هل الرموز الإسلامية أقدس من الذات الإلهية ؟!

من المفارقات العجيبة التي تحصل في العالم الإسلامي ان كل الفرق والطوائف الإسلامية تدعي التوحيد وأنها تسير على خطى ونهج الرسالة الإلهية في توحيد الله سبحانه وتعالى, وقد أسست كل فرقة وطائفة ومذهب منظومة فكرية وعقائدية من أجل ذلك – حسب الظاهر – لكن ما يحصل في الواقع هو خلاف ذلك الإدعاء, حيث تجد أن كل فرقة وكل طائفة تدافع عن رموزها وقادتها ومشايخها فقط وفقط ولم يكن هناك أي نقاش أو جدل بخصوص الذات الإلهية !! فهنا من ينكر وجود الله سبحانه وتعالى وهناك من جسمها وصورها على نحو أشكال وصور متعددة كما فعل وتفرد بذلك ابن تيمية وهذا الأمر غاية في الخطورة وحتى أخطر من الملحدين الذين ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى....

ففي خضم الخلافات المذهبية الموجودة نجد أن حلبات الصراع الفكري بين الطوائف الإسلامية يخاض فيها النقاش والجدل حول أحقية الرموز الإسلامية في الخلافة والمناصب من جهة ومن جهة أخرى حول أحقية هذا المذهب وهذه الطائفة على غيرها من المذاهب والطوائف, بينما الجرح والتنكيل بالذات الإلهية لم يتطرق له أحد خصوصاً وهناك من أسس لهذا الأمر وجعل منه مذهباً وفكراً ومنهجاً له جذور ومدارس خاصة به والأنكى من ذلك كله يُكفر كل من لا يعتقد بهذا الفكر المنحرف!!!...

وهنا يثار سؤال في الذهن وهو : هل المذاهب والرموز الإسلامية والمشايخ أقدس من الذات الإلهية حتى يخاض النقاش فيها ويترك المجسمون المصورون للذات الإلهية يسرحون ويمرحون ويروجون لفكرهم دون أي رادع ؟ وهذا السؤال موجه لكل الفرق الإسلامية دون أي استثناء ...

لماذا نجد الشيعة يدافعون عن أئمة أهل البيت " عليهم السلام " ويتركون الدفاع عن الذات الإلهية ؟ لماذا نجد السنة يدافعون عن الخلفاء والصحابة " رضي الله عنهم " ويتركون الدفاع عن الذات الإلهية المقدسة ؟ لماذا يدافع الأشاعرة عن رموزهم وكذا الحال لبقية الطوائف وحتى أتباع ابن تيمية يدافعون عن شيخهم ويتركون الذات الإلهية تتعرض لأبشع هجمة عرفها تأريخ البشرية ؟؟!! هل هؤلاء جميعاً أقدس من الله سبحانه وتعالى ؟ أليس هم من مخلوقات الله والأولى والأجدر بنا كمسلمين جميعاً أن ندافع عن الخالق بالمقام الأول وندحض كل الأباطيل التي تنسب إليه جلت قدرته ؟! فعندما يقول ابن تيمية بتجسيم الذات الإلهية ويؤسس بصحة اعتقاد كل من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام وفي الواقع فهل يصح السكوت عن كلامه هذا ويقال له ( له حق وحرية الرأي )؟؟!! هل يصح من أجل إرضاء شخص أو فئة أو من أجل التزلف منهم السكوت عن القدح بالذات الإلهية ؟؟؟!!...

وهنا نذكر أحدى الموارد التي يتطاول بها ابن تيمية على الذات الإلهية, ففي كتاب " بيان تلبيس الجهمية " في الجزء الأول ما بين الصفحتين 325 – 328 يقول ابن تيمية :

((قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله، وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا يُنكِر ذلك... فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره ... لفظ الرؤية وإن كان في الأصل مطابقًاً، فقد لا يكون مطابقًاً ...وقد يكون التوهُّم والتخيُّل مطابقًاً من وجه دون وجه فهو حق في مرتبته وإن لم يكن مماثلًاً للحقيقة الخارجة مثل ما يراه الناس في منامهم، وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه فإنه يرى صورًا وأفعالًا ويسمع أقوالًا ))!!..

فابن تيمية وحسب هذا المبنى يؤكد على رؤية الرب بصورة مطابقة لما يعتقد به الرائي وكل من ينكر ذلك فهو غير عاقل حتى أنه جعل رؤية الرب عامة وشاملة للجميع سواء كان الرائي من الصالحين أو من الفاسدين وذلك بقوله " وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم " ... أليس هذا من التجسيم والتصوير للذات الإلهية والقدح بها ؟...

وهنا نأتي على ذكر تعليق السيد الأستاذ الصرخي على هذا المورد في المحاضرة من بحث (وقفات مع.... توحيد ابن تيمية الجسمي الأسطوري ) حيث, قال :

{{... يظهر من الكلام تسليم ابن تيمية بوجود قسمين من الرؤى: 1 ـ رؤيا يقظة: { إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله} ، وهنا إشارة إلى أن نفس الصورة تكون حجابا 2 ـ رؤيا نوم: { وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم}، وهنا تحدث عن عدم إنكار عاقل لذلك وأن الرؤيا هنا تقع بغير اختيار الإنسان ولا يمكن دفعها.

ثانيا: قال تيمية: {فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك} آ......ب ـ إن أقصى محاولته هنا نفيُه ان تكون الصورة مماثلة ومطابقة لصورة الله وللهِ في نفسه وبحقيقته الخارجية، أما المطابقة من وجه دون وجه فلا تنتفي، بل لا ينفيها تيمية أصلاً، فقد سكت عنها ولم يَنْفِها، إضافة الى تأكيده على أن المنفي هنا هو المطابقة والمماثلة (الكاملة التامة) لنفس الله وصورته في نفسه وحقيقته الخارجية حيث قال{ فلا نعتقد...أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك }، أما المطابقة من وجه فلا ينكرُها بل لا يمكنه انكارها لأنه أثبتها وأكد عليها في نفس المورد وقال أنها حق، عندما تحدث عن لفظ الرؤية ثم فرّع حديثه عن الرؤية في المنام حيث قال في (بيان تلبيس الجهمية: [1/ 325-328]): {لفظ الرؤية وإن كان في الأصل مطابقًاً، فقد لا يكون مطابقًاً ...وقد يكون التوهُّم والتخيُّل مطابقًاً من وجه دون وجه فهو حق في مرتبته وإن لم يكن مماثلًا للحقيقة الخارجة مثل ما يراه الناس في منامهم، وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه فإنه يرى صورًا وأفعالًاً ويسمع أقوالًا}.

ج - إذا كان قد صرّح هنا بالرؤيا حال اليقظة في سياق الحديث عن الملائكة والجن محاولاً التشويش على الفكر وصرفه إلى رؤية الملائكة والجن، فإنه حتى على فرض التشويش والانصراف فإنه يرد السؤال في ذهن كل إنسان عاقل، أنه، ما هو المانع في جريان نفس الكلام والمدّعى في تخيل وتصور الله حال اليقظة، فمن يدّعي أنه يرى الله في اليقظة يقصد تخيله وتصوره في يقظته وإن كان على خلاف حقيقة الله فلا تطابقها ولا تماثلها كلياً لكنها تطابقها من وجه، فكما يشاهد ويرى الناسُ الملائكةَ والجنَّ بصورة إنسان شيخ أو شاب أو امرأة أو طفل وبصورة حيوان كالطير أو الكلب فإنهم يشاهدون الله بصورة انسان أو حيوان وحسب مستويات الإيمان، وهذا ما تقولون به وتتمسكون به في الآخرة وتكفرون وتقتلون منكرَه!!! فما أبقيتم لعبدة المسيح وعبدة الصليب وعبّاد البشر، وماذا أبقيتم للمجوس والسيخ والهندوس والبوذيين عبدة النار والبقر والشجر والحجر، وما أبقيتم لعبدة الشيطان الرجيم الأشرّ؟؟!!...}}.

وما دفعنا لذكر تعليق السيد الأستاذ الصرخي هو تبيان حقيقة ما يريد ابن تيمية من الترويج والتأسيس له, وهذا مورد بسيط من الموارد العديدة التي يقدح بها ابن تيمية بالذات الإلهية, فلماذا لم نرَ من المسلمين ومن رموز الإسلام من يتصدى لهذا الفكر المنحرف الذي يتطاول على الذات الإلهية ؟ هل وصل المرحلة بأن نصنم الأشخاص والمذاهب لدرجة أن نستقتل في الدفاع عنها بينما نترك الذات الإلهية تتعرض للقدح والتجريح والإستهزاء من قبل ابن تيمية ؟! هل هذا من العدل ومن الإنصاف ومن الإسلام ؟!.

  

  

 

 بقلم :: احمد الملا

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة