• ميكروفزياء السلطة / Microphysique du pouvoir

• ميكروفزياء السلطة / Microphysique du pouvoir

يرى فوكو أن السلطة لا تعطى ولا تتم مبادلتها ولا تؤخذ بل تمارس وأنها لا توجد إلا بالفعل، وهي ليست نتاجًا للعلاقات الاقتصادية ولكنها في جوهرها تعبير عن علاقات القوة، ويأخذ فوكو على نظرية السيادة أنها تنطلق في تحليل علاقات السلطة من الذات إلى الذات فهذه النظرية تفترض تكامل مقومات الذات بما يسمح لها الدخول في علاقات السلطة في حين يرى فوكو أن الفردانية لا تكون إلا نتيجة للعقد الاجتماعي وليس صانعة له، ذلك أن السلطة قائمة أساسا على القمع، فأن تكون السلطة جهازا قمعيا يعني أن تكون أولا تحليلا لآليات القمع، وإذا كانت السلطة حصيلة علاقات القوة وليست تنازلا أو عقدًا فإن ذلك يوفر مدخلا لدراستها من خلال مفاهيم المعركة والمواجهة والحرب ، وهكذا يضعنا فوكو أمام فرضية ثانية للسلطة مفادها أن السلطة أو السياسة هي الحرب المستمرة بوسائل أخرى، وهذا يعني أن علاقات السلطة هي علاقات القوة القائمة بالحرب وعلى الحرب صحيح أن السياسة توقف الحرب لكن لا يعني هذا أن تتخلى أو تستبعد آثار الحرب.
تأسست تحليلات فوكو على نقد التصور الماركسي الكلاسيكي و نظرية الحق الطبيعي و الذي إقترح نموذجا استراتيجيا للسلطة، فهو لم يكن يهدف لإقرار شريعة الفلسفة أمام السلطة؛فمهمته انحصرت في تحليل السلطة بذاتها؛أي من خلال الشكل الذي تتشابك فيه هذه العلاقات داخل فضاءات متنوعة،مثل (المصانع،الثكنات،المدارس،الملاجئ،السجون...)، ويقول فوكو:"إنني لم أسع أبدا لتحليل أي موضوع من وجهة نظر السياسة" . ذلك أن فكر فوكو،عمل دوما على تلافي المشكلات الكلاسيكية للفلسفة السياسية،ليبرز كيف أن المجرى القانوني والوصف للفلسفة يجعله غير عارف ببعض علاقات السلطة المتمركزة حول مبدأ السياسة.
وفي إطار نقد العقل السياسي،هل يتعلق الأمر ببناء فلسفة سياسية مغايرة؟ ذلك ما يمكنا أن نستشفه من خلال اطلاعـنا على محاضرة لفوكو بعنوان"الفلسفة التحليلية للسياسة" ،حيث سيقدم في البداية،الخطوط العريضة للروابط المتنوعة التي نسجت خيوطها بين الفلسفة و السلطة،فقد وجد فلاسفة مشرعون "صولون Solon" و مربون "أفلاطون"و مستشارو الأمير "ميكيافيل"و مناهضون للإستبداد عبر تحديد النظام العادل (فلاسفة الأنوار) و متهكمون من كل سلطة "الكلبيون Cyniques" و من الثورة الفرنسية إلى الدول السوفياتية و الفاشية، ظهر جيل من الفلاسفة الذين يمارسون التفكير"وفق علاقة تعارض أساسي مع السلطة"(جان جاك روسو 1712-1778،كارل هانريك ماركس 1818-1883،فريدريش فيلهيلم نيتشه 1844-1900)،مما جعلهم ينجذبون نحو أنماط جديدة للدولة هي بمثابة"دول فلسفية"حقيقية،اكتسبت طابعها الرسمي بالإعتماد على فلسفات أعلنت رغم كل شيئ عن التلاشي تدريجي للدولة.
من هنا انبثقت طريق مغاير،لا يتعلق الأمر فيه بإقرار شريعة الفلسفة أمام السلطة،و بالتالي إحتلال مكان هذه الأخيرة في حدود الإمكان و بطريقة سرية .بل بتحليل علاقات السلطة بذاتها،أي من خلال الشكل الذي تتشابك فيه هذه العلاقات داخل فضاءات متنوعة، و بالإعتماد على معارف مدعمة لها؛تأدي السلطة وظيفة تأديبية خالصة سيطلق عليها فوكو اسم مبيان،أي دالة،وظيفة يلزم النظر اليها بمعزل عن أي استخدام نوعي،وعن أية مادة بعينها .
سيصف فوكو هذه المقاربة باعتبارها فلسفة تحليلية للسياسة،لأنها تلامس لعبة السلطة التي ستنخرط فيها،مثلما فعل "لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein 1889-1951 " ،حينما اقترح تحليل اللغة إنطلاقا من إستعمالاتها،دون طرح أسئلة تتعلق بقضايا "الحق" في الإستعمال أو بالوظيفة النموذجية للغة.
يرى فوكو أنه حيثما توجد السلطة توجد المقاومة .و لكن طبيعة هذه المقاومة أنها ليست خارج السلطة،لأن نقاط المقاومة موجودة في كل مكان من شبكة السلطة.ويعدد أشكالا مختلفة من المقاومة، منها: الممكنة، والعفوية، والعنيفة، والمتفق عليها، والمنعزلة،والمستبعدة...الخ.وقد ركزت على ثلاثة أشكال من المقاومة هي (تلك التي تقاوم أشكال الهيمنة [الإثنية، والإجتماعية، والدينية]؛وتلك التي تدين أشكال الإستغلال التي تفصل الفردعما ينتجه؛ وتلك التي تحارب كل ما يربط الفرد بنفسه و يضمن بالتالي خضوعه للآخرين) .ومما فيه، فهذا الطرح لمسألة المقاومة تعرض إلى الكثير من الإنتقادات و الإعتراضات، وبخاصة فيما تتعلق بالجدوى من المقاومة ما دامت هذه الأخيرة ليست خارج السلطة.
إن نقاط المقاومة موجودة في كل مكان من شبكة السلطة، ويشي فوكو مفهوم السلطة القطبية القائم على حكم و معارضة، وعدم استقرار علاقات السلطة، وتحركها الدائم، هو الذي يحدد الوسط الاستراتيجي غير المبني؛ - تتميز الاستراتيجيات عن الأبنية، بالكيفية ذاتها التي تتميز بها المبيانات عن أنظمة العبارات- .وأيضا من سمات علاقات السلطة أنها غير معروفة،هنا نجد تشابه بين فوكو و "إيمانويل كانط Immanuel Kant 1724- 1804"،حيث التحديد العملي الخالص غير قابل حسب كانط لأن يتقلص في أي تحديد نظري أو أن يرتد اليه ويرجع إلى أية معرفة. بالنسبة لفوكو أن أي شيئ ممارسة،لكن ممارسة السلطة تظل غير قابلة لأن تختزل في أية ممارسة معرفة.وقد قصد فوكو ابراز هذا الطابع و هذا الإختلاف الماهوي، وبذلك سوف يأكد على أن السلطة تحيل إلى (ميكروفزياء Microphisique). فلفظ (ميكروMicro) لا يقصد به مجرد تصغير لأشكال كبرى، أو على أنه أشكال دقيقة و مبسطة للأشكال التي ترى أو يعبر عنها، فهو في الحقيقة ميدان آخر نمط مختلف من العلاقات، بعد تفكير يتعذر اختزاله في المعرفة؛- روابط متحركة لا تقبل التحديد في مكان- .
فهذا المفهوم الذي أسسه فوكو يعني عدم وجود سلطة واحدة، وإنما هناك سلطات عديدة منتشرة في الجسد الإجتماعي، ومصحوبة بمقاومات في كل شكل من أشكال السلطة القائمة؛ السلطة تأتي من تحت، أي أنه لا يوجد في أساس العلاقات السلطوية تناقض ثنائي وإجمالي بين الحاكم و المحكومين. إلا أن هذه الثنائية تنعكس من أعلى إلى الأسفل، وعلى مجموعات ضيقة أكثر فأكثر حتى تصل إلى أعماق الجسم الاجتماعي .وقد عبر "جيل دلوز Gilles Deleuze" عن هذه الميزة بأن لها موقعا وليس لها موقع في الوقت نفسه، بقوله: "هي ذات موقع لأنها ليست على الإطلاق شمولية،لكنها غير ذات موقع لأنها ليست قابلة لأن تحصر في مكان بعينه لكونها منتشرة" .وما يترتب على هذه الميزة، أن السلطة ليست جوهرا، أو ليس لها جوهر و إنما هي إجرائية.
إنها فعل في فعل، فهذه العلاقات السلطوية قصدية و ليست ذاتية؛ فليس لأنها قد تكون- إذا كانت مفهومة-، من زاوية سببية نتيجة سلطة أخرى تفسرها، بل لأن ثمة حسابا يخترقها من جهة إلى أخرى؛ لا سلطة تمارس بدون مجموعة أهداف ومقاصد. لكن هذا لا يعني أنها ناجمة عن قرار أو اختيار فرد معين.
إذا تعلق الأمر بالبحث عن هيئة الأركان التي توجه عقلانية السلطة ، وعن الطبقة التي تحكم، وعن الجماعة التي تشرف على أجهزة الدولة، وعن تلك التي تتخذ أهم القرارات الإقتصادية وتدير مجمل الشبكة السلطوية التي تعمل في مجتمع ما و تسيره، فهذا عكس ما يعتقده فوكو، على أن عقلانية السلطة هي عقلانية تكتيكات، فالوقاحة الموقعية للسلطة غالبا ما تكن صريحة جدا على المستوى المحدود الذي تندرج فيه، والتي بترابطها ببعضها بعضا واستدعائها وانتشارها وبايجادها في موضع آخر الدعم والشرط اللازمين لها،كل ذلك إنما يرسم لها في النهاية جاهزية عامة؛ هذا هو الطابع المضمر للاستراتيجيات الكبيرة المغفلة، وغالبا ما تكون نابعة (مخترعة) أو المسؤولون عنها لا يخفون شيئا ويظهرون شيئا آخر؛ إذ قد يكون واضعو هذه التكتيكات ومنفذوها يهدفون إلى تحقيق الأغراض المعلنة بالفعل.لكن هذاالوضع هو الذي يكشف عن موضعة أو مواقعية استراتيجية سلطوية، وليست مقاومة محددة بالذات.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة