لماذا تنتقل عدوى الخوف من الجريمة إلى المجتمعات الآمنة؟

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 11

ربما كان منطقيًّا الاعتقاد بأن ظاهرة الخوف من الجريمة تسود في مناطق تحدث فيها الجرائم بمعدلات كبيرة ، أو على الأقل أن يكون مَن يخافون أن تصل إليهم الجرائم مقيمون بالقرب من مناطق تنتشر فيها الجريمة، لكن دراسة حديثة أجراها باحثون بجامعة University College in London كشفت أن الخوف من الجريمة ينتشر كالعدوى لأسباب مغايرة.

تخلص دراسة تحت عنوان "محاكاة الخوف من الجريمة" نشرتها دورية بروسيدنجز أوف رويال سوسايتي Proceedings of Royal Society، إلى أن "التفاعلات الاجتماعية بين مَن يعيشون في مناطق آمنة وغيرهم ممن يعيشون في مناطق تنتشر فيها الجريمة، تؤدي بالآمنين إلى الشعور المتزايد بالخوف من تعرضهم للجريمة. على الرغم من أن الجريمة ظاهرة نادرة ومركزة للغاية يستمر الشعور بالخوف من الجريمة حتى في المجتمعات التي لا تمتد إليها الجرائم".


توصل الباحثون إلى هذا الاستنتاج من خلال استخدام الكمبيوتر لرسم نموذج محاكاة يعيد إنتاج الواقع افتراضيًّا من خلال معادلات رياضية تمثل العوامل الأساسية المسببة لشعور الخوف من الجريمة، مثل المرور بتجربة المعاناة الفعلية من جريمة ما، وذكريات الأفراد عن جرائم تعرضوا لها أو سمعوا عنها.
وركز الباحثون في الدراسة على التوصل إلى طريقة لقياس معدلات الخوف من الجريمة بأقصى دقة ممكنة وبأقل عدد من المتغيرات.
عدوى الخوف

استند النموذج المستخدم في الدراسة إلى محاكاة افتراضية لمدينة يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة. وتم إنشاء ثلاث مجموعات لتمثيل ثلاثة أجزاء من المدينة الافتراضية، الأول: جزء منعزل تمامًا عن الجريمة ومحصن ضدها، والثاني: جزء من المدينة آمن إلى حد كبير، والثالث: جزء من المدينة تنتشر فيه الجريمة.

كما تم منح كل "شخص افتراضي" سمات تهدف إلى محاكاة السلوك البشري الفعلي في ظل ظروف معينة، إذ عمل الباحثون على خلق أحداث افتراضية تحاكي المواقف التي تشهد تفاعلات بين "متأثرين بالجريمة" أو"آمنين تمامًا" أو"آمنين نسبيًّا".
ومن بين المواقف والبيئات التي حاكاها الباحثون تعرض الأشخاص الافتراضيون لجرائم افتراضية، وكان عامل مرور الوقت مهمًّا جدًّا في سياق تجربة المحاكاة. في بعض المواقف تزايدت مستويات الخوف من الجريمة حين كان الوقت المخصص للتفاعل أطول، وقلت بوضوح أو اختفت تمامًا في مواقف أخرى.
واستمر نموذج المحاكاة الافتراضي ست سنوات، وانتهى إلى أن التفاعُل بين الفئات الأكثر تعرضًا للجريمة والفئات الأكثر أمنًا أدى إلى رصد إحساس الآمنين بخوف مبالغ فيه بمجرد الحديث مع غير الآمنين، فيما شبهه الباحثون بالعدوى من الخوف من الجريمة. وفي المقابل فإن "غير الآمنين" لم تقل معدلات خوفهم من الجريمة عبر التفاعل مع الفئات الأكثر أمنًا.
 
وفقاً لتلك النتائج، فإنه "من الوارد أن تكون هناك منطقتان لديهما نفس المعدل من انتشار الجريمة، لكن الشعور بالخوف من الجريمة يختلف جذريًّا بين قاطني المنطقتين، والعكس صحيح، فقد يكون هناك نطاقان لديهما نفس المعدلات من الأمن وفقًا للإحصائيات، لكن يتم رصد شعور فئة من الفئتين بخوف غير مبرر من الجريمة، ومرجع ذلك إلى "أثر التفاعلات الاجتماعية مع فئات تشعر بوطأة الخوف من الجريمة بوتيرة أكبر".
وأشارت الدراسة إلى أن "هذه المشاعر السلبية من الخوف الزائد عن الحد من الجريمة قد تستمر سنوات، حتى إن ظلت معدلات الجريمة منخفضة أو شهدت تراجُعًا ملحوظًا".

 يقول رافاييل بريتو كورييل -الباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدافع وراء إجرائي لتلك الدراسة هو ملحوظاتي من خلال عملي مدةَ خمس سنوات مع الشرطة المكسيكية باحثًا، إذ بدا لي واضحًا أن الخوف من الجريمة ليس له علاقة بالضرورة بوتيرة وقوع الجريمة في النطاق الذي ينتشر فيه هذا الشعور بالخوف".

ويضيف كورييل: "من هنا نشأت ضرورة البحث عن طرق لقياس الخوف من الجريمة بمقاييس يمكن متابعتها ودراستها، وإنشاء علاقات منطقية يمكن ملاحظتها وتتبُّعها للتوصل إلى العوامل التي تؤدي إلى ذلك الخوف".

نموذج رياضي لقياس الشعور بالخوف

ويشير كورييل إلى أن "النموذج الرياضي هو مجرد طريقة نحدد بها شعور الخوف من الجريمة والعوامل الأساسية وراء تكوين هذا الشعور، إذ يتم تحويل هذه العوامل إلى متغيرات رياضية، والعوامل الثلاثة هي: وقوع الجريمة والتفاعلات الاجتماعية والذاكرة المرتبطة بالجريمة، وعليه يسهل صياغتها في معادلات رياضية، وينبغي الإشارة إلى أن المعادلات في حد ذاتها وصياغتها ليست مكمن الأهمية، الأهم هو ما تعنيه تلك المعادلات وكيفية استخدامها".

 يرى كورييل أن "معظم الدراسات السابقة تناولت ظاهرة الخوف من الجريمة من منظور فردي، لذا اعتنت بالخصائص الفردية الشخصية التي تؤثر وتتأثر بالخوف من الجريمة مثل العمر والجنس مثلًا، ولكن تلك الدراسة هي الأولى التي تتناول الخوف من الجريمة على مستوى جغرافي وفق المنطقة (مدينة مثلًا)، وهو المستوى الأكثر ملاءمة لتحليل الظاهرة؛ لأنه حتى في المناطق التي تنتشر فيها الجريمة بمعدلات كبيرة فإن الأفراد الذين تعرضوا لجريمة بالفعل نادرون جدًّا، لذا فإن التحليل الفردي غير ملائم لدراسة الظاهرة؛ لأن الخوف من الجريمة شعور ينتج عما يطلق عليه (الإيذاء غير المباشر) Indirect Victimization ".

ويؤكد كورييل أن "الدراسة حاولت التركيز على الأسباب الإنسانية المجردة للتوصل إلى الوسائل الأكثر بساطة ودقة وشمولية لقياس الخوف من الجريمة، بغض النظر عن البيئة والظروف المحيطة. فالنموذج الرياضي لا يتصدى لعوامل قد تكون مهمة في بناء شعور الخوف من الجريمة، ولكننا عبر هذا النموذج نستطيع أول مرة تفسير لماذا ينتشر الخوف من الجريمة في مدينة آمنة أو تشهد معدلات جريمة قليلة بنفس الدرجة التي ينتشر بها في مدينة تتفشى فيها الجريمة".

من جهتها، ترى سحر حساني -أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس- أن استخدام "النموذج الرياضي كـ"موديل" أو منهج قد أتاح التنبؤ بالتصرف الذي يلجأ إليه الشخص عند التعرض لموقف معين.

وتضيف حساني، في تصريحاتها لـ"للعلم"، أن "الباحث حاول تطوير نموذج لديناميات أو سيكولوجية اللاشعور التي تصور الأمن للمنطقة باستخدام مفاهيم مماثلة لتلك المستخدمة في ديناميات الرأي، ولكن هذا النموذج أغفل تمامًا النظريات الرئيسية التي تفسر الجريمة والخوف منها، كتلك السمات التي يكتسبها الفرد في ظل ظروف معينة، وتفاعُل هذه السمات الشخصية مع البيئة المجتمعية. لقد أجريت الكثير من الأبحاث لدراسة مدى انتشار الخوف من الجريمة وتأثره بالأوضاع الاجتماعية، لكن الجديد هو استخدام الباحث نموذجًا رياضيًّا لدراسة الظاهرة".

وترى حساني أن "النتائج التي توصل إليها الباحث تتفق مع بعض نتائج دراسات سابقة استخدمت منهجيات مختلفة.

ومن هذه الدراسات دراسة Carlos J.vilata عن الخوف من الجريمة داخل المجتمعات المسورة والمجمعات السكنية، إذ رصدت الدراسة العلاقة بين الزيادة في عدد المباني الجديدة في مكسيكو سيتي كرد فعل على الخوف من الجريمة. كذلك حاولت التعرف على ما إذا كانت هذه الخيارات السكنية تساعد فعلًا في السيطرة على الخوف من الجريمة، وانتهت إلى أن الخوف من الجريمة ليس له علاقة بنوع السكن.

 ويأتي في السياق نفسه دراسة أجراها باتريك دونيلي Patrick G. Donnelly عن تأثير الخصائص الفردية وخصائص الأحياء على الخوف من الجريمة، إذ أكدت الدراسة النتيجة التي توصلت اليها الدراسة الراهنة من أن الخوف من الجريمة لا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيذاء الشخصي أو بارتفاع معدلات الجريمة في الأحياء".

من جهته، يرى علي عبد الراضي -باحث في العلوم الانسانية بجامعة عين شمس واخصائي العلاج النفسي- في تصريحات لـ"للعلم"، أن الباحث ركز فقط على الجانب السلبي للتفاعل الاجتماعي، في حين أن "المثير البشري والتفاعلي" يشمل مجموعة العلاقات والبناء الاجتماعي وأشكال العلاقات المختلفة بين البشر والطبيعة وكل أشكال الثقافات والعادات والتقاليد والأحكام العرفية وأشكال الضبط الاجتماعي المختلفة التي تحدد العلاقات بين الإنسان والبيئة.

ويضيف عبد الراضي: "لقد أغفلت الدراسة تمامًا مفهوم المسؤولية الاجتماعية أو ما يُعرف في علم النفس بالمسؤولية البيئية، فكلما كانت البيئة الاجتماعية أكثر ضبطًا وأكثر مسؤولية، قل حجم العبء والمخاطر والقلق العام والقلق البيئي الذي يؤدي إلى حدوث تضخم في حجم المخاوف التي تؤثر على شعور الفرد بالأمان، بل ونقل الشعور بالأمان للغير".

ووفق عبد الراضي فإن "الدراسة تهمل الأثر النفسي والاجتماعي لتكرار الفعل الإجرامي على المجتمعات البشرية، ومن الثابت علميًّا ونفسيًّا أن تكرار الفعل الإجرامي بشكل مجدول على مراحل متقاربة ومرتبطة بأحداث وتجمعات ومناسبات يؤدي إلى تعاظُم الشعور بانعدام الأمن، وذلك ما يعتمد عليه الإرهابيون والجماعات المتطرفة لإحداث حالة من الخوف والقلق العام".

خوف من الجريمة أم خوف من الحياة

كانت دراسة سابقة أجرتها لوشيا دامرت، الباحثة في التاريخ المعاصر في جامعة تشيلي، تحت عنوان "خوف من الجريمة أم خوف من الحياة" نُشرت عام 2003، توصلت إلى أن "خوف التشيليين من الجريمة ليس خوفًا من الجريمة في حد ذاتها، بل هو خوف نابع من عوامل اقتصادية ومشكلات يومية مزمنة تسبب إحساسًا بالافتقار إلى الأمن".

وتوصلت لوشيا في دراستها التي نشرتها جامعة بطرسبرج إلى أن "تعبير التشيليين عن الخوف من الجريمة هو تعبير عن خوفهم من عدم توافر أنواع أخرى من الأمن، على رأسها الأمن الاقتصادي، ما يعني أن الفقر ومعدلات البطالة العالية يولدان شعورًا بالافتقار إلى الأمن يتم التعبير عنه في صورة خوف من وقوع جرائم في كثير من الأحيان، وأن هناك أيضًا مخاطر ناتجة عن مشكلات اجتماعية وسياسية تُسهم بشكل كبير في هذا الشعور".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة