شارك هذا الموضوع

لينا لم تنسى..

في كل مساء أنزوي في غرفتي أشعل خمس شمعات بعمر الثورة، أطفئ نور المصابيح وأبدأ بجلسة استحضار الأرواح والذكريات برفقة ساحرة الكلمات المذهلة لينا هويان الحسن.
تلك البدوية التي ضربت في عمق الصحراء فعرفت عن أسرار السحر الكثير، ولجت عالم الكتب لتسحر قرائها وتذهلهم وتصحبهم عوالم خفية. عوالم تضرب فيها على الرمال وتفند نجوم السماء وتبكي بصمت على أنغام عويل الذئاب الجريحة، الذئاب التي لا تنسى.
مرت لينا بتجربة قاسية عندما فقدت أخيها "ياسر" في بدايات أحداث الثورة السورية، تحديدا عام 2012 وعاشت فترة من الحصار في مزرعتهم الواقعة في بادية الشمبل في منطقة ريف حماة الشرقي، ذهبت لتحضن شاهدة قبر أخيها هناك وتحتفظ بتلك الشاهدة منتصبة في قلبها وذاكرتها الى الأبد.
كتبت لينا لتشفى هي، ولنحضن في قلوبنا بعضا من أوجاعها، هي كتبت ربما لتخلد ذكرى أخيها المغدور، أو ربما لتصنع قصرا من ركام منزلها المهدوم، وقد تكون قد كتبت لتحيي ذكرياتها وتصفع وجوه الأشرار الملثين رافعي الرايات الملونه وتحدق في عيونهم طويلا، تتحداهم بكلماتها.. الكلمات التي لن يستطيعوا تفجيرها ولا هدمها ولا احتلالها ولا قتلها بألف رصاصة وقذيفة.
صوت الكلمات عالٍ أعلى من أزيز الرصاص وهدير الطائرات ومحركات الآليات العسكرية الغاضبة.. باق فوق كل ما هدمتم.
              ****
منذ قرأت الحسن في المرة الأولى أيقنت أني أمام امرأة مختلفة، روائية فصيحة بليغة، سيدة بأيد حريرية تعجن الكلمات بدقيق ذكاءها وماء حنكتها وتخبزها في فرن اللغة على نار من التفرد، لتقدم لنا نحن القراء وجبة دسمة من الجمال والروعة.
في "سلطانات الرمل" فتحت عيناي على عالم من الجمال لم ألتفت اليه من قبل، رأيت الصحراء والبدو بعينيها. واليوم رأيت الثورة بعينيها، ذقت الموت والفقد، والحب والكره، كما شعرت بالقهر المرير.
بيتها كان بيتي، وذكرياتها أصبحت ذكرياتي.. البيت ذو الشرفة في الطابق العلوي، العتبة الرخامية، القباب المخروطية الطينية، بيوت الشعر، ونسة وفريال والجدة كل ما خطته أصبح جزء مني.. وقعت في غرام كتاب!
انتهت رحلتي المسائية الصامتة بصخب دمار "المستشفى الميداني لريف حماة الشرقي" مزرعة عائلة لينا سابقاً قبل أن تستولي عليها احدى الجماعات الإسلامية المتطرفة وتتحول بفعل الصراعات الطاحنة الى ركام.
لم تتوقف الثورة، القتلى بالمئات.. بل الآلاف من القتلى صغار وكبار ونساء ورجال، كل البشاعة والجرائم الإنسانية تقترف اليوم في سوريا باسم الحرية.
كل شيء تغير ولم يعد أي شيء كما كان.. الثابت الوحيد الباقي هو صوات عواء الذئبة الثكلي منذ ثلاثين عاما حتى اليوم.
بيسان عناب

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري