سيمون

  • الكاتب saida saadi
  • تاريخ اﻹضافة 2016-12-30
  • مشاهدة 8

الاحد الساعة ١٤:٠٠ موعد آخر متجدد مع البراءة.. لا أحتاج معه لأي قناع إجتماعي لأضعه على وجهي من قبيل ما قد يحتاجه المرؤ وهو يتعامل مع الاخرين ؛ وحتى مساحيق الجمال لا احتاج منها إلا إلى القدر الناعم الذي يرضي نفسي عن نفسها فقط.. لأن الذين ألقاهم يتنفسون طهرا ونقاوة وبراءة ويرون ضيوفهم دائما من الداخل قبل الخارج عبر بوابة الروح .. وهم وحدهم يملكون مفاتحها السحرية ... لأن الكبار يضيعونها غالبا في رحلة العمر ... دائما ما يكون اللقاء الأول لقاء خاصا جدا ؛ تزاحم فيه الاحتمالات بالمشاعر؛ أحاول في كل مرة أن أتخيل كيف سيكون وجه مستضيفي الكريم هل سيكون كجون أيوب الافغاني الاصل الشقي المليء بالحركة أو نيكو المختلط العرق ما بين حرارة سكان أمريكا اللاثينية وجدية العرق الالماني ، أو دارشا أو داريا المجنونة ، المغامرة،التي لا تعرف المستحيل الروسية الاصل المتبناة من طرف والدين ألمان . تلك الأسماء التي ترفض ذاكراتي أن تلفظ صور أعينهم البراقة إلى ما وراء حدود الذكرى ، كما تفعل مع كثير من المقنعيين المتطفليين على خلايا الذاكرة القصيرة . لكن موعد هذا الأحد لم يكن الأول؛ فكان ذهني صافيا وتركيزي حاضرا صرفت جله على لون الفستان المفترض أن أرتديه والمفترض أن يعجب سيمون ... تلك الطفلة التي كتب لطفولتها أن تدوم أكثر من سائر الأطفال دون أن تستطيع هي أن تكون كباقي الاطفال؛ الناظر إليها لا بد أن ينجذب لشعرها الأسود الحريري ، وينتبه لذلك الميلان العرضي في شق العين مع جلد زائد في الزاوية الداخلية ؛ ثم يتيه في ملامح ذلك الوجه المسطح ذي الذقن الصغير والعينين الضيقتين اللتين يتوسطهما مباشرة في الأسفل أنف ...... ، وعندما يتطلع على طولها وقدها سيتوهم حتما أنها في الخامسة عشر أو السادسة عشر بخلاف سنها الحقيقي الذي لم يجاوز 10سنوات تزوره مظاهر الانوثة الكاملة التي تمتلكها سيمون . أنوثة كاملة ملفوفة في قيد طفولة دائمة فرضها على سيمون مرض اختارها ولم تختره ! مرض متلازمة دوان أو البلاهة المنغولية كما يسميه أهل الاختصاص والذي ينتج عن وجود نسخة إضافية من الكروموسومات تسبب تغييرا في المورثات ، ويفرض على ضحيته ضعفا في القدرات الذهنية ؛ تأخرا في الكلام ونقصا في المهارات الحركية الدقيقة ،إضافة إلى إنحسار العمر العاطفي والاجتماعي والذكائي مقارنة بباقي الاطفال العاديين مع إتساع الفرق مع الزمن ... وجدتني اقتحم حياتها ؛ وتقتحم حياتي هي أيضا بلا شك ، لأسهر على بعض راحتها من خلال تعليمها السباحة مرة في الاسبوع لمدة ثلات ساعات مقابل اجرة تتكفل بها شركة التامين الصحي هنا بالمانيا ، مع تنقل مجاني بصفتي مرافقة لمواطنة ألمانية ذات احتياجات خاصة قرر وطنها أن يترجمها في إجراءات فعلية من رعاية وتسهيلات تضمن لها العيش الكريم والكرامة في العيش ومن ذلك أنها تحمل بطاقة تمكنها ومرافقها الشخصي من العديد الامتيازات كزيارة كل المرافق العمومية كالمسابح وحدائق الحيوان ومراكز الرياضة بالاضافة الى التنقل المجاني افي وسائل النقل العمومية وزد على ذلك الكثير الكثير الكثير

كنت وسيمون نستغرق حوالي 30 دقيقة للوصول الى المسبح .. وتمر الأمور عادة بسلام وفي سلام سوى في المرات التي تختارفيها أن تكلم نفسها أو شخصا خفيا لا أراه دوما ؛ طبعا؛ بكلمات متقطعة غير مفهومة البتة ، فتمرعلى جسدي قشعريرة مفاجئة من الخوف الطبيعي لكن غير المبرر .. إلا ربما في تلك المرة التي فاق صراخها و ولولتها حدود طاقة تحملي لكن ذلك لم يمنعني من ضمها إلى صدري وتقبيلها كما الأم كي أمتص خوفها وأزرع أول بذور الثقة بيننا ، وقد نجحت ... بدأت رحلة تعلمها السباحة و كانت تخاف الماء بشدة لكنهامع مرور الايام تعودت وإستأنست وصارت تلعب أكثر مما تتعلم .تضرب مرة هذاوتلقي بهذا ، تأخذ لعب هذا ومرات تأتي إلي بدون سابق إنذار وتقبلني وتضمني بكل قوة وتقول لي احبك! كم كان ذلك صادقا و مؤثرا ... مرت الايام والشهور ولم تتعلم سيمون السباحة ! صارحت والدتها باني لا استطيع تعليمها السباحة لانها ترفض ذلك بقوة وتصبح احيانا عنيفة مع الإجبار ،فقررنا انا وولدتها الاستعانة باستاذة للسباحة ؛ وكم كان ذلك غاية في الصعوبة لانها كانت تحتاج داىما الى مرافق.. لم تستسلم الام بل صابرت وكافحت حيث بدات سيمون تتردد على المسبح ثلات مرات اسبوعيا عوض واحدة .و في هذه الفترة اخذت اجازتي الصيفية التي اقضيها داىما في بلدي الحبيب حيت بقدر ما أفرح بأهلي وعزوتي لا أنفك اشتاق سريعا إلى حياتي المنظمة الجديدة التي أصبحت أفضلها على حياة الفوضى والارتجالية واللامبالاة وأشتاق إلى سيمون كما اشتاق إلى المسبح .. ففي بلدي المسابح مسألة معقدة جدا ... بعد عودتي زرت سيمون وذهبنا للتدريب كالعادة ،لكن العادة تكسرت هذه المرة ، فقد تعلمت سيمون السباحة ، نعم فعلتها ، و بعد ثلاث دورات جاءت عندي لاهثة وتقول بانفاس متقطعة وعينيها تملؤهما دموع الفخر.. لقد فعلتها ..في هذه المرة كانت كلماتها واضحة المعنى ومحاورها ليس وهميا أو خفيا بل حقيقيا.. هو أنا ! كانت تعي ما حققته ، لقد انجزت هدفا واضحا بفضل العزيمة والصبر والمثابرة وأضافت شيئا لحياتها ، انها تستطيع ان تسبح كباقي الاطفال وتستمتع بقدراتها التي وهبها الله . صحيح أن الصحة العقلية والجسدية ثم الموهبة عوامل قد تختصر لك الطريق لكنها لن توصلك حتما إلى النهايته السعيدة بمفردها . انجاز سيمون باختصار هو انجاز طفلة وأم ومرافقة وأساتذة و وطن ! فمتى يا ترى سنعيش في أوطانا مثل هذه الانجازات ؟ اننا في بلدان العالم الثالث نحتاج إلى الايمان بانفسنا واطلاق العنان لاحلامنا .. أحلام بغد أفضل ، من خلال تطوير ذواتنا عبر برامج وحملات ولم لا مواد تضاف الى التعليم تبعث العزم والارادة الحرة في النفوس يتعبأ الجميع لنجاحها في اطار مشروع جماعي يربح فيه الجميع . إننا نحتاج بلا شك إلى وقفة تأمل من أجل تغيير إيجابي ..فقد قيل تغير يتغير قدرك مع كامل مودتي

 والى الملتقى مع مقال آخر

سعيدة اسعادي

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة