هل يكسب العلم المعركة ضد الصلع والشيب؟

  • الكاتب Ahmed Atef
  • تاريخ اﻹضافة 2017-09-02
  • مشاهدة 8

منذ بدأ شعري في التساقط لأسباب وراثية، بدأت حياتي تنقلب رأسًا على عقب. ففي كل مرة أجفف شعري عقب غسله، أحرص على عدم النظر إلى المنشفة خوفًا من رؤية ما تساقط منه. قد لا يتفهم مَن حولي المعاناة التي أعيشها، لكن حالتي النفسية تسوء من يوم لآخر، خوفًا من أن أجد رأسي خاليًا تمامًا من الشعر في غضون سنوات قليلة. وما يزيد اضطرابي أنني أتناول عقارًا هرمونيًّا لإيقاف عملية تساقط الشعر، إلا أن نتائجه ليست هائلة، كما أنه يسبب لي العديد من الآثار الجانبية، كزيادة الوزن، وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، وفقدان الرغبة الجنسية..."، هكذا عبرت ليزا، 33 عامًا، عن معاناتها مع هذا الأمر لأكثر من ثماني سنوات، عبر المنصة الإلكترونية لأحد منتديات الصحة النفسية على الإنترنت.

وتتقاسم ليزا معاناتها من تساقط الشعر الوراثي مع قطاع كبير من السيدات تبلغ نسبته 25% بين مَن تتراوح أعمارهن بين 35 و45 عامًا، في حين تعاني نسبة 45% من النساء فوق عمر الخمسين من الأمر ذاته.

ورغم أن معاناة النساء مع هذه الحالة التي تضرب أحد مظاهر أنوثتهن في مقتل تبدو شديدة وقاسية، إلا أن عدد الرجال الذين يعانون الأمر ذاته يبدو أيضًا كبيرًا جدًّا. فهو يداهم 30% ممن هم في الثلاثينيات من العمر، بينما يعاني هذا الأمر 50% ممن هم في الخمسينيات (وتتفاوت النسب من شعب لآخر، إذ تبدو النسب ضئيلة جدًّا لدى شعوب منطقة شرق آسيا على سبيل المثال).

خلايا الإنتاج

بشرى خير يحملها إذًا لهؤلاء المرضى ذلك الاكتشاف الأخير الذي توصلت إليه دراسة حديثة أجراها باحثون من مركز ساوث ويسترن الطبي التابع لجامعة تكساس الأمريكية. فقد تمكن الفريق البحثي هناك من تحديد الخلايا المسؤولة عن تكوين الشعر وإنتاج صبغته، وهو الأمر الذي قد يمهد الطريق للتوصل إلى علاج للصلع والشيب.

ويقول "لو لي" -أستاذ الأمراض الجلدية بالمركز، والذي تعاون في الدراسة مع فريق بحثي من مركز هارولد سيمون الشامل للسرطان بجامعة تكساس-: "بالرغم من أن الهدف الأساسي للبحث كان دراسة نوع نادر من الخلل الجيني يتسبب في ظهور أحد أشكال الأورام الليفية التي تنمو على الأعصاب، ويُطلَق عليه الورم العصبي الليفي من النوع الأول Neurofibromatosis Type1، إلا أننا توصلنا إلى الآليات التي ينمو بها الشعر لدى القوارض".

وكان الباحثون يعرفون بالفعل أن الخلايا الجذعية الجلدية الموجودة في انتفاخ بالجزء السفلي من بصيلات الشعر تؤدي دورًا في نموه، لكنهم لم يكونوا متأكدين تمامًا مما يجعل هذه الخلايا الجلدية تتحول إلى خلايا الشعر. لذلك لم يتمكنوا من البدء في إيجاد وسيلة لاستهدافها أو تحفيز نموها.

لكن الفريق البحثي لم يكن يعلم ماذا يحدث عندما تتحرك هذه الخلايا إلى أسفل بُصَيلات الشعر، بل وأي خلايا بالتحديد كانت مسؤولة عن تكوين الشعر وصباغته، على حد تعبير "لي" في تصريحه المنشور على موقع المركز على الإنترنت.

وفي أثناء التجارب المعملية على الفئران لمعرفة كيفية تكوُّن الأورام على الخلايا العصبية، توصل الباحثون بالمصادفة إلى وجود بروتين يسمى KROX20 عادةً ما يكون مرتبطًا بنمو الأعصاب ويتحول في خلايا الجلد إلى الجذور المنتجة للشعر، وهذه الخلايا المتحولة تنتج بدورها نوعًا آخر من البروتينات يُدعَى معامل الخلايا الجذعية ((SCF وهي بمنزلة المصبغة التي تفرز صبغة الشعر.

فعندما يعبِّر كلٌّ من جزيء KROX20  و SCFعن نفسيهما في الخلية، ويتحركان نحو الانتفاخ الموجود في البصيلة ويتفاعلان مع الخلايا الصباغية melanocyte cells المسؤولة عن إنتاج صبغة الشعر المميزة؛ ينمو الشعر ويكتسب لونه الطبيعي.

لقد دلل الباحثون على هذا الطرح بأساليب مختلفة للتأكد من صحة هذا الاستنتاج، فعندما قاموا بإزالة جين SCF من الخلايا الموجودة في فروة القوارض تحولت تلك الأخيرة إلى اللون الأبيض. وفي المقابل، عندما جرى حذف الخلايا التي تنتج KROX20، أصبحت الجرذان صلعاء.

ورغم أن الدراسة أجريت على القوارض فقط، فإن تحديد هوية هذه الخلايا والآلية التي تعمل بها دفعت الفريق البحثي إلى الدخول في مشروع أطروحة أخرى جديدة، يستهدف تجريب ذلك على البشر؛ من أجل تفهُّم أسباب حدوث الصلع والأسباب التي تؤدي إلى ضعف الشعر وفقدانه للونه المميز مع تقدم العمر، وفقًا لـ"لي".

تخليق بصيلات الشعر

علق هاني وشاحي -أستاذ الأمراض الجلدية بكلية الطب، جامعة القاهرة- على نتائج الدراسة لـ"للعلم" قائلًا: "يُعَدُّ هذا الاكتشاف مهمًّا جدًّا؛ لأنه يعالج الصلع من جذوره، فلو جرى التحقق من نتائج التجربة على البشر سيصبح من الممكن استخدام هذه البروتينات في تخليق بُصَيلات الشعر".

وعن طريقة الاستخدام، أوضح أنه "من الممكن استخدام ذلك بطرق مختلفة كالحقن في الرأس أو عمل مزرعة، أو وفقًا لتقنيات أخرى جديدة ستحددها الأبحاث العلمية للتوظيف الأمثل لتلك البصيلات".

هكذا يوضح وشاحي، والذي كان من أوائل الأطباء في مصر الذين أدخلوا زراعة الشعر عبر نقل البصيلات الناشطة من المناطق التي ما زالت تحتوي على شعر -عادة ما تكون موجودة خلف الرأس من أسفله وفي جوانبه- إلى المناطق الخالية تمامًا؛ إذ يتوقف عمل البصيلات التي عادةً ما تمتد من الجبهة الأمامية حتى أعلى الرأس.

وعادة ما يبدأ تساقط الشعر الوراثي بخلل في دورة نمو الشعر، فوفقًا للوشاحي، يمتلك الفرد العادي في المتوسط قرابة 100 ألف شعرة، ويفقد بشكل يومي ما بين 50 إلى مئة شعرة.

ويشدد وشاحي على أن مشكلة الصلع تبدأ عندما يسقط الشعر ولا يتم تعويضه، ثم يتحول بعد ذلك بشكل تدريجي من الشعرالأسود النامي Long straight hair إلى الشعر الجنيني Lanugo Hair.

ورغم أن هناك عوامل كثيرة قد تؤدي إلى الإصابة بالصلع كضعف الجهاز المناعي والتلوث والتوتر ونقص الفيتامينات، إلا أن وشاحي يرى أن العوامل الوراثية هي الأساس في الإصابة. بصيغة أخرى، قد تتضافر كل هذه العناصر، لكن لا يصاب الشخص بهذا النمط؛ لأنه غير موجود في جيناته الوراثية.

ويتفق ذلك مع دراسة حديثة أجريت في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، حيث جرى تحليل معلومات جينية خاصة بـ52 ألف شخص (ما بين 40- 69 عامًا)، وقام العلماء بالكشف عن أكثر من 200 عامل وراثي مسبِّب للصلع، فضلًا عن وجود حزمة من الجينات ذات الصلة بعملية نمو الشعر توجد على الكروموسوم xوالذي ينتقل إلى المولود الذكر عن طريق الأم.

وفي نتائج دراستهم التي نُشرت في مجلة بلوس جيناتك PLOS Genetics، فند الباحثون 287 منطقة جينية مرتبطة بالصلع، يوجد 247 منها على الكرموسومات الجسدية (عددها 22 زوجًا في جسم الإنسان وهي غير مسؤولة عن تحديد جنس الجنين) ، و40 منطقة وراثية أخرى توجد على الكروموسوم x (الزوج رقم 23 في جسم الإنسان والمسؤول عن تحديد جنس الجنين).

من ضمن الجينات التي جرى تعرُّفها على الكروموسومات الجسدية الجين FGF5 المسؤول عن إنتاج الشعر لدى الفئران، كما أن هناك جِينَيْن محملَيْن على الكروموسوم x هما OPHN1 وEDA2Rالمسؤولان بشكل أساسي عن صيانة الشعر. ورغم أن هذه الدراسات كلها تضع يدها على أسباب نمط تساقط الشعر الوراثي، لكن معضلة إيجاد دواء فعال تمامًا تبدو تحديًا كبيرًا واجهته البشرية منذ القدم.

ويقول هاني السباعي -أستاذ علم الفيسولوجي بكلية الطب جامعة القاهرة- لـ"للعلم": "إن كل الأدوية الموجودة في الأسواق حاليًّا لعلاج تساقط الشعر الوراثي تعمل بطريقة ضخ مزيد من الدم لمنطقة فروة الرأس من أجل إنعاش البُصَيلات الموجودة التي ما زالت قادرة على العمل، لكن هذه الطريقة تختلف نتائجها وفق عمر المريض ونوعه".

يعتقد السباعي أنه لو تمكن الفريق البحثي من عزل البروتين المسؤول عن إنتاج الشعر وتسخير ذلك عبر استخدام تقنيات الخلايا الجذعية الجديدة من أجل عمل نسيج كامل، بنفس الكيفية التي تجرى بها زراعة الأعضاء، فقد يفتح ذلك آفاقًا جديدة لهؤلاء المرضى، بل قد يعطي أملًا لبعض الحالات الميؤوس منها والتي وُلدت بعيب خلقي وليس لديها بصيلات على الإطلاق.

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة