على خطى زويل.. تطوير «الميكروسكوب الفائق» لرصد الإلكترونات

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-01
  • مشاهدة 19

لم تتوقف أحلام د. أحمد زويل عند استخدام الليزر في معرفة وقياس حركة الجزيئات في التفاعلات الكيميائية، ولكنه عمل على تصويرها أيضًا عن طريق تطوير الميكروسكوب رباعي الأبعاد ليعمل بسرعة "الفيمتو ثانية". فتح هذا الإنجاز بابًا جديدًا فيما يُعرف بالعلوم فائقة السرعة (Ultrafast Science).

وإذا كان د. زويل قد نجح في تصوير حركة الجزيئات، فإن تلميذه محمد ثروت حسن -والذي يشغل حاليًّا منصب القائم بأعمال مدير مركز التصوير والميكروسكوب بجامعة العلوم والتكنولوجيا في مدينة زويل- تمكَّن من تجاوُز ذلك بالسعي لتطوير سرعة الميكروسكوب إلى مستوى ما يُعرف بـ"الأتو ثانية"، بما يسمح بتصوير حركة الإلكترونات.

استطاع الفريق البحثي بقيادة حسن أن يضع قدمًا على طريق تحقيق هذا الحلم من خلال تطوير سرعة الميكروسكوب رباعي الأبعاد ١٦ مرة، وذلك وفق الدراسة المنشورة على دورية نيتشر فوتونيكسnature photonics في مايو الماضي.

"كان هذا الإنجاز من أحلام د. زويل، ووعدته بتنفيذه قبل وفاته، والحمد لله وفيت بوعدي"، هكذا علق د. حسن عند سؤاله عن البحث. يقول: للمرة الأولى، يسمح هذا التطور بتصوير الحركات الديناميكية فائقة السرعة، مما يجعل الميكروسكوب الإلكتروني أسرع كاميرا عرفتها البشرية إلى الآن، وفق وصفه.

يشرح حسن الطريقة التي استطاعوا بها الوصول لهذه السرعة الفائقة قائلاً: "تتفاعل نبضات الإلكترونات السريعة (500 فيمتو ثانية) مع نبضات الليزر الضوئية (30 فيمتو ثانية)، ونتيجة لهذا التفاعل تحدث مبادلة في الطاقة بين الفوتونات والإلكترونات، مما يؤدي إلى اكتساب أو فقد بعض من هذه الإلكترونات لطاقة كمية تساوي طاقة فوتون الليزر أو مضاعفاتها".

ويتابع: "يحدث هذا الاكتساب أو الفقد لطاقة الإلكترونات في وجود نبضات الليزر السريعة فقط، وبذلك تكتسب هذه الإلكترونات سرعة مماثلة لسرعة نبضات الليزر (30 فيمتو ثانية)، وتُستخدم هذه الطريقة لتوليد نبضات الإلكترونات (30 فيمتو ثانية)، هذه النبضات الإلكترونية السريعة تزيد من سرعة الميكروسكوب رباعي الأبعاد، وتسمح بتصوير الحركات الأسرع مثل حركة الإلكترونات في المادة".

على الجانب الآخر، جرى عمل دراسة نظرية لإمكانية زيادة سرعة الميكروسكوب للأتو ثانية أكثر ألف مرة من الفيمتو ثانية، إذ ثبتت إمكانية حدوث ذلك باستخدام نبضات الليزر (الأتو ثانية)، والتي قام د. حسن بتصنيعها وقياسها، وتم نشر هذا البحث في مجلة نيتشر في شهر فبراير 2016، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة في علم الميكروسكوب فائق السرعة رباعي الأبعاد، الذي يمكن من خلاله قياس سرعات الجسيمات والذرات والإلكترونات.

رحلة في عالم الميكروسكوبات

 يكفي أن تسأل حسن عن هذا الإنجاز الذي حققه، فيأخذك في رحلة طويلة في عالم الميكروسكوبات الإلكترونية، وصولًا إلى الإضافة التي أنجزها.

يقول لـ "للعلم": "كانت الميكروسكوبات الإلكترونية نوعين: إما ما يمسح سطح المادة المراد رؤيتها ويسمى الميكروسكوب الإلكتروني الماسح (Scanning Electron Microscope SEM)، أو آخر نافذ يُسمى اختصارًا (TEM) الميكروسكوب الإلكتروني النافذ (Transmission Electron Microscope) ، ووظيفته محاولة رؤية ما تحت السطح".

ما أنجزه د. زويل في هذا المجال تجاوز رؤية سطح المادة وما تحت السطح، إلى تصوير حركة الجزيئات والذرات داخل المادة، باستخدام شعاع الليزر في سرعة "الفيمتو ليزر".

ويتكون شعاع الليزر من مجموعة من النبضات، والمدى الزمني للنبضة هو الذي يؤثر في سرعة التقاط الصورة، فكلما كان قصيرًا، ساعد على زيادة السرعة، ومن ثَم تصوير الأجسام الأصغر والأسرع.

ويضيف حسن: "ما أنجزه د. زويل هو الوصول لمدى زمني قليل للنبضة بسرعة الفيمتو ليزر، وهي مليون مليار جزء من الثانية (1*10-15) (1 * 10 أس -15)، وما نسعى للوصول إليه هو الأتو ليزر، أي ما يعادل مليار مليار جزء من الثانية (1*10-18) (1 * 10 أس -18)".

وسجلت موسوعة جينيس للأرقام القياسية هذا المدى الزمني (الأتو ليزر) بوصفه أسرع ليزر ضوئي معروف في العالم، والذي قام د. حسن بتطويره خلال فترة عمله بمعهد ماكس بلانك بألمانيا.

وما يعمل عليه حاليًّا الفريق البحثي في مدينة زويل برئاسة د. حسن، هو تطوير الميكروسكوب رباعي الأبعاد فائق السرعة (Ultrafast Electron Microscope) باستخدام الأتو ليزر، بما سيسمح بتصوير حركة الإلكترونات داخل المادة.

وتثق نهال علي -الباحثة في المركز- بقدرتهم على تحقيق هذا الإنجاز في وقت قريب.

وتقول لـ"للعلم" وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واثقة: "لا يوجد ما يمنعنا من تحقيق هذا الإنجاز؛ فقد توفر لنا في مدينة زويل معمل لا يقل في إمكاناته عن المعمل الذي عمل فيه د. زويل في جامعة كالتك الأمريكية، مثل وجود الميكروسكوب فائق السرعة، وليزر الفمتو ثانية، وجميع البصريات والأجهزة الأخرى التي تسمح بالتطوير اللازم".

ثورة علمية

وعن الإضافة التي سيُحدثها هذا الإنجاز، لم تنتظر د. نهال أن أكمل سؤالي لتختفي الابتسامة من وجهها مفسحةً الطريق لملامح جادة تكشف عن أهمية ما سيضيفه الميكروسكوب المطور إلى عالم البحث العلمي.

تقول بلهجة حماسية: "سنتمكن باستخدامه من تصوير لقطات لحركة الإلكترون ورصد ديناميكية هذه الحركة في المواد المختلفة، وهو ما سيُحدث ثورة في التعامل مع المواد متناهية الصغر".

وتحاول نهال تبسيط ما تقصده، مضيفةً: "حتى تستطيع التحكم في أي مادة يجب أن تفهم خواصها، ولا يوجد أفضل من الصورة حتى تمنحك هذه الإمكانية، فمن خلال الميكروسكوب الذي نعمل على تطويره تستطيع رصد حركة الإلكترونات داخل المادة، ومن ثم يمكنك التأثير عليها وتغيير خصائصها لتوسيع نطاق استخداماتها".

وتطرح د. نهال أشباه الموصلات نموذجًا لما تعنيه، قائلةً: "أشباه الموصلات مثل السيليكون هي مادة صلبة يتم التحكم في موصليتها الكهربائية بإضافة عناصر أخرى، بما سمح باستخدامها في صناعة الهواتف المحمولة على سبيل المثال، ومع الميكروسكوب الجديد سنستطيع فهم المزيد من خواص تلك المواد لاستحداث استخدامات أخرى".

تطبيقات مختلفة

ويتحدث محمد محجوب -الباحث المساعد بمركز التصوير والميكروسكوب بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا- عن أن معرفة وتصوير حركة الإلكترونات داخل المادة قد تساعد في تطوير الكمبيوتر فائق السرعة أو ما يُعرف بـ(الكوانتم كمبيوتر)، كأحد مجالات الاستخدام.

ويعتمد الكوانتم كمبيوتر على مبادئ ميكانيكا الكم وظواهره، مثل حالة التراكُب الكمي (Quantum Superposition) والتشابُك الكمي (Quantum Entanglement) للقيام بتخزين البيانات.

ويضيف محجوب لـ"للعلم": يمكن باستخدام الميكروسكوب المطور مشاهدة حركة الإلكترونات داخل المواد المستخدمة في تصنيع الكمبيوتر، وهو ما سيساعد في التحكم بدرجة استجابة الإلكترون داخل المادة.

ويؤكد حسن أن من بين التطبيقات المهمة التي سيعملون عليها في الفترة القادمة باستخدام هذا الميكروسكوب المطور بالتعاوُن مع مركز الأبحاث الطبية والبيولوجية بالمدينة: التطبيقات الطبية؛ إذ يمكن استخدامه في تصوير حركة الإلكترون داخل جزيء الحمض النووي DNA، ما يتيح فهم التغير الذي يحدث له، وهو ما يمكِّن من معرفة كيفية حدوث أمراض مثل السرطان وألزهايمر داخل الجسم".

ويتابع: "نجاحنا في ذلك، سيساعد في التحكم بشكل الـDNA ليكون أكثر استجابةً للدواء، وبالتالي زيادة نسبة الشفاء من هذه الأمراض".

ثلاث مزايا جديدة

تطوير الميكروسكوب رباعي الأبعاد بمدينة زويل سيحقق 3 مزايا يتحدث عنها د. حسن، الذي يقول: "الميزة الأولى أنه سيمكِّن مدينة زويل من إنتاج أبحاث رائدة في عدة تطبيقات في الفيزياء والكيمياء والطب، والثانية أن إنتاجه سيضع مصر على الخريطة العلمية العالمية".

 ويختم بميزة شخصية قالها وهو ينظر إلى صورة تجمعه بأستاذه د. أحمد زويل: "سأتمكن من تحقيق حلمه الذي لم يمهله القدر ومن قبله ضيق الوقت لتحقيقه".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة