لماذا سنترك الفيس بوك في يوم ما ..!؟


يتصور بعض الناس ان الفيس بوك ينقذهم من الاحساس بالوحدة لانه يمنحهم عددا هائلا من الاصدقاء ..الذين يغيبون بغياب الصفحة الزرقاء او الخروج منها او انقطاع الشبكة ..اذ يرجع كل واحد الى وحدته التي هرب منها الى اصدقاء اليكترونيين ..نرى صورهم او الصور التي تنوب عن شخصياتهم في اعلى الصفحة ..لكنها مجرد صور ونادرا ماتكون حقيقية تمثل اولئك الاصدقاء ..وعلى الارجح هي تمثل مايريدون ان يظهروا عليه امام اصدقائهم ..حتى لو لم تكن تمثل ماهم عليه في الحقيقة اصلا من شكل وطبائع واخلاق وقيم ...وليست تلك مشكلة كبيرة ..مادام هناك تطابق ولو بالحد الادنى بين الصورة والحقيقة او بين الصورة وما يريد اصحابها التعبير عنه على الصفحة...فاصحابها احرار في اختيار مايشاؤون من صور او احلام للصور التي يريدونها او يتمنون ان يكونوا عليها..لكنها في النهاية مجرد صور لاتتمتع بنبض الوجود الانساني للصديق كما هو الحال في الواقع عندما نجلس معه وجها لوجه فنحس به وبانفاسه ونلمح تعابير وجهه ونبرة صوته ونصغي لنبضات قلبه وانفعالاته حتى لو تكلم للحظات او لو لم يتكلم ...وجود الصديق في الحياة الحقيقية لايغني ابدا عن الوجود الالكتروني للصديق في عالم الفيس بوك الذي يبدو كالانسان الالي بصورته الجامدة اعلى الصفحة وافعاله المعروفة : النشر / التعليق / الاعجاب / المشاركة / الدردشة وحتى هذه الاخيرة تخضع لقواعد الكترونية مملة ...محددة بتعليمات مربع الدردشة الضيق الكئيب ..

لقد تغير طعم الصداقة الجميل بسبب الفيس بوك ..كان الاصدقاء المقربون لايتعدون اصابع اليد ..اليوم بفضل الفيس يمكن ان يصلوا الى ال 5 الاف وهو الحد الاعلى للصداقات على صفحة الفيس ..ولاشك ان التواصل مع 5 الاف لن يكون بتلك المتانة والقوة في التواصل مع 5 اصدقاء او عشرين صديقا كما كان الامر في الزمن القديم ..عندما تغيب عن الخمسة او عن العشرين تجدهم جميعا يسالون بصدق عن غيابك للاطمئنان عليك ..الان من مجموع 500 صديق او الف او اكثر قد لاتجد سوى خمسة يسالون عنك في فترات غيابك ..

كان التعبيرعن التواصل بين الاصدقاء يتخذ اشكالا انسانية واجتماعية وروحية عديدة ..اما على صفحات الفيس بوك فلا خيار للتعبير عن التواصل سوى : التعليق او الاعجاب او المشاركة ..

كان الخصام بين الاصدقاء لايصل الى درجة القطيعة التامة الا نادرا ..اذ يمكن للوجوه المتخاصمة ان تلتقي في يوم ما ..في مناسبة ما ..وتدمع العيون ..فتتصاعد الذكريات ويتدفق الحنين وتعود المياه الى مجرى الصداقة مجددا ..لكن على صفحات الفيس قد يصل الخصام الى درجة القطيعة الالكترونية التامة المطلقة والغاء الصداقة الى درجة ( الحظر ) الجاف الذي يمحو الكترونيا اي لقاء بين الصديقين .. ويشطب اية فرصة لعودة المودة ..ويقود الطرفين الى قسوة النسيان الابدي ..

مع ذلك فان من فضائل الفيس بوك انه بات يمثل طرفا جيدا للاصغاء الى هموم الذات وامتصاص مشاعرها او افكارها بما يوفره - في اي وقت نشاء اختياره - من فرصة للتسامي بتلك المشاعر والافكار من حيز وجودها المضطرب في الداخل الى حيز وجودها المنظم في الخارج على صفحة الفيس بوك وعبر منشور من الكلمات او الصور او الاثنين معا يعبرعن تلك المشاعر والافكار بمثل او حكمة او بضعة سطور انيقة الاسلوب تشعر بعدها الذات بالراحة النفسية لاسيما اذا وجد المنشور استجابة من الاصدقاء الاخرين بالاعجاب او التعليق ..

يسرقنا الفيس بوك من التامل في كل شيء باستثناء شاشته الالكترونية الباردة ..يحرمنا لساعات من التامل الجميل البسيط البدائي الذي كنا نتمتع به في اوقات الراحة والفراغ او مراجعة الذات ..كنا نستلقي على الاسرّة نتامل في الجدران من حولنا ..في شقوقها التي كنا نتخيل خروج وحوش منها او ورود او مهرج بانف احمر جميل يضحكنا ثم يختفي ..كنا نتامل في صمت النوافذ وحركة الستائرالمشاغبة واجنحة الريح التي ترفرف حول قماشها الاسيوي المطرز الذي ياخذنا الى سور الصين ..كنا نتامل في سقف الغرفة في اثار فرشاة الصبغ على وجهه الابيض المجعد كالغيوم ..في المروحة السقفية التي غطاها غبار السنين ودورانها البطيء الذي يذكرنا بالنواعير في العيد ..كنا نجد وقتا فائضا لنتامل في الساعة التي مضت من عمرنا او اليوم او الاسبوع او السنة ..او حياتنا كلها ..في ما انجزنا وما أخطأنا ..وما اشترينا وبعنا ..واهدينا ..ومنحنا ..واخذنا ..

اليوم لايدع لنا الفيس بوك اية فرصة للتامل الا بمنشوراته السريعة العابرة ..فما نكمل جملة الا وجاءت بعدها اخرى ..ثم حكمة ما ..فعبارة ..فصورة فإعلان ..ثم نكتشف مرور 3 او 4 ساعات مضت سريعة عابرة لم نخرج منها بشيء ..لم نعرف ماذا اخذنا او تركنا او منحنا ..لم نتامل بشيء بالرغم من جلوسنا كل تلك الساعات ..نخرج فارغين من دون شيء سوى الصداع والمزيد من الادمان والضجر ..والصراع بين العالم الازرق الجميل الذي رسمه لنا الفيس بوك وبين الواقع ..

من يرى تعابير وجوهنا عند متابعة صفحات الفيس بوك سيجد اننا اشبه بالمجانين ..فمنشور يضحكنا واخر يتلوه يبكينا ..منشور يصيبنا بالياس واخر يجرنا الى التفاؤل ..هنا نتعجب وهناك نستغرب ..هنا منشور يدهشنا واخر يصيبنا بالضجر ..هنا منشور يقنعنا بافكاره واخر ينفرنا من مضمونه ..هنا صورة تزعجنا واخرى تسعدنا ..هنا حكمة وهناك مقولة عابرة ..هنا صورة لطبخة اليوم وهناك صورة لمتسول واخرى لبركان او جنازة..ويستمر الجنون حتى نخرج من صفحة الفيس بوك ..لنعود الى وجوهنا الانسانية العادية الهادئة ..

لقد سطّح الفيس بوك مشاعرنا ..بهذا الضخ اليومي المتسارع للصور والاحداث والاخبار ..امسى الحزن لرؤية منشور ما لايتعدى ثانيتين يتلوه لثوان احساس اخر بسعادة ما بسبب منشور يتلو الاول ..ثم احساس بالراحة لثوان بعد قراءة عبارة حكيمة ..فاحساس بالضجر بعد قراءة عبارة محبطة اخرى ...وعندما نغلق صفحة الفيس بوك لاندري اي احساس اكتسبناه من زيارتنا للصفحة ..لم نعد نعلم ..هل كنا من الحزانى ام من السعداء ..من المحبطين ام من المتفائلين .. لانعلم اي شيء ..ومع ذلك سنعيد المحاولة من جديد ..فنفتح صفحة الفيس بوك مرة اخرى ...

يبدو اغلب الناس على صفحات الفيس بوك ايجابيين ومثاليين يسعون الى فعل الخير بمنشوراتهم واختياراتهم وصورهم وهذا جميل جدا فيما لوتطابقت هذه المنشورات مع مضمون صورتهم في الحياة الحقيقية ..لان اغلبنا يعلم ان كثيرا من الناس الذين نعرفهم في الحياة الحقيقية ويتسمون بصفات سلبية لايتطابقون مع صورتهم التي يظهرون عليها بمنشوراتهم في الفيس بوك الذي تحول الى صفحة لتلميع الذات ورسم صورة مثالية لها لكنها مزيفة وبعيدة جدا عن الحقيقة ..فقد تجد ذلك الصديق الذي يضع منشورا عن الرفق بالزوجة هو من اكثر الازواج قسوة على رفيقة دربه في الحياة الحقيقية ..وذلك الذي يحث الاخرين على طاعة الوالدين بمنشور جميل هو ابعد الناس عن تلك الطاعة ..والسياسي الانيق بصورته على الصفحة هو في الحقيقة من اقذر اللصوص ..

كثير من الناس عند نهاية الاسبوع يضعون منشورات تتضمن دعوات بالخير والبركات للاصدقاء لكنهم ربما طوال الاسبوع يضعون منشورات تجلب الكابة والضجر لاصدقائهم او تتضمن اثارة لمشاعر ما سلبية الطابع فيما وراء سطورالمنشوراو صوره ..او يعجبون بمنشورات على النقيض تماما من منشور الخير في نهاية الاسبوع ..ومع ذلك عليك تقبل الامر حتى تتعود عليه ويتساوى عندك الخير والشر ، وتخسر معيار التفرقة بين اصدقاء الخير واصدقاء الجانب الاخر المعاكس الذين كنت تحظى بفرصة اجتنابهم من اول موقف ينزعون فيه اقنعتهم فتبتعد عنهم بلباقة من دون ان تشعرهم بذلك ولاتكون مجبرا على لقائهم الا اضطرارا..اما على صفحات الفيس بوك فان كثيرا من الاحراج قد يسببه لك الغاء الصداقة او اللجوء الى الحظر لان الفيس بوك سريع جدا بفضح موقفك بغض النظر عن صحته او عدمها ..ولانك لازلت تتمتع باخلاقيات الاصدقاء الحقيقيين في الحياة فانك تجنبا لاحراج صديقك حتى لو كان حضوره على صفحات الفيس بصورة غير ايجابية قد لاتلجا للالغاء او الحظر ..وتكون مجبرا على ابقاء الصداقة مع كثير من الالم الداخلي في اعماقك ..

الفيس بوك لص ذكي جدا يسرق حياتنا ..ورغم توافر الادلة الكافية على جريمته الا اننا لانستطيع القبض عليه ..لاننا كما يبدو نبقى معجبين باسلوبه الجذاب في السرقة !!

تلك الامور التي نكتشفها على الفيس بوك بالمطابقة مع الحياة محزنة جدا ومؤلمة ..وتدعوك للتفكير بترك الفيس بوك ..لكن اغلبنا لن يفعل ذلك ...وتلك هي المفارقة !!

احمد جارالله ياسين

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة