لماذا قد ينبذ الأطفال أقرانهم ويستبعدونهم اجتماعيًّا؟

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 11

إذا كان ابنك أو ابنتك يتعرض لنبذ أو رفض اجتماعي خلال سنواته الأولى بالمدرسة، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن سلوكه أو سلوكها هو السبب الوحيد في حدوث عملية الرفض هذه، ولكن كيف يرى ويفسر الأطفال النابذون هذا السلوك من وجهة نظرهم، قد يكون هو السبب. هذا ما توصلت إليه دراسة حديثة نُشرت في دورية Frontiers in Psychology المعنية بالدراسات النفسية.

تذهب الدراسة إلى أن الأطفال بطبيعتهم يستطيعون تعلُّم مهارات اكتساب صداقات والتواصل والتفاعل مع أقرانهم خلال سنوات المدرسة، ولكن للأسف فإن الرفض والإقصاء الاجتماعي يُعَدان جزءًا من تحديات الحياة اليومية لدى بعض الأطفال في المدرسة في هذه المرحلة أيضًا.

وتوصلت الدراسة إلى نتائج مهمة، يأتي على رأسها أن فعل الرفض فعل معقد، وأن سلوك الطفل المرفوض (المنبوذ) يسهم جزئيًّا فقط في تعزيز الظاهرة، ولكن لا يمكننا اعتباره المسبب الوحيد لها.

وانتهت الدراسة إلى أن النبذ أو الرفض يتم "عندما يرى الرافضون سلوكيات واختيارات المنبوذين ضارة باحتياجاتهم أو احتياجات أصدقائهم (جماعتهم)، وهذه العوامل لم تبرزها الدراسات الكلاسيكية السابقة، والتى دأبت على التركيز على سلوك "الأطفال المنبوذين".

فهم الدوافع

اشتملت العينة المشاركة في الدراسة على 939 تلميذًا من كلا الجنسين، ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات، كانوا يدرسون في 40 فصلًا دراسيًّا من الصفين الأول والثاني في 13 مدرسة بأربع مدن إسبانية. واستهدفت الدراسة فهم الدوافع التي يقدمها طلاب الصفين الأول والثاني في المرحلة الابتدائية كأسباب لنبذ بعض أقرانهم. ولتحليل هذه الدوافع ركزت الدراسة على ما يلي:

تحديد مفهوم رفض الأقران وتعريفه في سياق العلاقات المتبادلة.

توجيه السؤال إلى الرافضين أنفسهم بغرض التوصل إلى أسباب نبذهم أقرانهم.

أخذ السياق الاجتماعي الذي تحدث فيه التفاعلات بين الأقران موضع اعتبار.

تطبيق منهجية نوعية للإلمام الكامل بثراء الإجابات من قبل المشاركين في الدراسة، وتجنُّب فرض تصنيفات معدة سلفًا تندرج تحتها دوافع النبذ.

اختار معدُّو الدراسة منهجًا بحثيًّا، يطلق عليه "النظرية المتجذرة Grounded Theory". تبدأ هذه المنهجية بطرح أسئلة أو جمع معلومات نوعية، وعندما يراجع الباحثون المعلومات التي قاموا بجمعها تصبح الأفكار والمفاهيم والعناصر المتكررة واضحة، إذ يجري تكويدها، وبدورها تتحول إلى فئات أو تصنيفات.

وتعد النظرية المتجذرة إحدى منهجيات البحث النوعي، وهي منهجية تعتمد على الاكتشاف أكثر من محاولة إثبات فرضيات ضمن إطار نظري مُعَدّ سلفًا للبحث من خلاله. وتعتمد على استنباط مجموعة من الفئات والتصنيفات التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة لتشكل إطارًا متكاملًا لتفسير ظاهرة ما أو التنبؤ بها.

تقول فرانشيسكا جارثيا -أستاذ علم النفس التربوي بجامعة جاومي Jaume الإسبانية، وأحد مُعدي الدراسة- عن المنهجية المستخدمة في البحث: "تصلح المنهجية المستخدمة لمجتمعات ودول أخرى، إذ إنها خالية من أية مضامين أو انحيازات ثقافية أو أيديولوجية".

ويعلق محمد حبشي -رئيس قسم علم النفس التربوي بجامعة الإسكندرية- على الأمر ذاته بقوله: تنطلق هذه النظرية من البيانات التي يقدمها المشاركون الاجتماعيون، ثم يجري تطبيق المقارنة الثابتة Constant Comparison للأحداث (الأسباب التي قدمها الأطفال النابذون لأقرانهم)، قبل أن يتم تقسيم ودمج الأسباب الشخصية (الذاتية) التي يقدمها المشاركون والتوصل إلى فئات موضوعية كبرى تندرج تحتها أسباب الرفض.

ثلاث فئات رئيسية

في أثناء شرحهم لأسباب النبذ، قام الأطفال بشكل عفوي ومتزامن بإدراج عوامل تتعلق بالنفس والجماعة وبالصور النمطية الموجودة في حياتهم.

ووفقًا لجارثيا: جرى سؤال أفراد العينة مجموعة من الأسئلة، مثل: مَن هم أقرانكم في الصف الذين لا تحبونهم، أو الذين تحبونهم بدرجة أقل؟ ولماذا؟ وكانت النتيجة أن تضمنت الإجابات قائمة طويلة من الأسباب تتراوح ما بين: "أنا لا أحب لعب كرة القدم"، "إنه ممل"، "إنه عضو جديد"، و"إنها تغش".

وبرز من خلال استعراض الأطفال لأسبابهم للنبذ أنه في طبيعته الأساسية هو تقييم خاص وتوجه انطباعي، إذ تبرز أسباب للرفض يصعب على الرافض تحديد ماهيتها أو المواقف التي سببتها، وتندرج هذه الأسباب في الدراسة تحت فئة "عدم الألفة".

وكانت الدراسة قد توصلت إلى ثلاث فئات رئيسية لأسباب الرفض، هي: السلوك (التكلفة)، أو الهوية، وأخيرًا عدم الألفة أو الحماية الذاتية.

وتعبر فئة السلوك عن أفعال وأقوال الطفل المنبوذ، وتمثل تلك السلوكيات التهديد أو الهجوم على التوقعات والمعايير الاجتماعية، والرفاهية الشخصية أو الجماعية، والاستقلالية، والأمن الجسدي والانفعالي.

أما الفئة الثانية، وهي الهوية، فتشير إلى ما يحبه الطفل النابذ أو الطفل المنبوذ، وتتكون من فئتين هما الهوية الشخصية والهوية الاجتماعية التي تعتمد على عمليتي جذب مختلفتين: الجاذبية الشخصية التي تُشتَق من التفضيلات الشخصية التي تنشأ عن العلاقات الفردية بين الطرفين، والجاذبية الاجتماعية التي تُشتَق من الدرجة التي بها يمثل الفرد نموذج جماعته.

والفئة الثالثة هي عدم الألفة أو الحماية الداخلية، وهذه الفئة عبارة عن مجموعة من الأسباب تعبر عن قلة أو غياب مشاركة الاختيارات Choices-sharing ومشاركة الأنشطة. وتشمل تلك الفئة الأسباب التي تعكس اهتمامًا منخفضًا بالآخرين أو التردد في تكوين علاقات جديدة.

يقول محمد حمودة -استشاري الطب النفسي للأطفال بجامعة الأزهر- متحدثًا لـ"للعلم": "الدراسة لم تتعرض لعوامل مثل العرق والجنس واللون، إذ قد تختلف عوامل الرفض أو الإقصاء الاجتماعي من بيئة لأخرى ومن جنس لآخر".

ومن جانبه، يتحفظ حبشي، هو الآخر، على عدم ربط نتائج الدراسة بالسياق العام الذي جرت فيه: لم تقم الدراسة بربط عملية النبذ والإقصاء بالسياق أو الظروف أو الموقف الذي يحدث فيه النبذ، وإنما قام الباحثون بتصنيف أسبابه، وفقًا لعدد المشاركين في العملية، ووفقًا لتكرار وشدة الحدث، ووفقًا لذاتية الأسباب أو موضوعيتها، وهذا كله ليس له علاقة بالسياق الذي تحدث فيه عملية النبذ.

وأضاف: كما لم تعمل الدراسة على تصنيف أسباب النبذ وفقًا لنوع الجنس، فبالرغم من أن المشاركين في البحث كانوا من الجنسين، إلا أن الدراسة الحالية لم تأخذ في اعتبارها النظر إلى نوع الجنس كمتغير تصنيفي لأسباب النبذ، فقد أكدت العديد من الدراسات أن أسباب النبذ لدى الإناث تختلف عنها لدى الذكور.

سلوك الطفل غير المرغوب فيه

وفي محاولة للحد من العلاقات السلبية التي تنجم عن عملية الإقصاء أو النبذ، ركزت البحوث في السابق على سلوك الطفل غير المرغوب فيه، فكان السؤال هو: "ماذا فعلوا لتبرير هذا الرفض؟".

على الرغم من أن إلقاء اللوم على سلوك الطفل لتبرير عملية الرفض والإقصاء لا يفسر لماذا يكون الطفل العدواني في بعض الأحيان محبوبًا. بالإضافة إلى ذلك، قد لا يكون السلوك السيئ للطفل المرفوض، فعليًّا، هو السبب، بل الأرجح أنه يأتي كنتيجة لعملية الرفض ذاتها.

يقول حبشي: "طالما اعتبرت خصائص الشخص المنبوذ وسلوكياته على أنها تمثل دعوة للنبذ من الآخرين، ولكن ليس من السهل اعتبار ذلك سببًا للنبذ".

ويعلق حمودة: "أتفق مع ما توصلت إليه الدراسة في أن عوامل الرفض لا يسببها فقط الطفل المرفوض، بل هناك رفض متوقف على الطفل الرافض، وهناك أيضًا رفض من دون سبب واضح، أو غير معلوم الأسباب".

آثار الإقصاء الاجتماعي

وعن أهمية الدراسة والتنبؤ بآثارها على المدى القريب والبعيد، تحدثت جارثيا لـ"العلم" قائلة: "يمكن للإقصاء الاجتماعي بين الأقران في مرحلة الطفولة والمراهقة أن يترتب عليه آثار نفسية قصيرة وطويلة الأجل، إذ تستمر هذه الآثار في التأثير على الصحة النفسية وربما الجسدية للبالغين.

وتضيف: من بين أبرز هذه الاضطرابات الصحية التي قد تتسبب بها: اضطرابات القلب والأوعية الدموية على سبيل المثال.

وتتابع: "ويسجل الأطفال الذين يتعرضون للنبذ اضطرابات نفسية مثل المعاناة من القلق، كما أنهم أكثرعرضة للانخراط في أنشطة عدائية أو سلوكيات تنطوي على مخاطرة (التدخين مثلا)".

وتستطرد: علاوة على ذلك يسجل الأطفال الذين يتعرضون لإقصاء ورفض من أقرانهم معدلات عدم انتظام وتهرب مدرسي وأكاديمي. وتشدد بقولها: "كل هذه العوامل تشير بقوة إلى أن القضية تستحق اهتمامًا كبيرًا".

النبذ مقدمة للعنف

وكانت دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعتي سان دييج San Diego وكيس وسترن ريزرف Case Western Reserve ونُشرت في دورية علم النفس الاجتماعي والشخصية عام 2011 قد توصلت إلى أن الأطفال الذين يُمارَس ضدهم النبذ والإقصاء الاجتماعي "يميلون للتصرف بشكل عنيف تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه". ووفقًا للدراسة فإن "كل الذين حُكِم عليهم في حوادث إطلاق النار التي شهدتها مدارس أمريكية ثبت أنه قد مورس ضدهم نبذ اجتماعي من أقرانهم".

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة