا من مسرحية محاكمات القيادات الوطنية وصولا الى سجون ابو غريب وملاحقة المقاومين الذين تصدوا للغزو الامريكي . هكذا لم يعد ينقص الرواية الا عنوان جذاب هل اكثر جاذبية من عنوان " دولة الاسلام في العراق و الشام" وهو بلا شك عنوان يستحضر صورة الخلافة وحكاية السّحابة التي سيعود خراجها إلينا حيث أمطرت زمن قيادة العرب العالم اما الموضوع العام لهذه الرّواية / الفلم الهليودي فهو " الجهاد" ولكنه - وهذا ما التقطته وجهة نظر الراوي - ليس جهادا يستهدف المحتلين والغزاة و العملاء ولا هو ضد الصهيونية حيث يجري - بدم بارد - تطهير  عرقي لعرب فلسطين و قد كانت "الرواية" ستجد من يصدقها او يبررها لو اختطت داعش سبيل ملاحقة المحتل وجميع من تواطأ معه اوسهّل غزوه ، او تبنت خطابا وسلوكا يعتبر الكيان الصهيوني (وهو المستفيد الحقيقي من غزو العراق وتدمير جيشه) عدوا يستوجب المواجهة . ولكن ممارسات داعش الوحشية الصادمة ضد ابرياء ذنبهم انتماءاتهم المذهبية او الدينية فاقت وحشية المحتل وجرائمه. وهكذا اقترن بروز داعش بالذبح والسبي للنساء وبيعهنّ واغتصابهنّ ، والقتل الوحشي والتدمير والترويع والصلب والتنكيل بالجثث ، وتعليق رؤوس الضحايا على الرماح، وصولا الى حرق الرهائن او دفنهم احياء. تبدو داعش وكأنها تحاكي ما سوّقته رواية الاستشراق الغربية التي تختزل "العرب" وعموم "اهل الشرق" كمجموعة من المتوحشين، مصابين بغريزة جنسية منفلتة، وغالبيتهم يحتفظ بالجواري والسبايا ويمارسون جز اعناق البشر. 

        ويبدو أنّ الإثارة القصصيّة هي التي اقتضت - لهدف التّشويق- أن تبدأ الرّواية / الفلم على نحو هليودي مثير إذ يُفتتح الفصل/ المشهد الأوّل منها بـ "الصّدمة المروّعة": ذلك المشهد البرتقالي حيث يُساق الضّحايا إلى الموت البشع ذبحا او حرقا في طقوس تستحصر فكرة الانتقام لمعتقلي ابو غريب وبوكا وغوانتنامو ثمّ تتوسّع دائرة الأحداث المثيرة في الفصل السوري مع داعش ومشتقاتها من خلال ممارسة اضافية مبتكرة في فنون الرذيلة والفسق والفحش والفجور والدعارة، بادخال ما أطلق عليه "جهاد النكاح،" حين تنتشر في مراكز ومقار المجموعات التكفيرية المسلحة جداول تعلق على الجدران لهذا "الجهاد المزعوم،" عدا عن "الاستراحات" الخاصة للعائدين من مواقع القتال لممارسة الرذيلة مع من اُخِذْن سبايا، اواللواتي غرّر بهن للالتحاق بهذه الجماعات المنحرفة المهووسة باشباع غرائزها الجنسية ، دون اي وازع ديني او اخلاقي، رغم ادعائها أوتمسحها بالدين ، وتبررهذه المارسات الفاحشة الداعرة بفتاوي حسب الطلب من منحرفين وموتورين ومزورين للدين ، او مجتزئين لبعض النصوص او الاحاديث في تفسير تعاليمه التي تتناول العلاقات الاجتماعية او التعامل مع المرأة ، في محاولات يائسة وبائسة لاسباغ مشروعية اوغطاء ديني على هذه الممارسات المشينة. هكذا تتوفّر هذه الرّواية على كلّ مقوّمات التشويق الدّين و الجنس والانتقام والكبت وتؤدّي المرأة فيها دورا يحبس الأنفاس إذ توظّف "الدولة الإسلامية" الجنس بصورة وحشية كوسيلة لتجنيد المقاتلين، فقد نشر التنظيم على موقعه على الانترنت دليلا[5] يضم 32 سؤالا وجوابا حول كيفية معاملة السبايا أطلق عليه "دليل نكاح السبايا"، أكد فيه السماح باغتصاب وبيع وهبة الأسيرات، وأنه يمكن مضاجعة الأسيرة إذا كانت بكراً "مباشرة بعد الملك"، وإن لم تكن بكرا ينبغي الانتظار للتأكد من أنها غير حامل . ويتبين من الاسئلة والاجوبة التوظيف الخاطئ للنصوص الدينية في سياقات منحرفة ومرفوضة أصلا من جميع الأديان والقوانين الوضعية. ويبيح الدليل للرجال ممارسة الجنس مع "السبايا" اللواتي لم يبلغن بعد إذا كن صالحات للجماع، وفي حال لم يكن صالحات فيُكتفى "بالاستمتاع بهن" . ويصنف داعش الفتيات، بحسب تحقيق لصحيفة "تايمز" البريطانية، إلى مجموعات عمرية واستنادا إلى مستوى التعليم، وما إذا كان قد سبق لهن الزواج أم لا، أو سبق أن تم شراؤهن من قبل داعشيين أو كنّ بحوزة أي من المقاتلين كهدية أو جائزة. إن التنظير الخاص بالمرأة لدى التنظيم، على عكس الإسلام، يتركز حول كيفية استخدامها في الجنس والمتعة. فتنظيم "الدولة الإسلامية" لا يرى المرأة خارج حدود الفراش، بل إنهم يجبرون أهالي الفتيات على المشاركة في انتهاك الحقوق الجنسية للفتيات، فقد جاءت فتوى الختان التي تجبر ملايين النساء على ختن أعضائهن التناسلية وتشويهها، ويقوم بالعملية بحسب الفتوى أحد أفراد داعش. وقد يتم جلب ولي أمر الفتاة للمطهر الداعشي للمساعدة في ختن ابنته. ولكي يسبغ التنظيم شيئا من المشروعية "من المنظور الإسلامي" على ممارسة الجنس بهذه الطرق المنحرفة أطلق ما عرف باسم "جهاد النكاح" والتي يُقال أن فتاوى من بعض الدعاة اصدرتها او رُوّجت عنهم ، وتقضي الفتوى بأن تذهب الفتيات من هن فوق الرابعة عشر من أرجاء المعمورة إلى سوريا تلبية لرغبات المجاهدين الجنسية وتشجيعا لهم على القتال. وإذا كانت ممارسة الجنس بأي شكل أو تحت أي اسم، عامل جذب للشباب المكبوت، فإن "جهاد النكاح" نجح في جلب عدد غير قليل من الفتيات المكبوتات أو المغرر بهن . ويتم تزويج الفتيات بأعضاء داعش بعقود شفهية وعلى مراحل، ويجوز انتقال الفتاة من رجل إلى آخر من خلال تطليقها شفهيا ايضا. وتلزم الفتوى النساء بممارسة الجنس بصورة متكررة في اليوم الواحد لإشباع رغبات "المجاهدين"، مقابل ذلك يحق للفتاة الحصول على لقب "مجاهدة" وهو مفتاح دخول إلى الجنة. وبصرف النظر عما إذا كانت الفتوى قد صدرت عن الذين نسبت اليهم ، فإن "الدولة الإسلامية" استخدمتها إعلاميا لجلب المقاتلين، كما أن تصريحات لحكومات مختلفة بينها التونسية والبلغارية أكدت التحاق شابات من بلدانهم للتنظيم بهدف ممارسة "الجهاد الجنسي". المرأة سلعة وعورة؟! إن تعامل "الدولة الإسلامية" مهين لإنسانية المرأة ومركزها الاجتماعي إيا كانت عقيدتها، إذ أن تعليمات التنظيم لا تقتصر على كيفية معاملة الأسيرات فحسب (وإن كن أكثر من تعرض للظلم والمهانة )، بل النساء بشكل عام، وتدور تلك التعليمات حصرا حول كيفية مضاجعة المرأة. هذه المرأة ذاتها تصر "الدولة الاسلامية" على تغييبها ومحو آثارها كما لو كانت غير موجودة الا سلعة لاشباع غرائز الرجال. يتضح ذلك من خلال إصدار داعش قائمة شروط[6] توضح أن المرأة كلها عورة ولذلك تُمنع من التعليم ويُحتم عليها البقاء في البيت وعدم الخروج دون محرم. وحظر التنظيم على المرأة ارتداء أي شئ غير "اللباس الإسلامي" الذي يحجبها تماما ولا بد أن يكون باللون الأسود، كما منع بيع الملابس المزخرفة والضيقة أو وضع ملابس نسائية على واجهات المحال، واغلاق محلات الخياطة النسائية التي يعمل فيها ذكور، لا بل حتى العيادات النسائية التي يعمل فيها أطباء ذكور، ويمنع اختلاط النساء مع الرجال في الأسواق والأماكن العامة، كما لا يُسمح للمرأة بالجلوس على الكراسي! ربما لأنها من قرائن السلطة والهيمنة. وكما تم الاشارة سابقا يستشهد التنظيم في الدليل الذي نشره بعنوان "السبي والرقاب" بآيات من القرآن لتبرير أفعاله ضد المرأة . الجنس واستعباد النساء هو محور هذا الدليل الذي يهدف إلى اغراء أكبر عدد ممكن من الشباب وضمهم ل"لدولة الإسلامية".

         مكتسبات أومنجزات عديدة ومفاجئة يستطيع مؤلّفو هذه الرّواية  ان يتباهوا بها مثل الجغرفيا الشاسعة، و الفضاءات المنفتحة التي تميّز الأحداث الاسلحة المتنوعة والنوعية والاموال الطائلة المتأتّية  من السيطرة على مرافق حيوية للطاقة والمنتجات والاستيلاء على البنوك او الابتزاز بفدية الرهائن او الضرائب المفروضة في مناطق السيطرة ، القدرات القتالية والخبرات المتميزة للمقاتلين، السجل غير المسبوق في الذبح والتقطيع والقتل والتعذيب والترهيب والتدمير والسبي والاغتصاب والتنكيل والصلب والحرق ....، الايحاء لقطاع واسع في الوطن العربي الذي خضع ولأعوام لحملات اعلامية ودعائيةمركزة تؤجج الانقسام المذهبي وتغرق  في التحريض لكراهية الآخر ، وهو ما يجعله مهيأ معنويا ودينيا لتقبل من يزعم بقدرته على تجسيد التمثيل الأقوى لطموحاته او آماله ، ودغدغة مشاعره المذهبية التي تم شحنها وتوظيفها بعيدا عن المصلحة الوطنية الجامعة وتجاهلا لقضايا مصيرية. ولكن الوقائع العنيدة تشير الى طفرة مؤقتة بالتعاطف وبداية الانحدار البياني في منحنى تقبل التنظيم من قبل البيئة التي يتحرك فيها أكانت مغلوبة على امرها ام تنتظر فرجا من احوالها البائسة. لم يتمكن الخليفة المزعوم من الظهور بالحد الادنى المنتظر امام رعيته المفترضة او حتى مخاطبتها بتسجيلات ، على طريقة بن لادن او الظواهري مما يسقط ذريعة الحرص الأمني ، ولم تثبت دولته المزعومة بالممارسة انها نموذج اونواة الدولة العتيدة المرجوة التي تستحق الولاء والتأييد. لا بل ان هناك شبه اجماع على انكفاء وتراجع القدرات القتالية او الفعالية لدرجة خسارة مواقع احتلتها ،وذكرت تقارير اخبارية عن انسحابات وعمليات اعدام ميدانية لمقاتلين ينهزمون او يفرون من ميدان القتال.خرافة "الدولة الاسلامية" وميزان التاريخ خرافة الخليفة والخلافة والدولة تتبدى مع مرور الساعات والأيام.، والثابت انها تتكشف عن كونها مجرد عصابة تحركت في شقوق الاستباحة والعجز عن حسم الدولة الوطنية في كل من سوريا والعراق للصراعات الداخلية او المؤامرات الخارجية. وفي حالة العراق تحديدا ما هي الا نتاج متأخر لمفاعيل الاحتلال الاميركي.تنظيم داعش يقف بفحشه عاريا ,وقد نُزع عن جلده كل ما حاول ارتداءه من هالة دينية ،وطنية اونضالية ، ويبدو الانجاز الاساسي اوالمنتج الاساسي له قبل ان يرمى الى مزبلة التاريخ انه اضاف الى تاريخ الاجرام بحق الانسانية والفسق فصولا هي الاشد بشاعة ، وبدلا من ان نوثق لهذه الحقبة باصدارات من الكتب تروي عن البسالة والتحدي والشهادة في ساحات المقاومة والشرف من اجل فلسطين السليبة وحماية الوطن او استرداد المقدسات ،نكتشف أنّ محفوظات داعش مكرسة لكتب وتعليمات عن "جهاد النكاح ودليل نكاح السبايا " و لتصوير متقن لأفلام القتل والذبح والحرق. رواية مثيرة ستنتهي حتما بموت الرّاوي وهذا مبلغ الإثارة فيها. 




شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة