اشكالية الفقر بالمغرب الواقع والتحديات

  • الكاتب Youssef Zarouk
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-14
  • مشاهدة 4

يوسف زروق

يدلّ مفهوم الفقر على وجود أوضاع وظروف معيشية لفئات اجتماعية، وهي أوضاع تتسمم بالحرمان على مستويات مختلفة: الدخل (أو انعدامه) والغذاء والملبس والسكن والتعليم والصحة. وبصفة عامة الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية. كما يعرف الفقر على أنه عدم القدرة على بلوغ الحد الأدنى من الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يحيا حياة كريمة. والفقر له أبعاد وأشكال متعددة، هناك بعد اقتصادي، إنساني، سياسي، سوسيو ثقافي...

    أولاً : مؤشرات قياس معدلات الفقر ·                   المؤشر المتعدد الأبعاد للفقر أنجز من قبل جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة  بتعاون مع منظمة الأمم ا لمتحدة، وهو يرتكز على عشرة عوامل متداخلة بما فيها الصحة، التعليم ومستوى المعيشة إضافة إلى الولوج إلى الماء والكهرباء والتطهير… ليبحث من ثم عن تعريف لنقاط تقاطع هذه العوامل على المستوى المنزلي. ويقيم هذا المؤشر مستوى الفقر لدى الفرد والعوامل المسببة في ذلك. ·       خريطة الفقر – «  Carte de Pauvreté» :  المصممة من قبل خبراء من البنك الدولي، تقارب الظاهرة على المستوى الوطني والجهوي والإقليمي و المحلي. وفي هذا الصدد كشفت المندوبية السامية للتخطيط بتاريخ 26 أكتوبر 2016،  أن عدد المغاربة الذين لا يزالون تحت عتبة الفقر يبلغ 1,6 مليون مغربي، أي ما يمثل 4,8 في المائة من الساكنة، بينما لا يزال 4,2 مليون مواطن مغربي في وضعية هشاشة. و80 في المائة من الفقراء، يوجدون في العالم القروي، الذي يحتضن 1,27 مليون يعشيون تحت عتبة الفقر، مبرزا أن النمو لصالح الفقراء يجب أن يتخذ في المغرب اتجاهاً نحو النمو لفائدة الساكنة القروية.

وبالمقابل، تبين بأن النمو بالمغرب بين 2001 و 2014، قد اتخذ مسار نمو اندماجي استفاد منه نسبياً الفقراء والفئة الهشة أكثر من الفئات غير الفقيرة”.

أما الفارق في مستوى المعيشة بين الوسطين الحضري والقروي الذي كان يصل إلى الضعف في 2001، قد انخفض إلى حوالي 1,8 في 2007، غير أنه ارتفع إلى 1,9 في 2014، مستنتجا أن هذا الفارق “بدأ يتسع من جديد، مما يستدعي، بطبيعة الحال، مراقبته وذلك بالنظر للتقلبات المعروفة التي يتسم بها دخل الساكنة القروية”.

·                  تقارير البنك الدولي : كشف آخر تقرير دولي لسنة 2016 ، أن ساكنة القرى والبوادي بالمغرب، والذين تصل قرابة 19% منهم وعلى الخصوص الذين يعتمدون على الزراعة مازالوا يعيشون في فقر أو معرضون للسقوط في الفقر . وشدد البنك الدولي على أن معدلات الفقر من غير المحتمل أن تتغير مادام النمو الاقتصادي يبقى ضعيفا، في ظل استمرار التفاوتات الاقتصادية داخل المغرب، مشيرا إلى أن بعض المناطق تتسم بأنها أقل نموا من المناطق الأخرى، وكما هو الحال في بقية أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأشار تقرير البنك الدولي الأخير إلى أن معدل البطالة الكلي في المغرب لازال مرتفعا، إذ يبلغ 9%، وأعلى بدرجة ملحوظة بين الشباب في المناطق الحضرية التي تصل فيها نسبة البطالة بين الشباب إلى 38.8% إلى حدود شهر يونيو من السنة الجارية 2016. وفي تقرير سابق للمندوبية السامية للتخطيط حول خريطة الفقر في المغرب اعتبر أن جماعة سيدي علي بالرشيديةظلت تشكل قمة المناطق الأكثر فقرا في المغرب، بنسبة فقراء تصل إلى 80%، بالنظر إلى درجة العزلة التي تعيشها هذه الجماعة بإقليم الرشيدية، الذي تصل فيه نسبة الفقر إلى 29.5%، إلى جانب عدد من المدن الفقيرة جداً، كما هو الشأن مع زاكورة، وشيشاوة، وجرادة، وتاوريرت، وفكيك، وورزازات. وأعتبر التقرير أن محور الدار البيضاء الرباط هو الأقل فقراً بالنظر إلى أن النسبة تصل في العاصمة الاقتصادية مثلاً إلى 2.73%، وتصل في العاصمة الإدارية ( الربلاط) إلى 2.38%.، وأنه في نفس المنطقة، تصل النسبة في منطقة الهراويين مثلاً إلى 22%، تماماً كما هي حال مناطق مثل مديونة، وعين حرودة، والنواصر. فيما وصلت النسبة في جهة سوس ماسة درعة، إلى 20%، على الرغم من أن للمنطقة أكثر من نشاط اقتصادي تتوزعه الفلاحة والصيد البحري والسياحة، وهي نفس الوضعية مع جهة تانسيفت الحوز التي تصل فيها نسبة الفقر إلى 19.2%، رغم أنها تستفيد من أنشطة اقتصادية مهمة تأتي السياحة في مقدمتها. ثانياً : التدابير المتخذة لمكافحة الفقر أحرز المغرب تقدُّماً لافتاً في محاربة الفقر خلال العقد المنصرم، فقد شهد المغرب نمواً ملحوظاً في الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المنصرم مقارنة بسابقه. حيث سجّل تراجعاً ملحوظاً في معدل الفقر، يرجع ذلك إلى عوامل عدة منها: ·                     النمو الديمغرافي: تراجَع عدد الولادات لكل امرأة بالغة خلال العقود المنصرمة من 5,4 ولادات في المتوسط لكل امرأة بين العامين 1980 و1985 إلى 2,4 في الفترة الممتدة بين العامين 2005 و2010. وجاء هذا التحوّل السكاني المتسارع الوتيرة ليخفِّف الأعباء التي تضغط على موازنات الأسر والاستثمارات العامة وأسواق العمل. لذلك، استثمر المغرب مبالغ أكثر في البنية التحتية. فبنى شبكة طرق في المناطق الريفية وحسَّن وضع الكهرباء ووفّر المياه االصالحة للشرب عبر مد سكان القرى والبوادي بشبكة من المياه الصالحة وساهم في حفر الآبار. ·         مؤسسات القروض الصغرى: (مؤسسة الأمانة، البركة، تسليف ...)اضطلعت هذه المؤسسات بدور جوهري في رفع القيود التي  تثقل كاهل الأسر الفقيرة والشركات الصغيرة في المغرب عند سعيها إلى الحصول على الأموال لتمويل مشاريعها الخاصة. ·         تحويلات العمّال المهاجرين ( الجالية المغربية بالخارج) : تضطلع هذه التحويلات بدور أساسي في إعادة توزيع الدخل،  ذلك أنّ المغاربة الذين يعيشون في الخارج يرسلون الأموال إلى بلدهم الأم لدعم عائلاتهم وتوفير الموارد المالية للمشاريع الاجتماعية، يحدوههم في ذلك حسّهم بالمسؤولية.  ·         دور المجتمع المدني (الجمعيات والتعاونيات ) : ساهم ولا يزال المجتمع المدني المغربي من جمعيات ومنظمات وتعاونيات ، بالشراكة مع  القطاعات والمؤسسات الحكومية والغير الحكومية، في خلق دينامية تنموية مهمة، عبر المساهمة في انجاز وتأطير العديد من المشاريع التنموية.  

ثالثاً: عوائق وإكراهات الحد من الفقر بالمغرب

هناك بعض العوائق تساهم في انتشار وبقاء مستويات الفقر متدنية بالمغرب وهي كالاتي: ·         ضعف رأس المال البشري: لم يترافق الهبوط المسجّل حتى الآن في معدل الفقر مع أي تحسُّن في رأس المال البشري. فقد جاءت الاحصائيات الأخيرة لسنة 2014 لتسجل انخفاضا في معدلات الأمية بالمغرب الى ما نسبته 18,7 في المائة خلال سنة 2014. حيث بلغ عدد الأميين بالمغرب خلال سنة 2014 حوالي 8,6 مليون شخص مقابل 10,2 مليون سنة 2004، مشيرا إلى أن هذا التراجع سجل بالوسط القروي وفي صفوف الرجال. ·         التفاوت الاقتصادي: لم تتقلص الهوة بين الفقراء والأغنياء في العقد المنصرم على الرغم من الجهود المبذولة للحدّ من الفقر. ·         تردي نوعية الوظائف: الكثير من الوظائف المتوافرة في المغرب ذات نوعية متردية إلى حد مثير للقلق في ظل تزايد عدد تلك التي يتقدّم لها عمّال غير مهرة لقاء أجور متدنية. بالإضافة إلى ذلك، وجود العديد من المهن والحرف التي تشغل الناس باجور متدنية وفي ظروف اجتماعية وصحية نفسية مزرية ( شركات الكابلاج، النساء المشتغلات في الحقول وبعض أوراش البناء ...). رابعاً : الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفقر بالمغرب من أجل محاربة الفقر تبنت الدولة تصورا جديدا يرتكز على وضع إستراتيجية جديدة في مجال التنمية الاجتماعية. هذه الإستراتيجية تتمحور حول مجموعة من التوجهات أهمها: جعل التضامن و التماسك الاجتماعي هما محورا التنمية البشرية، تحسين مؤشرات التنمية البشرية من أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، ضمان التوزيع العادل لثمار النمو و ذلك من خلال استهداف الأفراد و المناطق المحرومة و أخيرا تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين المستهدفين. ·         المبادرة الوطنية للتنمية البشرية INDH اعتبر الإعلان عن "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" في ربيع 2005 أهم قرار سياسي يهم السياسات الاجتماعية بالمغرب ، وتهدف هذه المبادرة، كما جاء في الخطاب الملكي التأسيسي لها، إلى الحد من الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي، وذلك من خلال تسهيل ولوج الأشخاص المستهدفين للخدمات الأساسية كالصحة والتربية، ومحاربة الأمية، والكهربة والماء الصالح للشرب بالعالم القروي، والقضاء على السكن غير اللائق، وتطوير الشبكة الطرقية. هذه المبادرة موجهة بالخصوص إلى الفئات الأكثر تهميشاً خصوصاً بالأحياء الحضرية المهمشة (250 حياً حضرياً فقيراً)، وبالمناطق القروية المعزولة (360 جماعة قروية الأكثر فقرا بالعالم القروي). و عرفت نفس الفترة منح ديناميكية جديدة لمجموعة من القطاعات الاجتماعية، كقطاع التعليم من خلال تبني مخطط جديد (المخطط لاستعجالي) يهدف إلى النهوض بالقطاع؛ وقطاع الصحة، عبر وضع خطة عمل جديدة لتسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية (تعميم "نظام المساعدة الطبية")، وغير ذلك من الإجراءات المبرمجة في إطار القطاعات الاجتماعية الأخرى. و قد اعتمدت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مجموعة من الآليات

و الميكانيزمات التي من شأنها أن تساهم في تحسين مؤشر التنمية  البشرية، و تقليص نسبة الفقر من 38% إلى 20 % ، و تمثلت هذه المرتكزات في العمل على تشخيص الإشكالية الاجتماعية بالمغرب، العمل على استئصال ظاهرة الفقر، الانفتاح على المحيط الدولي و التجاوب مع الظرفية العالمية  و مناخها الثقافي المتحول عبر العمل على التعبئة الاجتماعية، و استخلاص العبر و الدروس من التجارب التنموية السابقة و من النماذج الموفقة لبعض البلدان في مجال محاربة الفقر و الإقصاء بالاعتماد على آليات جديدة، كالحكامة الجيدة من خلال برامج أربعة يمكن إجمالها في برنامجين، البرنامج العمودي و البرنامج الأفقي، مستعينة في منهجيتها على مجموعة من الهياكل و المؤسسات، سواء كانت مركزية أو جهوية أو إقليمية محلية مستفيدة من تمويل بلغ 10 ملايير درهم.  و تتجلى هذه البرامج في: ·          برنامج محاربة الفقر بالعالم القروي: الذي يستهدف 403 جماعة قروية استنادا إلى نسبة الفقر المحددة في 22% بعد أن كانت محددة في 30% كمعيار مرجعي و يهدف إلى دعم الأنشطة المدرة للدخل،  تعميم الاستفادة من التجهيزات  و الخدمات الاجتماعية، إيلاء الاهتمام بالتنشيط الاجتماعي و الثقافي  و الرياضي، ثم دعم التنمية المحلية. ·         برنامج محاربة الإقصاء بالمجال الحضري، و قد جاء من أجل توفير كافة الشروط و الضمانات اللازمة للنهوض بوضعية السكان، باستهدافه 264 حيا حضريا ضمن الأحياء الأقل حظوة بالمدن الكبرى، حيث تم الاعتماد في تحديد هذه الأحياء على معايير معدل البطالة، حجم الساكنة المستهدفة، وجود و حجم السكن العشوائي، الخصاص في البنيات و الخدمات العمومية الأساسية، التكامل مع البرامج التنموية المحلية المبرمجة أو في طور البرمجة، المساهمة المالية للشركاء خصوصا الجماعات المحلية و يرمي هذا البرنامج إلى: -       النهوض بالأنشطة المدرة للدخل و لفرص الشغل للجماعات غير المحظوظة، و بصفة خاصة النساء و الشباب؛ -       تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية و الحضرية الأساسية لفائدة الساكنة الفقيرة؛ -       تعبئة الأطراف المتدخلة، و بالخصوص الجمعيات المستقرة في عين المكان؛ -       تحسين ظروف إقامة الساكنة الفقيرة في الأحياء المستهدفة. ·          برنامج محاربة الهشاشة و التهميش الذي يهدف عبر محاور ثلاثة إلى:  -       إعطاء الأولوية لإعادة الإدماج العائلي و السوسيومهني للأشخاص المعنيين، -       تحسين نوعية الخدمات المقدمة حاليا من طرف المؤسسات العمومية والجمعيات لأجل بلوغ المواصفات التي تتطابق و الشروط العامة لتأمين الظروف المناسبة للكرامة الإنسانية، -       تحسين تدبير المراكز و الجمعيات المتدخلة في موضوع الهشاشة من أجل تفعيل و احترام المواصفات الموحدة و عقود برامج التدبير، و إحداث مراكز إضافية جديدة للاستقبال حسب الحاجة. و قد حدد برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سبع فئات عامة بالنسبة للأشخاص الموجودين في وضعية هشة على الشكل التالي: §      الشباب بدون مأوى و أطفال الشوارع، §      الأطفال المتخلى عنهم، §      النساء في وضعية اجتماعية جد صعبة، §      المتسولون و المتسكعون، §      قدماء السجناء بدون موارد، §      الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة بدون موارد، §       العجزة المعوزون. و بالتالي فالمجالات التي يشتغل عليها البرنامج، فهي تنقسم إلى أربع مجالات: الطفولة، السكن، الصحة و الانحراف.

و في جانب آخر، فالبرنامج الأفقي يهدف إلى تمويل المشاريع ذات الوقع الكبير على التنمية البشرية على صعيد كافة الجماعات القروية و الحضرية غير المستهدفة، و ذلك من خلال دعم المشاريع ذات الوقع القوي عن طريق المشاريع و العمليات الأفقية كالأنشطة المدرة للدخل، و دعم جمعيات القروض  الصغرى، و تحسين الاستفادة من الخدمات الاجتماعية عن طريق تحسين الولوج إلى الخدمات و البنيات الأساسية. و يستهدف التنشيط الاجتماعي و الثقافي  و الرياضي عن طريق دعم عملية التنشيط الاجتماعي و دعم مزاولة  الرياضة، و ترشيد الحكامة المحلية بدعم الكفاءات المحلية و التكوين  و الخبرة...، كما يهدف إلى الرفع من قدرات الكفاءات و الفاعلين المحليين في المجالات المرتبطة بالشأن التنموي عبر إحداث مرصد للتنمية البشرية و العمل وفق نظام للمعلوميات و الاتصال و محاولة تعميم الخبرة و التجربة. 

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة