ظلال: غسيل الافكار.. * ظلال: غسيل الافكار.. *

لا افصل بين الفساد الثقافي عن اي فساد آخر يستشري في حياة الشعوب على نحو اخطر من آفة المخدرات اوالامراض الوبائية، فالفساد وباء بكل معنى الكلمة لا طب له ولا دواء الا اذا استيقظ ضمير الفاسد ونظف خلايا جسده ودماغه من هذا المرض.

واذا كان الفساد السياسي والاداري والاقتصادي هو السائد عادة في التداول الاعلامي الذي يدعو الى محاربته وكشف رموزه، فان فسادا آخر هو فساد المثقفين يأتي في محاذاة اقرانهم من الساسة واصحاب النفوذ.

انها اذن، منظومة واحدة ووباء واحد، والفساد الثقافي هو نتيجة طبيعية لانواع الفساد الاخرى، بل قد يبدو اشد خطرا واكبر بلوى، اذ يفترض ان الثقافة عبر صناعها هي الوجه الناصع البياض لأي شعب، فهي صورته وعي ضميره، وعندما يتم تشويه هذه الصورة تكون المصيبة اعم واشمل، فالمثقف الفاسد يصبح في هذه الحال منظرا متطوعا للسياسي الفاسد.. يروج له

ويبرر اخطاءه وسلوكه ويدافع عن "مشروعه" المدمر، اي ان المثقف

يصبح اداة شريرة في يد السياسي خصوصا انه "اي المثقف" يمتلك

القدرة على التوغل في الرأي العام من خلال التكرار التبريري

والمقولات والاطروحات التي من الممكن ان يصدقها المواطن

العربي المسكين في بيئة والغة في الامية والجهل.

خطاب المثقف بهذه "المهنية" هو السم الذي يجهزه ويرعاه السياسي لكن من دون ان يسري هذا السم في عروقه التي اعتادت ان يجري فيها الفساد بلا وخزة ضمير.

هكذا، يعمد رعاة الفساد ومربوه الى تشكيل فصيل من المثقفين هم في الاساس جاهزون لمثل هذه المهمة التي تتمثل في تنظيف الوسخ السياسي، عبر دفاعات "ثقافية" معززة بالكثير من الحجج التي بالتكرار والتهويل قد تجد قبولها العام لدى فئة من الناس تنطلي عليهم هذه اللعبة.

وفي عالم المال يعرف القارىء اصطلاحا متداولا اسمه "غسيل الاموال"، وفي الثقافة، لا يختلف الامر كثيرا من حيث الجوهر، فهناك غسيل آخر للافكار، واذا كانت

الافكار هي التي تصنع المال في كثير من الاحيان، فان الفساد الثقافي هو جريمة مضاعفة.

في ضوء "بل في عتم" هذا الخراب العربي الذي لا يعرف الحياء، الاولى فضح عفن الثقافة والمثقفين، واقتيادهم من ياقاتهم البيضاء الى مرايا انفسهم، لعل يرون وجوها ترتدي اقنعة، ومع ذلك يمكن رؤيتها بكل وضوح.

وفي مقابل ذلك، ان أقلية صامتة ومدحورة الى عزلتها من مثقفينا العرب نجت من وباء الفساد، وآثرت الاقامة في الهامش، وهي ترى ان لكل زمان زبانيته وحاشيته

ووحوشه، وهذا الزمان ليس لهم.

هذا عالم ليس لهم.. هو لـ "الاخر" الذي يعرف من اين تؤكل الكتف، ويا لها من كتف مسمومة.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة