فك لغز المرض الذي أصاب الفيزيائي الأشهر في العالم

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-01
  • مشاهدة 28

كان شابًّا في مقتبل العمر، يمتلك عينين يشع منهما بريق الحياة، يمتاز عن أقرانه بذكاء حاد وقدرات متفردة، ما جعل كل مَن حوله يتوقع له مستقبلًا باهرًا في تخصصه العلمي الفريد.

وفيما يحاول الشاب العشريني الانتهاء من كتابة أطروحته في مجال الفيزياء الكونية لنيل رسالة الدكتوراة من جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، بدأت أعراض مرضية تظهر على قسمات وجه، مصحوبةً بصعوبة في التحرك تظهر على مشيته التي طالما كانت سريعة وتتسم بالنشاط والحيوية، وكلمات متلعثمة تخرج من فمه بدلًا من عباراته المنمقة الأنيقة.

تدهورت حالته الصحية سريعًا، حتى بدأت معاناته مع الإغماء المتكرر، وصعوبات في التنفس. ذهب الشاب إلى الأطباء، وبعد فحوصات عديدة، توصلوا إلى طبيعة الداء الذي كاد أن يقضي على مستقبله.

الداء يُعرف بـ«التصلب الجانبي الضموري Amyotrophic Lateral Sclerosis»، والشاب هو «ستيفن هوكينج» والذي يُعد أحد ألمع العقول في مجال الفيزياء المعاصرة.

قطار النجاة

أخبر الأطباء هوكينج آنذاك بأن حياته على المحك، وأنه في أفضل الأحوال لن يعيش أكثر من خمس سنوات. إلا أن الحظ كان حليفه، ولسبب مجهول، عاش هوكينج نحو أكثر من 55 عامًا بعد تشخيص إصابته بهذا المرض.

لكن قطار الحظ السعيد الذي لحق به العالِم الإنجليزي الشهير لم يصل إلى باقي المرضى، إذ يقضي معظمهم نحبه بعد سنوات قليلة، لا تتجاوز الـ10 سنوات في أحسن الأحوال.

والآن، يبدو أن هناك فرصًا بحثية جديدة تمنح المرضى آمالاً واعدة في المستقبل القريب، بعد أن اكتشف فريق علمي مشترك من جامعتي شيفيلد البريطانية وزويل المصرية، السبب الرئيسي للنوع الجيني من المرض المعروف اختصارًا بـALS، والذي يُسبب نحو 60% من حالات الإصابة به.

فوفق دراسة نشرتها مجلة «نيتشر نيورو ساينس»، تمكن الفريق البحثي من اكتشاف المشكلة الرئيسية التي تؤدي إلى حدوث طفرات في الحمض النووي ينجم عنها اضمحلال في وظيفة الخلايا العصبية وموتها.

يساعد الاكتشاف الجديد أيضًا على إبطاء تطور عدد من الأمراض العصبية، مثل مرض العصبون الحركي (MND)، والخرف، وأمراض عصبية أخرى مرتبطة بالشيخوخة.

البروتين المميت

أظهرت الدراسة أن التكرار الحاصل في البروتين المُسمى C9orf72 يؤدي للإصابة بأكثر من 60% من حالات المرض، إذ إن التكرار يؤدي إلى إنتاج بروتينات تتراكم على الخلايا العصبية ولا يُمكن التخلص منها، الأمر الذي يؤدي إلى اضمحلال الوظائف العصبية للخلايا وموتها في نهاية المطاف.

والتصلب الجانبي أو مرض لو غريغ (Lou Gehrig Disease) هو مرض ضُموري نادر يهاجم خلايا الأعصاب المسؤولة عن الحركة. يتطور المرض تدريجيًّا ويؤدي لضعف العضلات والشلل، وقد يقود صاحبه في النهاية إلى الموت. وهناك نوعان منه: أولهما مجهول السبب، أما الثاني فينجم عن خلل في الجينات، وفق شريف الخميسي، الباحث الرئيسي للدراسة، ومدير مركز علوم الجينوم بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، الذي يقول لـ«للعلم»: "استغرق البحث 4 سنوات، إذ تركزت جهودنا على النوع الجيني"، مضيفًا: اكتشفنا أن هناك آلية لتكرار نسخ البروتين C9orf72 تتسبب في حدوث الطفرة الجينية المؤدية للإصابة بالمرض.

عبر عقود، استمر العلماء في البحث عن السبب المؤدي للإصابة بالمرض، وقبل عامين، تمكن علماء من معهد الصحة الوطني الأمريكي من تحديد الجين المسؤول عن إنتاج البروتين C9orf72، غير أنهم لم يتمكنوا من تحديد الآلية المُسببة للمرض الفتاك على وجه الدقة، وهو ما فعله الفريق المصري البريطاني المشترك مؤخرًا.

أجرى الفريق البحثي تجاربه على 3 مراحل، شملت الأولى دراسة خلايا مستقاة من مرضى بالنوع الجيني من المرض، إذ بدأوا في فحص أسباب الإصابة، ثم صمموا تجربة أخرى على فئران التجارب ليجدوا أن تكرار إنتاج البروتين هو السبب الرئيسي لإصابة الفئران بالمرض، "غير أن هذا لم يكن كافيًا" على حد قول الخميسي، الذي يوضح أن الفريق استعان بخلايا عصبية من مرضى قضوا من جَرَّاء الإصابة بالمرض لدراستها وإثبات فرضيتهم، "خاطبنا بنوك الخلايا الكبرى في أوروبا، وحصلنا على مجموعة من العينات، وأجرينا عليها التجارب، وثبت أن التراكم هو سبب حدوث الطفرة المؤدية للمرض".

حدد الباحثون في الدراسة كيفية ضبط مسار نشاط مجموعة الأدوات المعنية بالإصلاح الطبيعي للحمض النووي، والتي يمكنها أن تسهم في استعادة الكسور الحادثة في مخزوننا الجيني. ما يساعد على منع موت الخلايا العصبية التي تتسبب في عديد من الأمراض العصبية، والتي يأتي في مقدمتها مرض التصلب الجانبي الضموري.

وهيبة السيد -التي تخرجت في كلية العلوم بجامعة المنوفية، وحصلت على منحة لدراسة الدكتوراة في مدينة زويل العلمية- كانت واحدة من اثنين من جامعة زويل أسهَما في خروج الورقة العلمية للنور، تقول لـ«للعلم» إن دورها كان قياس الكسور التي تحدث في الجينات، والتي تتسبب في تمدد الخلايا وتزيد من إنتاج البروتينات التي تتراكم بدورها في الخلية. وأضافت السيد: "لقد استغرقت عملية القياس أربعة أشهر كاملة، وتمت بأدوات مصرية خالصة داخل معامل مدينة زويل العلمية".

دائرة مغلقة

يعلق الخميسي على آلية حدوث المرض في حديثه لـ«للعلم» بقوله: "نحن ندور في دائرة مغلقة"، موضحًا أن الإصابة تتم على مرحلتين، إذ يبدأ البروتين في تكرار نفسه في بادئ الأمر، وتترجم الخلايا ذلك التكرار على نحو خطأ، ينجم عنه إنتاج بروتينات لا تحتاجها الخلية، إذ تتراكم تلك البروتينات في السيالات العصبية، فيزيد التكرار، وبالتالي تزيد كمية البروتينات المنتجة، مما يجعل من الصعب على الخلية العصبية التخلص منها، فتتسمم ويضمحل أداؤها، وتموت بعد فترة قصيرة.

في عام 2016، حصل أستاذ البيولوجيا الخلوية الياباني «يوشينوري أوهسومي» على جائزة نوبل في الطب، لتمكُّنه من اكتشاف آلية البلعمة الذاتية المعروفة باسم الالتهام الذاتي للخلايا Autophagy، إذ تمكن -بعد أبحاث استمرت عقودًا من الزمان- من اكتشاف العملية الأساسية لتدوير مكونات الخلية عبر تدمير محتوياتها الخاصة وإزالة بروتينات مُحددة لكي تستمر الخلايا في أداء عملها بيسر وكفاءة، إلا أن تلك الآلية لا تعمل على خير ما يُرام في حالة الإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري، فتراكُم البروتينات خرج بالفعل عن السيطرة، وسمم الخلايا العصبية، وقتها لا تستطيع «سلة قمامة الخلايا» أن تعمل جيدًا، فلا تقوم تلك الآلية بعملها، ما يجعل التكرار يستمر، والبروتينات تتزايد، والخلايا تضمحل، حتى يموت المريض في نهاية المطاف.

العملة ذات وجهين

إن نسبة الإصابة بالمرض والتي تقدر بنحو 2 لكل 100 ألف شخص بالولايات المتحدة الأمريكية لا تجعل منه مرضًا نادرًا، بل هو مرض غير منتشر. فما الذي يجعل الفريق البحثي يستغرق فترة 4 سنوات للبحث عن سبب للإصابة بالنوع الجيني للمرض في الوقت الذي يُمكن أن يقضيه الفريق في البحث عن سبب للأمراض ذائعة الانتشار كالسرطان؟!

الإجابة يُقدمها الخميسي، الذي يقول إن البحث في الأمراض غير المنتشرة من هذا النوع يقود الباحثين لنتائج من شأنها المساعدة في تقديم حلول للأمراض المنتشرة، فالطفرة التي تُسبب مرض التصلب الجانبي الضموري تُسبب أيضًا أمراضًا أكثر انتشارًا، كداء ألزهايمر وباركنسون، علاوة على مرض الخرف الذي يتسبب في التدهور المستمر للقدرات العقلية والذاكرة.

يقول الخميسي إن أبحاث الطفرات الجينية «عملة ذات وجهين»؛ فحتى لو كانت الطفرة محل الدراسة نادرة، فالبحث فيها يُولد سلسلة من المعارف، تتماسك وتتجمع معًا، لتعطي في نهاية المطاف صورة كلية تُبرز جمال العلم، ذلك الشيء القادر على حل المشكلات وإزاحة الآلام وإيجاد حلول لأصعب المشكلات.

علاج جيني وتشريع جديد

لا علاجات فعالة للمرض حتى الآن، غير أن ثمة دواء تمت الموافقة عليه، في عام 2009، من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية يُسمي ريلوزول riluzole. الدواء الجديد قادر على إبطاء التدهور الحادث في الخلايا العصبية، الذي ينجم عن الإصابة بالمرض، غير أنه يصلح فقط في حالة الاكتشاف المبكر له، ولا يُجدي نفعًا بالنسبة للمرضى في حالات الاكتشاف المتوسط إلى المتأخر.

والآن، وفق الخميسي، ينصب اهتمام الفريق البحثي على إيجاد نهج لابتكار علاج جيني للمرض، علاوة على فحص الأدوية الموجودة بالفعل في الأسواق، والتي يُمكنها إبطاء عمليات تراكم البروتينات المسببة لتدهور الخلايا العصبية، غير أن هناك العديد من المشكلات في الطريق الصعب الذي يقودنا إلى إيجاد الدواء.

إلى الآن، لم تُعطِ التشريعات القانونية في مصر الضوء الأخضر للأبحاث المتعلقة بالبحث عن علاجات جينية للأمراض، كما أوضح لنا الخميسي. لذا، يقوم الفريق العلمي بإجراء الأبحاث اللازمة في المملكة المتحدة، علاوة على محاولتهم للحصول على التصاريح اللازمة من وزارة الصحة المصرية لتنفيذ التجارب في مصر.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة