كيف تقاوم خلايا سرطان القولون العلاج الكيميائي؟

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 9

الأنيميا الشديدة التي أصيبت بها "سُهى" لدرجة فشلت معها كل العقاقير المتعارف عليها في علاجها؛ كانت سببًا في اكتشاف إصابتها بسرطان القولون بعد إجرائها فحصًا للبراز؛ والذي ظهر مُدَمّى. لم تكن سُهى لتلتفت يومًا لهذا العرض؛ حتى علمت أنه من علامات الإصابة بسرطان القولون.

سُهى اسم مستعار لسيدة في نهاية العقد الثالث، طلبت إخفاء هويتها، وقالت في حديثها لـ"للعلم": "اكتشفت إصابتي قبل عامين وأجريت جراحة لاستئصال الورم، بعدها خضعت لجلسات العلاج الكيميائي". وتضيف: كان عقار "إرينوتيكان" من ضمن العقاقير التي استخدمها الطبيب، وما زلت أخضع للعلاج، فلديَّ أمل كبير في استجابة جسدي له.

وإرينوتيكان هو اسم العقار الكيميائي المستخدَم في علاج سرطان القولون والمستقيم، وهو مُدرَج ضمن قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية، ومعترَف به من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA في عام 1996، كما جرى الترخيص الكامل له عام 1998.

سُهى واحدة ضمن آلاف المصابين بسرطان القولون في مصر، الذي تتراوح نسبة الإصابة به ما بين 10% و14% وفقًا للدراسة المنشورة على موقع منظمة الصحة العالمية. صنفت المنظمة المرضَ ثالثًا بين أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين الرجال بعد سرطان البروستات والرئة، وبين النساء بعد سرطان الثدي والرئة، ووفقًا للإحصائيات الصادرة عنها يبلغ معدل الوفيات السنوية بسرطان القولون المستقيمي 694 ألف وفاة.

وتُعَد مقاومة خلايا السرطان للعلاج الكيميائي تحديًا كبيرًا، مما دفع باحثين من مركز علوم الجينوم في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة شيفيلد University of Sheffield، وجامعة ساسكس University of Sussex، بقيادة الدكتور شريف الخميسي، مدير المركز، لمحاولة الكشف عن سر تلك المقاومة لـ"إرينوتيكان" عبر البحث المنشور في الدورية العلمية Nature Reviews Cancer، أكتوبر/ آب الماضي.

التحدي الأكبر

استهدف البحث تحديد أسباب مقاومة خلايا السرطان للعلاج الكيميائي؛ وتحديدًا مقاومة بعض الأجسام لـ "إرينوتيكان". استغرق العمل على البحث أربع سنوات ونصف.

وأوضحت النتائج أن العلاج الكيميائي يقتل الخلايا السرطانية عن طريق التسبُّب في تكسُّر أجزاء من الشريط الوراثي (DNA) ونتيجة لذلك تقاوم الخلايا التكسُّر وتحاول إصلاحه؛ وهو ما يؤدي في النهاية إلى مقاومة العلاج. وكشفت النتائج عن إمكانية إيجاد وسيلة لتعطيل قيام السرطان بإصلاح تَكسُّر الشريط الوراثي وجعله أقل قوة، وهو ما يؤدي إلى زيادة فاعلية العلاج في قتل الخلايا السرطانية بعد إضعاف قدرتها على المقاومة. لذا إذا تمكنّا من إيجاد وسيلة لتعطيل أدوات السرطان للإصلاح وجعلها أقل كفاءة، سنتمكن من إماتة الخلايا السرطانية.

خلال البحث تمكَّن فريق العمل من إجراء تجربة معملية جرى فيها إنتاج نماذج للخلايا السرطانية للقولون والمستقيم مقاوِمة لعلاج "إرينوتيكان"، وتوصلت التجربة إلى أن إضافة تعديل معين في بروتين يحيط بالشريط الوراثي يُدعَى "هيستون" أدت إلى إصلاح الشريط الوراثي بدرجة أسرع في الخلايا السرطانية، ما أدى إلى مقاومة العلاج. هذه الآلية من مقاومة الخلايا كانت غير متوقعة؛ إذ إنها تحدث من جَرَّاء تغيُّرات في الطريقة التي تعبِّر بها الجينات عن نفسها وليس لظهور طفرات في الجينات. لقد عمد الفريق البحثي إلى إيقاف نشاط الإنزيمات المنظِّمة لعمل بروتين "هيستون"؛ وبالتالي التغلُّب على مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج الكيميائي.

يقول الدكتور شريف الخميسي لـ"للعلم": إن التجارب المعملية أثبتت مقاومة الخلايا السرطانية لعلاج "إرينوتيكان" بنسبة بلغت حوالي 50%. وأضاف أن اكتشاف خط علاجي جديد لسرطان القولون يرتكز على أساس علمي، هو الهدف الحالي لفريقنا، وأشار إلى إجراء تجارب على الحيوانات، بعد معرفة الإنزيم المسؤول عن المناعة المقاوِمة للعلاج لسرطانات القولون والثدي.

وحول حداثة هذا العلاج ولجوء الأطباء المعالجين لإدخال خط علاجي آخر بمجرد اكتشاف مقاومة جسم المريض لعقار "إرينوتيكان"، رد الخميسي قائلًا: "بالفعل العلاج مُجاز حديثًا من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، لكن مناعة العلاج تُعَد مشكلة كبيرة؛ وعادة ما يتم اللجوء لخط علاجي آخر من الأطباء المعالجين، وهو ما قد يترتب عليه تكوين الجسم مناعة ضده أيضًا. ويشدد الخميسي على أن الهدف من تجارب العلماء تغيير طريقة تفكير الأطباء في مواجهة مناعة السرطان لبعض العقاقير والعلاجات المستخدمة، بحيث ترتكز على أساس علمي. وتُعَد العشرون عامًا التى مرت منذ إجازة عقار "إرينوتيكان" في العام 1996 فترة زمنية حديثة نسبيًّا في متوسط عمر المنتَج الدوائي.

كما أوضح الخميسي أن الأبحاث تُجرى في الإطار المعملي، قائلًا: "نأمل أن تشجع أبحاثنا الأطباء على إجراء تجربة سريرية لكي يتم التكامل المطلوب؛ لأن أي تجربة سريرية تبدأ من المعمل أولًا ثم تجرى على الحيوانات المعملية وتنتهي بالتجارب على البشر".

ضرورة الكشف المبكر

وفقًا للأبحاث التي أجرتها جمعية السرطان الأمريكية، يشكل سرطان القولون والمستقيم حوالي 10٪ من جميع الحالات السرطانية، ففي عام 2012 كان هناك 1.4 مليون حالة إصابة جديدة و694 ألف حالة وفاة بسبب هذا المرض. وينتشر هذا المرض في الدول المتقدمة بمعدلات أكثر، حيث يوجد فيها أكثر من 65٪ من إجمالي حالات الإصابة، كما أنه أقل انتشارًا لدى النساء منه لدى الرجال.

وفي عام 2015، أطلقت جمعية دعم مرضى السرطان حملة "95%" للتوعية بضرورة الكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم في مصر، والتوعية بكيفية الوقاية منه، واستندت الحملة إلى التعريف بنسب الشفاء المرتفعة من المرض إذا جرى اكتشافه مبكرًا.

والسرطان مصطلح عام يشمل مجموعة من الأمراض يمكنها أن تصيب كل أجزاء الجسم. ويُشار إلى تلك الأمراض أيضًا بالأورام والأورام الخبيثة. ومن سمات السرطان التولّد السريع لخلايا شاذة يمكنها النمو خارج حدودها المعروفة واقتحام أجزاء الجسد المتلاصقة والانتشار إلى أعضاء أخرى، ويُطلَق على تلك الظاهرة اسم النقيلة.

مجهود بحثي قيم

من جانبه، علق الدكتور ياسر عبد القادر -أستاذ علاج الأورام في القصر العيني على الدراسة- قائلًا: إن الدراسة تكشف عن مجهود بحثي قيِّم، لكنه يظل في الإطار المعملي، ولا يُتوقع أن يكون مؤثرًا في مجال العلاج.

وأضاف عبد القادر: إن علاج "إرينوتيكان" واحد من العلاجات المستخدمة في علاج سرطان القولون المتقدم وليس الدارج، واستطرد: والبحث هنا يتناول أسباب المقاومة وكيفية التصدي لها، وهو بحث كيميائي ليس له أي تأثير على الإطار الإكلينيكي سواء بالسلب أو الإيجاب، وفق رأيه، لافتًا إلى أنه في حالة مقاومة العلاج لسرطان القولون لا يتم البحث عن أسباب المقاومة، مقارنةً بأنواع أخرى من السرطان مثل سرطان الرئة لوجود أدوية في حالات المقاومة، وفي حالة سرطان القولون يتم التحويل إلى علاج آخر.

وقالت الدكتورة ابتسام سعد الدين -أستاذ علاج الأورام في كلية طب القصر العيني- لـ"للعلم" تعليقًا على البحث: إنها من خلال خبرتها العملية رصدت بالفعل وجود مقاومة للعلاج بعقار "إيرينوتيكان" في حالات أورام القولون الخبيثة بعد استخدامه لجرعات متعددة، ويحدث ذلك بعد حدوث استجابة مبدئية في فتره العلاج الأولى.

بالنسبة للنتائج المبدئية للبحث، والخاصة بوجود عقار يتغلب على طريقة حدوث المقاومة (overcome mechanism of resistance)، وأضافت سعد الدين: النتائج مبشرة؛ إذ تحدِّد بدقة الخلل الجيني الذي يتسبب في حدوث المقاومة وكيفية التغلب عليها.

وعن مدى إمكانية تطبيق نتائج البحث على أرض الواقع قالت: "من الممكن تطبيق هذه النتائج، ولكن بعد إجراء المزيد من الدراسة والبحث، حتى يمكن التوصية باستخدامه على نطاق واسع".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة