مع الله من روائع الطنطاوي

  • الكاتب imane
  • تاريخ اﻹضافة 2017-10-04
  • مشاهدة 2

وجدت الشهرة لاتفيد إلا أسمي, ولكن أسمي ليس مني ولا هو (أنا) فأحببت أن أجد الأُنس بالحب وأن أنجو به من وحدتي , فلم أجد الحب إلا اسماً لغير شيء ليس له في الدنيا وجود ,

صرت أكره أن ألتقي بالناس , وأنفر من المجتمعات , لأني لم أجد في كل ذلك إلا إجتماعاً مُزيفاً , يتعانق الحبيبان ولو كشف لك عن نفسيهما لرأيت بينهما مثل مابين الأزل والأبد ,

ويتناجى الصديقان ويتبادلان عبارات الود والإخاء , ولو ظهر لك باطنهما لرأيت كُلاً منهما يلعن الآخر , وترى الجمعية الوطنية أو الحزب الشعبي أو الوزارات فلا تسمع إلا خُطباً في التضحية والإخلاص ,

ولا ترى إلا إجتماعاً وإتفاقاً بين الأعضاء ولو دخلت في قلوبهم لما وجدت إلا الإخلاص للذات وحب النفس , وتضحية كل شيء في سبيل منفعة شخصية !

وجدتني غريباً بين الناس ,

فتركت الناس وانصرفت إلى نفسي أكشف عالمها , وأجوب فيافيها , وأقطع بحارها , وأدرس نواميسها , وجعلت من أفكاري وعواطفي أصدقاء وأعداء , وعشت بحب الأصدقاء وحرب الأعداء ...

إن مَن حاول معرفة نفسه عُرضت له عَقبات كأداء , ومشقات جسام , فإن صبر عليها بلغ الغاية ,

وما الغاية التي تطمئن معها النفس إلى الوحدة وتأنس بالحياة , وتُدرك اللذة الكُبرى , ما الغاية إلا معرفة الله ؟

وسيظل الناس تحت أثقال العزلة المُخيفة حتى يتصلوا بالله ويُفكروا دائماً أنه معهم , وأنه يراهم ويسمعهم , هُنالك تصير الآلام في الله لذة , والجوع في الله شبعاً , والمرض صحة , والموت هو الحياة السرمدية الخالدة ..

هناك لا يبالي الإنسان ألاّ يكون معه أحد , لأنه يكون مع الله جل في علاه .

إن الله - جلّت ودقتْ حكمته - لم يجعل السعادة في مال ولا نسب ولا مُتعة , ولكنه جعلها صلة خفية بين الأشياء وصاحبها , فلا تأخذوا الأمور على ظواهرها ,

فإن المريض الزّمِن لو حمل من الألم ما تظنه أنت حامله ما عاش , والغني لو نال من اللذة ما تحسب أنه نائله ما وسعته الدنيا ولكن العادة تبطل اللذة والألم , وتهوّن السجن على السجين , والحرب على المحارب , وتجعل الخليفة الذي كان في قصره عشرة آلاف غادة من جميلات الأرض حُشرن إليه حشراً مثل الذي في بيته امرأة واحدة !

إنما اللذة التي لا تفنى ولا تنقص لذة القلب , لذة المُتأمل , لذة الساجد في هدأة الليل , والمناجي ربه في الأسحار ..

ومن هنا قال بعض من ذاق تلك اللذة : (( لو ذاق الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف )) .. إي والله وبالمدافع والرشاشات !

فهل جربت لذة السعادة بالسجود في هدأة ثلث الليل حينما ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله , ويقول (( من يدعوني فأستجيب له , من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له )) !


من روائع الطنطاوي


شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة