دراسه علمية حديثه الكرم يجلب السعادة

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 15

الناس غالبًا ما يكونون أسخياء، على الرغم مما قد يترتب على هذا السلوك من تكلفة مادية، ولعل السبب وراء ذلك كما يبرهن لنا العلم الحديث، هو أنهم يشعورن بالسعادة كلما أتوا فعلًا أو تصرفًا كان عنوانه الكرم والسخاء.

هذا ما ما انتهت إليه دراسة منشورة في دورية نيتشر كومينوكيشين، الأسبوع الماضي، فوفق فريق من الباحثين بجامعة زيورخ الألمانية، هناك وصلة عصبية بين مناطق الدماغ التى يجري تفعيلها عندما يمارس أحد الأفراد سلوك الكرم، وتلك المنطقة المسؤولة عن الشعور بالسعادة.

وتقدِّر المجتمعات والثقافات سلوك الكرم، ولكن ولأنه يدفع صاحبه إلى استثمار موارده الخاصة دون مقابل مادي، كان من الصعب تفسيره باستخدام المنطق الاقتصادي المتعارف عليه، كما هو الحال فيما يتعلق بالتبادلات المادية بين البشر. ومع ذلك، اقترحت عدد من الأبحاث العلمية أن الدافع وراء سلوك الكرم هو ما يرتبط به من زيادة الشعور بالسعادة لدى أصحابه، ما يعزِّز رغبتهم في مزيد من الكرم والعطاء.

تقول سويونغ بارك -الباحثة في جامعة زيورخ-  في تعليقها على نتائج الدراسة لـ«للعلم»: "هناك العديد من الدراسات السلوكية التي توصلت إلى أن سلوك الكرم يؤدي إلى الشعور بالسعادة، ولكن لم يكن واضحًا لماذا وكيف بالضبط ترتبط هاتان العمليتان داخل أجزاء الدماغ".

وللتحقيق في آليات الدماغ التي تربط سلوك الكرم بالسعادة، عملت بارك وفريق عملها، على تحليل نشاط الدماغ في 50 مشاركًا قاموا بأداء مهمة إنفاق المال، إذ أُبلِغوا بأنهم سيحصلون على 25 فرنكًا سويسريًّا (حوالي 26 دولارًا أمريكيًّا) ينفقونها كل أسبوع، ولمدة أربعة أسابيع، لهذا الغرض البحثي.

أُبلِغ نصف المشاركين بأن هذه الأموال هي لأنفسهم، وطُولبوا أن يكتبوا كيف سينفقونها (على سبيل المثال، في شراء وجبة لأنفسهم)؛ في حين أُخبر النصف الآخر من المشاركين بأن الأموال ستُنفَق على شخص آخر، وطُلب منهم أن يكتبوا كيف سينفقونها (على سبيل المثال، دعوة صديق أو شريك إلى العشاء).

وجد الباحثون أن المشاركين الذين التزموا بإنفاق أموالهم على الآخرين كان لديهم المزيد من النشاط في منطقة معينة من الدماغ مرتبطة بالشعور الشخصي بالسعادة. أخْذ كل نتائج الدراسة مجتمعة معًا بعين الاعتبار، يكشف لنا عن مناطق الدماغ التي تربط الالتزام الناجم عن سلوك الكرم (السخاء) مع شعور الأفراد الأسخياء (الكرماء) بالسعادة، وفق بارك.

تعهد المشاركين

تعهد المشاركون بإنفاق المال على مدى الأسابيع الأربعة التالية على آخرين (المجموعة التجريبية) أو على أنفسهم (المجموعة الضابطة). بالمقارنة مع أفراد المجموعة الضابطة، اتخذ المشاركون في المجموعة التجريبية خيارات أكثر كرمًا وسخاءً في مهمة لصنع قرار مستقل عن القائمين على الدراسة، ظهرت خلاله زيادات أقوى في مستويات السعادة المبلَّغ عنها ذاتيًّا من قبلهم.

وللبرهنة على ذلك بالدليل العلمي، استخدم الباحثون في هذه الدراسة تقانة التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي functional magnetic resonance imaging وتُعرف اختصارًا بـfMRI، بالإضافة إلى تعهد المشاركين بسلوك مسلك الكرم في المستقبل، وذلك للتحقيق في آليات الدماغ التي تربط سلوك الكرم بارتفاع مستويات السعادة.

ويعطي التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي صورًا عن نشاط الدماغ تستند إلى قياس زيادة تدفُّق الدم في باحات معينة من الدماغ، مما يساعد على دراسة البشر في أثناء خضوعهم لاختبار كيفية تحفيز ظواهر سلوكية معينة في الدماغ.

أظهرت نتائج الدراسة أن القرارات السخية أشركت منطقة الموصل الصدغي الجداري temporo-parietal junction (TPJ) بالدماغ في المجموعة التجريبية أكثر مما كانت عليه في المجموعة الضابطة، وعدلت بشكل أكبر الاتصال بين منطقة الصدغي الجداري والمنطقة البطنية المخططة ventral striatum المسؤولة عن الشعور بالسعادة.

تعلق بارك على الأمر بقولها: "يبدو أن منطقة الموصل الصدغي الجداري تُرمِّز قرارات الكرم والسخاء، وقد ارتبط ذلك بالزيادة في مستويات الشعور بالسعادة، وما أثار انتباهنا هو أن المنطقة المسؤولة عن سلوك الكرم تغيرت مع ارتباطها بالمنطقة المسؤولة عن السعادة في الدماغ عند الإتيان بفعل الكرم"، مضيفةً أن هذا ما فسرناه عمليًّا بوجود وصلة عصبية بين المنطقتين تربط بين سلوك الكرم وشعور السعادة. وشددت بارك على أن "الأمر يرتبط بأشكال العطاء والكرم كافة".

الدوافع النفسية

هذه النتائج تثبت أن السيطرة من المنطقة المعنية بالسعادة في الدماغ على النشاط في المنطقة المسؤولة عن سلوك الكرم تؤدي دورًا أساسيًّا في الربط بين سلوك الكرم والإحساس بالسعادة. ببساطة، سلوك الأفراد مسلك الكرم ينشط ما يُعرف بمنطقة الإيثار في الدماغ، ويؤدي إلى تفاعُل مكثَّف بين مجال هذه المنطقة والمنطقة المرتبطة بالسعادة، وفق قول فيليب توبلر -الباحث في قسم الاقتصاد بجامعة زيورخ- لموقع ساينس دايلي، والذي يشدد على أنه "من الملحوظ أن النية وحدها تولِّد تغييرًا عصبيًّا حتى قبل تنفيذ سلوك الكرم فعليًّا".

وتستفيد المجتمعات البشرية من سلوكيات أعضائها الأسخياء، مثل التبرُّع للجمعيات الخيرية أو التطوُّع ولو  مرةً واحدة في نشاط خيري. وعلى الرغم من أن السلوك السخي مكلف، إذ ينطوي على استثمار الموارد الخاصة بأحد الأفراد لمصلحة الآخرين، إلا أنه سلوك شائع. لهذه الأسباب، تفشل النظرية الاقتصادية في تفسير سلوك الكرم، بينما استطاع العلم أخيرًا تفسير الدوافع النفسية التى تقف وراءه لدى البشر.

وكان عدد من البحوث السابقة في مجال علم النفس قد اقترح أن الدافع المحتمل للسلوك السخي هو زيادة الشعور بالسعادة التي يرتبط بها، إلا أنها المرة الأولى التى ينجح العلماء في استخدام تقنيات تصوير الدماغ في البرهنة على صحة ذلك الطرح. على سبيل المثال، وجد دان وفريقه البحثي في بحثهم المنشور عام 2014 في دورية برسونالتي وسوشيال سيكولوجي Personality and Social Psychology تحت عنوان "الإنفاق الاجتماعي والشعور بالسعادة" أن إنفاق المال على الآخرين يُنبِئ بزيادة في الشعور بالسعادة. جرى تدعيم هذه النتائج بالدراسات التجريبية عبر الثقافات والمراحل العمرية المختلفة، والتي أظهرت أن المشاركين الذين أنفقوا المال (أو الحلويات) على الآخرين سجلوا مستويات أعلى من السعادة مقارنة بأولئك الذين أنفقوا المال (أو الحلويات) على أنفسهم. وهذا يتماشى مع فكرة أن السلوك السخي الذى يتحرك مدفوعًا بالمشاعر الإيجابية أو ما يطلق عليه اقتصاديًّا (التوهج الدافئ).

وظاهرة التوهج الدافئ هي ظاهرة اقتصادية وصفها جيمس أندريوني James Andreoni في عام 1989، في محاولة لتفسير لماذا يعطي الناس أموالهم ووقتهم للجمعيات الخيرية من خلال الانخراط في سلوك إيثاري، في مقابل ذلك الشعور العاطفي الإيجابي الذي يحصلون عليه عند مساعدة الآخرين.

وعلى الرغم من العلاقة الواضحة بين الدوافع التى تقف وراء هذا السلوك والإتيان به، لكن لم يكن لدينا فهم للكيفية التي تربط النشاط العصبي في الدماغ بالكرم والسعادة، وفق بارك.

ومن خلال التجارب، وجد الباحثون أن الناس الذين تصرفوا بكرم كانوا أكثر سعادةً من أولئك الذين تصرفوا بأنانية. ومع ذلك، فإن الزيادة في معدلات الإتيان بسلوك الكرم لا ترتبط بالضرورة بالزيادة في الشعور بالرضا، كما يقول فيليب توبلر: "لست بحاجة إلى أن تصبح شهيدًا للتضحية بالنفس كي تشعر بالسعادة، لكن القليل من الكرم سيكون كافيًا".

وفيما يتعلق بإذا ما كانت هناك أي خطوات أخرى تالية لهذه الدراسة، تقول بارك: "نعم بالفعل هناك الكثير من الخطوات التى نشرع في اتخاذها لاختبار أية طرق ومتغيرات أخرى يمكنها أن تزيد من القرارات المتعلقة بسلوك الكرم".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة