هل ولد داعش من رحم العقيدة التكفيرية أم كان لقيطاً ؟

قد يتصور العديد من الناس سواء كانوا بسطاء الفكر أو من العلماء المفكرين بأن تنظيم داعش الإرهابي هو صنيعة أجهزة إستخباراتية دولية شرقية أو غربية, وهذا التصور حسب رأيي هو تصور غير صائب, لأن هذا التنظيم ولدَ بسبب تظافر العديد من العوامل أبرزها ظلم وجور الحكام سواء في العراق أو في سوريا على وجه التحديد, إتساع دائرة الفقر والجوع والحرمان من أبسط مقومات الحياة التي ينشدها أي إنسان بسيط, غياب الخطاب الديني المعتدل وبروز الخطاب الديني الطائفي المتطرف الذي ساعده جهل الناس, والعامل الأخير والمهم وهو وجود جذور تاريخية تلبست بلباس الإسلام وفرت الفتوى والغطاء الديني المشرعن لنشوء هكذا فكر حيث غذته بالفكر المتطرف التكفيري.

هذه العوامل هي من أوجدت هذا التنظيم وهنا وبعد ولادته ونشوءه يمكن القول بأن أجهزة الإستخبارات العالمية الشرقية والغربية قد جندت داعش الوليد من رحم ظروف وبيئة إسلامية في كل مدلولاتها الظاهرية – أي ظروف توشحت بوشاح الإسلام ظاهراً – فعملت هذه الأجهزة الإستخباراتية على دعم هذا التنظيم لكي ينفذ لها مخططاتها داخل البلدان الإسلامية, فالغرب يسعى لتأسيس ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الجديد ودول الشرق تسعى لتأسيس إمبراطوريات لها وتوسيعها في البلدان العربية لما فيها من ثروات وخيرات, وخير من خدمها في ذلك هو تنظيم داعش في وقتنا الحالي ولهذا تجد إن كل الدول الغربية والشرقية مستفيدة منه ولهذا تولد هذا التصور بأن داعش صنيعة أجهزة الإستخبارات العالمية.

لكن هذا التنظيم ليس صناعة وليس لقيطا بل هو وليد العقيدة المنحرفة الموجودة داخل الإسلام منذ عصر الدولة الأموية والمروانية والعباسية وتمت تغذيته بصورة مستمرة بالآراء والأفكار والفتاوى من خلال أئمة وشيوخ وعلماء انتسبوا للإسلام لغايات عديدة لسنا في صدد ذكرها الآن كإبن تيمية وغيره من شيوخ الخط التيمي التكفيري, وكل ما يقوم به هذا التنظيم الإرهابي من جرائم وقبائح لها أصل وجذور يأخذ منها الشرعية في كل تصرفاته التكفيرية الإجرامية, فمثلاً عندما يطلع أو يسمع أو تتم تغذية العنصر الداعشي برواية لإبن كثير – وهو أحد شيوخ الخط التيمي التكفيري – تتحدث عن سلب وقتل الشيعة " الرافضة " أو الأشعرية أو الصوفية بصرف النظر عن غير المسلم وتطرح هذا الرواية بصورة تشرعن هذا القتل وتظهره إنه من ضروريات الإسلام, فكيف يمكن أن نتصور ردة فعل هذا العنصر ؟.

كيف تكون ردة فعل هذا الداعشي إذا سمع برواية تنقل حدث وقع بين السنة والشيعة في زمن خليفة عباسي وإستاذ دار خلافته " محيي الدين ابن الجوزي " وهو من أئمة وشيوخ التيمية ويرى في الرواية إن سلب ونهب أموال الشيعة والهتك بأعراضهم يكون بإمضاء الخليفة وإستاذ دار خلافته فهل يمكن لهذا الداعشي أن يرحم الشيعة أو غيرهم من المسلمين ممن يخالفون الخط التيمي التكفيري ؟ يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (( أنَّه لَمَّا كَانَ فِي السَّنة الْمَاضِيَةِ 655 كَانَ بَيْنَ أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرَّافِضَةِ حَتَّى نُهِبَتْ دُورُ قَرَابَاتِ الْوَزِير ... )) وطبعاً مر هذا السلب والنهب والقتل بحق الشيعة دون أي محاسبة من الخليفة وأستاذ دار خلافته بل بإمضاء كليهما فهل يرعوي الداعشي من القيام بمثل هكذا أفعال ؟ يقول المرجع الصرخي في المحاضرة السابعة والثلاثون من بحث " وقفات مع توحيد التيمية الجسمي الأسطوري " معلقاً على هذا المورد من كلام ابن كثير, قائلاً :

{{...أقول: أئمّة ((دواعش)) وعصابات السرقة والسلب والنهب والقتل والإرهاب!! فقضيّة النهب طبيعيّة جدًا عنده، بل يفتخر – أي ابن كثير - بها ويذكرها بدون أي تردد ولا أي حَياء ويوجد غيره من ذكرها، فهو لمْ يذكر كل شيء هنا، وإنما يوجد غيره بل كل من ذكر هذه الحادثة يتحدث عن الاعتداء على الأعراض وانتهاك الأعراض وارتكاب المحرمات بالكرخ وفيها وعلى محلة الرافضة وبالرافضة، إذن ما يحصل عندهم الآن من الدواعش هذا له أصل وأساس وتشريع، هذا أحد أئمة وأقطاب المنهج التيمي التكفيري ابن كثير يمنهج لهذا الأصل ولهذه القضية الإرهابية القاتلة ...}}.

فمن يقول أو يتصور إن داعش صناعة غربية أو شرقية فتصوره غير صحيح لأن داعش ولد من رحم الفكر والمنهج التكفيري الدموي الإقصائي التيمي الذي تستر برداء الدين والتوحيد والإسلام وكذلك مع توفر عوامل أخرى كما بيناها في مطلع هذه السطور, لكن من لديه أطماع في الدول العربية وتحديداً في العراق وسوريا من دول الشرق والغرب انتفعت منه في مشاريعها فحصل التنسيق والتعاون معهم هذا من أجل مصلحته وذاك أيضاً لمصلحته فبدى الأمر وكأن داعش صناعة غربية أو شرقية.

بقلم :: احمد الملا

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة