فيتامين "سي" يمكنه إيقاف تطور سرطان الدم

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-01
  • مشاهدة 18

منذ سبعينيات القرن الماضي، اهتم الباحثون باختبار تأثير فيتامين (C) وإمكاناته العلاجية لمرض السرطان، ومؤخرًا ربط بحث جديد بين انخفاض مستويات "أسكوربات" (Ascorbate) وتسارُع وتيرة الإصابة بسرطان الدم أو اللوكيميا.

وكان الباحثون في المركز الطبي للأطفال بجامعة جنوب غرب تكساس الطبية، قد اكتشفوا أن الفئران التي تعاني مستويات منخفضة من فيتامين "سي" زادت لديها بشكل ملحوظ وتيرة تدمير الخلايا الجذعية المكونة للدم، وعانوا نقص إنزيم (TET2) الذي يقمع انتشار الأورام المسببة لسرطان الدم، ما يسهم بدوره في تطور المرض.

وهو ما أكدته نتائج تحليل البيانات الوبائية الخاصة بالمرضى، إلا أن الأسس الجزيئية لهذه العملية لا تزال غير واضحة، وفق الدراسة المنشورة اليوم في دورية (Nature Research).

"لقد عرفنا في السابق أن الأشخاص الذين يعانون مستويات أقل من الأسكوربات (فيتامين C) أكثر عرضة لمخاطر الإصابة بالسرطان، ولكننا لم نفهم تمامًا لماذا. وتقدم أبحاثنا هذه جزءًا من التفسير، على الأقل فيما يتعلق بنظام تكوين الدم"، وفق شون موريسون، قائد فريق البحث بالمركز الطبي لجامعة جنوب غرب تكساس الطبية.

ولا يُعرف الكثير عن عملية استقلاب الخلايا الجذعية، ولكن الدراسة الجديدة وجدت أنها تستهلك مستويات عالية بشكل غير عادي من فيتامين C، إذ يمكنها إعادة تنظيم وظيفتها وكبح تطور الإصابة بسرطان الدم.

محاكاة البشر

ولرصد تأثير فيتامين "سي"، درس الباحثون فئرانًا مبرمجة على عدم قدرة كبدها على إنتاج "أسكوربات" لمحاكاة الحالة البشرية. فعلى عكس البشر الذين يحصلون على "أسكوربات" حصرًا من خلال نظامهم الغذائي بتناوُل الأطعمة الغنية بفيتامين "سي" أو المكملات الغذائية، فإن الفئران يمكن أن تفرزه من خلال الكبد.

استخدم الباحثون الفئران التي تفتقر إلي وجود إنزيم يسمى (gulonolactone Oxidase)، وهو إنزيم موجود بشكل رئيسي لدى معظم الثدييات، ولكنه غير موجود لدى البشر، ووظيفته تصنيع أسكوربات داخل الجسم وتحديدًا في الكبد.

وبعد حرمان هذه الفئران من مصادر "أسكوربات" زادت لديها بشكل ملحوظ وتيرة تدمير الخلايا الجذعية المكونة للدم، وتسارعت وتيرة إصابتها بسرطان الدم، كما عانت من نقص إنزيم (TET2).

في المقابل، نجح الباحثون في خفض وتيرة تدمير الخلايا الجذعية المكونة للدم لدى الفئران بعد تغذيتها بمستويات أعلى من "أسكوربات"، لكنهم قالوا إن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم الآثار السريرية المحتملة لهذه النتائج بشكل أفضل.

منشأ المرض

يعرّف محمد عبد الرحمن -مدرس أمراض الدم، بكلية الطب جامعة الإسكندرية- سرطان الدم بأنه نوع من سرطانات خلايا الدم والأنسجة التي تنتجها مثل نخاع العظم.

وتنشأ خلايا الدم في الشخص السليم، بنخاع العظم كخلايا جذعية، وتنضج لاحقًا لتشكل أنواعًا مختلفة (خلايا دم حمراء أو خلايا دم بيضاء أو صفائح دموية) قبل أن تنتقل إلى مجرى الدم.

لكن في المقابل، فإن الشخص الذي يعاني سرطان الدم، يبدأ نخاع العظم لديه بإنتاج العديد من خلايا الدم البيضاء الشاذة التي تدخل إلى مجرى الدم وتبدأ بمزاحمة خلايا الدم الطبيعية السليمة، وتمنعها أداءَ وظائفها بالشكل الصحيح.

وعن العوامل المسببة لسرطان الدم، أشار عبد الرحمن إلى أن مسببات المرض غير معروفة على وجه التحديد، إلا أن هناك عوامل خطورة معينة يُعتقد أنها تزيد من فرص الإصابة به، ومنها أسباب جينية مثل الإصابة بضمور فى الكروموسومات وحمل جينات تنبئ باحتمالية ظهور سرطان الدم.

وأضاف أن هناك أسبابًا متعلقة بالعوامل البيئية، مثل التعرض للجرعات العالية من الإشعاعات، والتعرض بكثرة للمبيدات الحشرية ومنتجات البنزين، وهي مواد تُستخدم بكثرة في الصناعات الكيماوية، كما يؤدي التدخين دورًا في زيادة فرص الإصابة بالمرض.

وتستخدم الخلايا الجذعية الأسكوربات لتنظيم التعديلات الكيميائية التي تحدث على الحمض النووي، وهي ما يُعرف بالوراثة الفوقية (الإبيجينوم Epigenome)، إذ تستطيع المواد الكيميائية والإجهاداتstresses ومؤثرات أخرى أن تغير بشكل دائم فاعلية جينات معينة دون أن تغير تتاليات دنا DNA sequences هذه الجينات. ويمكن للأجيال المستقبلية أن ترث بعض هذه التغيرات وأن تكون سببًا للأمراض. وقد وجد فريق البحث أن الخلايا الجذعية التي لا تتوافر لها مستويات كافية من فيتامين "سي" يمكن أن تتضرر لديها عملية «الإبيجينوم» بطريقة ما، وبالتالي يزيد خطر الإصابة بسرطان الدم.

مستويات الفيتامين

تاريخيًّا، واجهت دراسة عملية استقلاب الخلايا الجذعية صعوبة، نظرًا للحاجة إلى عدد كبير من الخلايا لإتمام التحليل الأيضي، في حين أن أعداد الخلايا الجذعية في أنسجة الجسم تتسم بالندرة. مكنت التقنية التي جرى تطويرها في أثناء الدراسة من قياس مستويات الأيض في الخلايا النادرة مثل الخلايا الجذعية لدى الأفراد وبشكل دوري.

وفي حديث لـ"للعلم" قال موريسون: إن متوسط مستويات "أسكوربات" لدى البشر يبلغ (50 ميكرومولار) (50uM)، في حين يبلغ (70 ميكرومولار) (70uM) لدى الفئران- الميكرومولار هو حدة لقياس تركيز المادة المذابة في محلول- كما أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات أقل من "أسكوربات" يزيد لديهم خطر الإصابة بالسرطان.

وعن مقدار الانخفاض في مستويات "أسكوربات" الذى رصده الفريق، قال موريسون إن الفئران التي أظهرت تسارعًا في نمو سرطان الدم كانت المستويات لديها حوالي (7uM)، وهذه النسبة تعادل أقل من 5٪ من مستويات "أسكوربات" عند البشر.

يشار إلى أن حوالي 10% من البشر فوق سن 70 عامًا من الأشخاص الذين لديهم طفرات لسرطان الدم تدعى تكوُّن الدم النسيلي clonal hematopoiesis، يمكن أن تتطور هذه الطفرات لدى بعضهم إلى سرطان الدم، وإحدى الحالات الأكثر شيوعًا لتطور هذه الطفرات تتم في حالة وجود نقص في إنزيم (TET2) الذي يقمع انتشار الورم، وتكون هذه الحالة مصحوبة بنقص مستويات فيتامين "سي".

وتفيد نتائج البحث -وفق موريسون- أن الأشخاص الذين لديهم طفرات (clonalhematopoiesis) يجب أن يحصلوا على 100% من حاجتهم من فيتامين "سي" لتعزيز مستويات إنزيم (TET2) القامع لانتشار الأورام.

من دون آثار جانبية

وتعليقًا على نتائج الدراسة الجديدة، قال عبد الرحمن: إن فيتامين "سي" من مضادات الأكسدة التي تعمل على حماية الخلايا بشكل عام، وخاصة الخلايا الجذعية المكونة للدم، موضحًا أنه من المغذيات التي لا تحمل آثارًا جانبية تُذكر، وبالتالي يمكن أن يتناولها مرضى سرطان الدم أو المعرضون لخطر الإصابة به، عن طريق الأطعمة الغنية بالفيتامين، أو المكملات الغذائية، للحصول على فوائدها المضادة للأكسدة.

واتفقت مع نتائج الدراسة عفاف عزت -أستاذ التغذية والكيمياء الحيوية بالمركز القومي للبحوث- مشيرة إلى أن لفيتامين "سي" دورًا مهمًّا في قمع أكسدة الخلايا الجذعية، ومنها الخلايا الجذعية للدم.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، شرحت عزت دور فيتامين "سي" في حماية خلايا الدم، قائلة: إن هناك عمليات موت مبرمج تحدث للخلايا غير اللازمة في الجسم، ومنها خلايا الدم، تُعرف باسم (programmed cell death)، وتعزز تلك الخلايا من إنزيم معين يساعد على تحلل تلك الخلايا بحيث لا تتراكم في الجسم.

وأوضحت أنه إذا حدث خلل في هذه العملية، فإن الخلايا التالفة تتحول إلى خلايا غير طبيعية أو مؤكسدة، وتتراكم في الجسم وتتحول إلى ورم قد يكون حميدًا أو خبيثًا، وفق قابلية الجسم والعوامل الوراثية التي يمكن أن تسهم في الإصابة بالأورام، وهنا يأتي دور فيتامين "سي" ليمنع تأكسد الخلايا.

وأشارت إلى أن الخضراوات بشكل عام، وأنواع الفواكه المختلفة هي أحسن المصادر الغذائيّة للحصول على فيتامين "سي"، لكن يجب الانتباه إلى أن هذا الفيتامين سريع التبخر، ويتعرض للتلف مع التخزين الطويل، وكذلك مع الطبخ، كما يُقلّل التدخين من كفاءة امتصاص الجسم له، لذلك يجب الاستفادة منه فورًا، وتناوُل الأطعمة والعصائر طازجة وعدم تعريضها للحرارة فوق 60 درجة.

ويوجد فيتامين "سي" في الحمضيات بأنواعها، خصوصًا الليمون، والبرتقال، والجريب فروت، واليوسفي، والكيوي، والفواكه مثل الفراولة، والتوت الأحمر والأبيض، والشمام، والبطيخ، والموز، والجوافة، والمانجو، والكمثرى، والتفاح، والأناناس. ويوجد في الخضراوات مثل الكرنب، والفلفل الأخضر والأحمر، والخضراوات الورقية، مثل البقدونس، والكزبرة، والجرجير، والخس، والبطاطا، والبصل، والثوم، كما يوجد في مشتقات الألبان والكبدة والمحار.

ووفق عزت، يكفي الإنسان أن يتناول كوبًا واحدًا من عصير البرتقال أو الليمون، أو ثمرة كبيرة من الجوافة أو المانجو، أو ثمرتين من الفراولة للحصول على حاجته اليومية من فيتامين "سي".

5 عقود من الدراسات

وعلى مدار حوالي 5 عقود، رصدت العديد من الدراسات السابقة دور فيتامين "سي" في مواجهة مجموعة واسعة من أنواع السرطان، مثل سرطانات البنكرياس والكبد والقولون والمبيض والمخ وغيرها، لكن بحثًا نشره علماء فى مركز "بيرلموتر" للسرطان بجامعة نيويورك في عدد يونيو الماضي من دورية (Cellأظهر أن فيتامين "سي" يمنع الخلايا الجذعية لسرطان الدم من التكاثر، وبالتالي يحد من تطور بعض أشكال سرطان الدم.

ولاحظ الباحثون في دراستهم أن 10% من مرضى سرطان الدم النخاعي الحاد، و30% من المرضى الذين يعانون من نوع ما قبل سرطان الدم يسمى متلازمة خلل التنسج النقوي، و50% من الذين يعانون من سرطان الدم النقوي المزمن يعانون من عطل وراثي يقلل من إفراز إنزيم (TET2).

ولذلك، عمل الباحثون على دراسة كيفية تحفيز هذا الإنزيم وراثيًّا، وما إذا كان يمكن استخدام فيتامين "سي" لعمل ذلك، ووجدوا أن جرعة عالية من فيتامين "سي" عن طريق الوريد تعزز آلية وراثية لاستعادة وظيفة إنزيم (TET2).

وأظهرت دراسة أخرى نُشرت في عدد فبراير الماضي من دورية (Cancer Cell) أن تناول جرعة مرتفعة من مكملات فيتامين "سي" يمكن أن يحسِّن العلاج الكيميائي والإشعاعي لبعض أنواع السرطان الشرسة التي تصيب الدماغ والرئة.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، جرى إعطاء 11 مريضًا يعانون من سرطان الدماغ ويخضعون للعلاج الكيميائي والإشعاعي 3 جرعات مرتفعة أسبوعيًّا من فيتامين "سي" لمدة شهرين، ثم جرعتين أسبوعيًّا لمدة 7 أشهر أخرى.

ولاحظ فريق البحث آثارًا جانبية منخفضة جدًّا على المرضى بسبب الجرعات المرتفعة من فيتامين "سي" تمثلت في جفاف الفم، ونادرًا ما كان يحدث ارتفاع في ضغط الدم.

ويعتقد الباحثون أن فيتامين "سي" يساعد على محاربة الجذور الحرة التي تؤدي دورًا في الإصابة بالسرطان والشيخوخة في خلايا الجسم التي تكون أكثر حساسية وضعفًا في أثناء العلاج وتحتاج إلى حماية.

الخطوة التالية

وعن خطواتهم المقبلة، أكد موريسون أن الفريق يتعاون مع المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، لإعادة تحليل البيانات الوبائية حول العلاقة بين مستويات "أسكوربات" والسرطان؛ لفهم أفضل لدور فيتامين "سي" في تعزيز عملية إنتاج خلايا الدم الطبيعية وتجديد نظام تشكيل الدم.

وهو ما أكده عبد الرحمن، الذي قال إنه من المبكر التسليم بأن فيتامين "سي" يمكن أن يحمي من سرطان الدم، لأن نتائج الدراسة تحتاج -كما قال قائد فريق البحث- إلى تأكيدها على عينات من البشر، لتتطابق مع ما توصل إليه العلماء من نتائج على الفئران.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة