كيف نخلق مواضيع جيدة للتحاور في أي لحظة وأي موقف

القدرة على تنمية وتطوير الآليات التداولية والتواصلية مهم وأساسي في تيسير وتسهيل أواصر وجسور الحوار والمحادثة.

إن إدارة الحوار فن ومهارة، وهو يتطلب الإفادة من التجارب الشخصية وحب التفاعل مع الآخرين وتقبل عاداتهم وتقاليدهم، وكذلك حسن الإصغاء واحترام الآراء.

فإدارة الحوار، فن لا يقوم على الموهبة وحدها، بل يتوجب لقيامه اشتغالا مستمرا على ذواتنا وممارسة يومية مع الآخرين.

سبق وأن ناقشنا الآليات والوسائط المساعدة على حسن التواصل والتفاعل مع الآخرين، واعتبرنا أن التقدير والاعتراف الجماعي يمر عبر تقوية قدراتنا على التكيف والتأقلم والتفهم والمشاركة في تبادل وتداول العلاقات والمصالح التي نتقاسمها ونشترك في الانتفاع بها.

أغلبية الأفراد لا تشكل عندهم إرادة الاندماج والتفاعل أولوية من الأولويات، بل ظروف الحياة ومتطلباتها تفرض وتحتم علينا إظهار ما نكتسبه ونعرفه من مهارات وإمكانيات لخلق التجاوب وحب وود الآخرين.

إن عدم الثقة في الذات يدفعنا دائما إلى الاختباء والتستر بذرائع وأسباب واهية مثلا (حين يُطلَبُ من شخص إبداء رأي ما فهو يتملص ويتعذر بكونه لا يعرف ما يقول، أو أنه غير مهتم…).

إن القدرة على إبداع وخلق مواضيع وقضايا جديدة لجدب وتقريب الآخر والتجاوب معه، تعتبر من الميزات والعناصر القوية في شخصية الفرد الذي يريد أن تكون له مكانة وحضور داخل محيطه ووسطه.

إن سرعة البديهة في الحوار والاسترسال في الكلام بغية الوصول إلى هدف وغاية محددة، هو تعبير عن الكفاءة والتواصل الجيد داخل وسطنا الاجتماعي.

هذه المقومات والامكانيات الذاتية تمكن الفرد من التحكم في أدواته التواصلية وتمنحه المصداقية والمكانة المستحقة بين الآخرين.

فما السبيل لإيجاد مواضيع وقضايا مشوقة وجادبة للآخرين؟

1. اختيار مواضيع للحوار تبرز ميولاتنا وتوجهاتنا

تقتضي سيرورة الحياة أن يتدافع ويتنافس الأفراد فيما بينهم لخلق تفاعل وتواصل إنساني فاعل وإيجابي.

فالمجالات والفضاءات التي نستوحي منها تصوراتنا وأهدافنا، هي نفسها التي نستقي منها الطرق والمناهج والرؤى التي تتوافق وتتناغم مع ميولاتنا ومؤهلاتنا.

فلنجاح أي حوار لابد من توضيح بعض المفاتيح الأساسية لنجاحه ومن أهمها:

  • التأكيد على وجوب احترام قيم الآخرين وآراءهم.

  • التحفظ على المواضيع التي تسبب احراجا وتجريحا للآخرين.

  • طرح أفكار ومعلومات متناسبة ومواتية لمخاطبينا، لمناقشتها والتفاعل معها.

  • احترام حرية عدم الإجابة من قبل المخاطبين على أي سؤال.

  • توخي الليونة والمرونة وتجنب ردود الفعل والأحكام المسبقة والنهائية.

  • ضبط النفس عند الاستماع للآراء المخالفة لتصوراتك وقناعاتك.

  • الحضور القوي من خلال توظيف لغة الجسد والحركات.

  • اعتماد النظر في عيون مخاطبيك، أي مخاطبتهم وجها لوجه.

  • الابتسامة ضرورية في تعزيز انفتاح المخاطبين وثقتهم.

وبناء على ما سبق، فإن تحديد الغاية والهدف من التحاور والتجادل مع الآخرين أساسي لتسهيل وتفعيل آليات التداول والتواصل.

ويشكل الخوف والرهاب الاجتماعي عامل إعاقة وحاجزا في نجاح حواراتنا.

فنقل وتحويل طاقاتنا وإعجابنا وحبنا للآخرين، وإبراز تفاعلك وتجاوبك معهم يساهم في تنمية آلياتك ومقوماتك الاجتماعية.

فالعفوية والبساطة مطلوبة في الحوار مع الآخرين، لكن الدقة والموضوعية والتنسيق ضروري في إظهار ملكاتك ومؤهلاتك التواصلية، وأيضا في الوصول إلى الأهداف والمرامي المنشودة من هذا الحوار والمحادثة.

التواصل والحوار السليم والفعال لا ينضبط ولا يستقيم بدون تحديد وتأطير المغزى والهدف المرجو منه.

بالتالي فإن مشكل التواصل والحوار يتعقد ويصعب في وسط ومجال جديد لا نملك فيه الآليات اللغوية والتواصلية للاندماج والانصهار مع الآخرين.

وحتى يسهل علينا التكيف في وسط ومحيط جديد، يلزمنا أن نتعلم أدبيات وأبجديات التداول اليومي لهذا المحيط، مثلا (حفظ كلمات وعبارات أو اقتداء سلوك وأسلوب في التصرفات يرتاده أفراد هذا المحيط الجديد).

فما دور حسن الاصغاء والانصات في العملية التواصلية؟

2. إجادة الانصات والاستماع هو وسيلة فعالة لطرح مواضيع جديدة

إن تنمية وتقوية القدرات التواصلية وتجويد أساليب وطرق التخاطب مع الآخرين، لا يتحقق بدون أن نجيد لغة الاصغاء والانصات لنبض الواقع والمجتمع.

فالاستماع والانصات للآخرين، يمنحنا القدرة والفرصة لاستيعاب وفهم تطلعات وهواجس الآخرين.

ومن تم يسهل علينا تصور وتخيل المواضيع والقضايا الممكن طرحها في الحوار.

إن من مميزات المُحاوِر الجيد والحوار البناء، هو عدم الحسم أو الاعتقاد بأن أسئلتنا وأجوبتنا قاطعة وحاسمة، بل يجب أن نراعي أن عامل النسبية دائما قائم، لكي يظل حوارنا والأفكار التي نتناولها مفتوحة على المزيد من النقاش والجدال.

هذه الطريقة والنوع من الحوارات يوطد ويوثق العملية التواصلية ويعطي للشخص الذي يثير ويدير النقاش مكانة متميزة وتجاوبا جيدا من طرف الآخرين.

الحوار الشيق والمثير للسماع، هو الحوار الذي يرحل بنا إلى عالم مؤثت بأماكن وشخصيات ووقائع قريبة من اهتمامات وفضول المستمعين.

هذا النوع من الحوار يقوي القدرات والملكات في شخصية المُحاور، فهو قيمة مضافة تظهر وتجدب المستمعين والمتتبعين لحوارنا ونقاشنا.

فامتلاك أدوات وآليات الذكاء والمهارة الاجتماعية، مهم في التفوق في اختيار وانتقاء وإيجاد المواضيع والقضايا الجديدة التي تحمس وتشجع الغير على الحوار وتبادل الآراء والأفكار.

المُحاور الجيد يحظى بتقدير واحترام الآخرين، لأن طبيعة ونوعية المواضيع التي يختارها ويتناولها في حواراته تكون جذابة ومثيرة لفضول وشغف المحيطين به.

3. إيجاد مواضيع للحوار مستهلكة وعابرة

إن الحوار والنقاش مع غرباء لا تربطنا بهم أواصر أو صلات، يدفعنا إلى تبني خطاب وحوار، يطبعه التبسيط والاقتضاب، وعدم الخوض في القضايا والمواضيع التي تثير فضول واهتمام مخاطبيك.

فالحوارات التي تدور غالبا بين الغرباء، تكون محصورة ومحدودة، ويغيب عنها الخيال المبدع، لأننا نكون في وضعية غير مريحة، وبالتالي تكون حواراتنا مختلقة ومفتعلة، وبذلك نكون بعيدين عن ممارسة أدبيات وقواعد التواصل الفاعل والحقيقي.

ففي هذه المواقف والحالات يكون الهدف هو التخلص والتملص من المحاورين الغرباء، على اعتبار أننا لا نملك ولا نقتسم معهم تراكما ورصيدا من التعاملات والتفاعلات، التي تضمن وتسهل لنا طرح المواضيع والقضايا بشكل سلس وعفوي.

إن خلق مواضيع وإيجاد حوار يتناسب معها، لا تكون مردوديته بارزة ومتميزة مع أشخاص لا نعرفهم ولم يسبق لنا الحديث معهم.

الحوار في هذه الحالة يكون معيبا وغير مكتمل، لأنه غير عفوي، لأن حريتنا مقيدة بالرقابة والضبط الذي يسيطر على تفكيرنا ومخيالنا.

مما يؤثر على الحوار الذي يكون باهتا ومفتقرا لأسس التواصل والتفاعل الإيجابي.

إن الصدق والعفوية والتجاوب عناصر وعوامل مهمة ومطلوبة لتحقيق حوار ونقاش فعلي له وقع ومردودية داخل وسطنا الاجتماعي.

4. اختيار مواضيع للحوار عن طريق الملاحظة

إلى جانب الاستماع والانصات للآخرين، فالملاحظة من الآليات القادرة على الإيحاء لنا بمواضيع للحوار والتفاعل مع الآخرين.

إن مظهر الشخص وشكله والملابس التي يرتديها، وآليات التواصل اللاشفهي، هذه كلها وسائط ووسائل تمكننا من مد وربط جسور التواصل والتفاعل مع الآخرين، فهي تقرب الفوارق التواصلية بين الأشخاص، وتسهل اختيار وطرح مواضيع للحوار بدون مقدمات أو شكليات.

فالرموز والحركات والإشارات، أدوات ووسائط تُوَظّف وتُستغل في تمديد وتسهيل قنوات التواصل والتفاعل.

والمظهر الخارجي والرموز والإشارات التي تحملها الملابس والأزياء، يمكن توظيفها واستعمالها كأرضية لحوارات ومواضيع ذات اهتمام مشترك.

إن تتبع ومراقبة وملاحظة دينامية وتفاعل الوسط الاجتماعي ضروري لكي نستطيع إيجاد مواضيع وقضايا قابلة للنقاش والحوار بيسر وسهولة.

ويعتبر انتقاء المواضيع وطرق وأساليب الحوار وكذلك اعتبار رؤية وتطلعات الناس وقناعاتهم، شرطا من شروط الحوار المفيد والفعال.

فالقدرة على الانفتاح على الآخرين ومشاركتهم ومقاسمتهم المواضيع التي تثير اهتمامهم وفضولهم، من المميزات والخصائص التي يتقوى ويتدعم بها تفاعلنا وتجاوبنا مع الآخرين.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة