يا دعاة القومية ... كم من كبش في المرعى وخروف عند القصاب ؟!

التحدث عن القومية والتبعية القومية خصوصاً العربية شيء جميل ولا ضرر فيه, حيث التفاخر بالفصاحة والبلاغة الكلامية وبعروبة الإسلام والقرآن ونبي الإسلام خاتم الأنبياء " صلى الله عليه وآله وسلم " وهذا يجعل – من المفترض – أن يكونوا دعاة القومية مطبقين لكل تعاليم الإسلام والإهتمام برعيتهم إن كان هؤلاء الدعاة دعاة حكاماً أو رجال دين بحيث يشترط أن يكون هناك إمتزاج واضح بين الدعوة للقومية وبين تطبيق تعاليم الدين, لكن الأمر المعيب هو إن من يدعي القومية ويدعوا لها في هذا الزمن وفي السابق – والحديث عن الأعم الأغلب – نرى التنافر الواضح بين دعواته وبين سلوكياته وتطبيقاته خصوصاً عند الحكام والسياسيين من يقف خلفهم من رجال تستروا بزّي الدين.

حيث نلاحظ اللهجة القومية والعروبية واضحة المعالم في خطابات المتصدين لكن تطبيقاتهم بعيده كل البعد عن دعوته للقومية, فهاهم العرب من المسلمين وغير المسلمين وفي بلاد العروبة تسفك دمائهم وتنتهك أعراضهم ومقدساتهم وتسرق أموالهم وتخرب بلادهم ويهجرون بفعل الحكام العرب ومن يقف خلفهم ممن تستر بزّي الرهبنة والتديّن !! وهذا الإجرام مارسه هؤلاء بحق أبناء قوميتهم ودينهم أما بصورة مباشرة حيث يضعون السيف على رقاب الشعوب العربية أو بصورة غير مباشرة عندما يسمحون للمحتلين والغزاة من القوميات والدول الشرقية والغربية غير العربية هي من تتحكم بالبلاد العربية, بل الأدهى والأمر يكون في بعض الأحيان من هو غير عربي أكثر رفقاً بالعرب !! وهذا ما ثبت على أرض الواقع في هذا الزمن وفي سالف الأزمان, ودليل ذلك هو لجوء بعض الحكام العرب لمن هم غير عرب لحل أزماتهم ومشاكلهم الداخلية هذا من جهة ومن جهة أخرى هو إن الشعوب العربية فضلت الهجرة إلى غير البلاد العربية والهروب من بطش وجبروت دعاة القومية والعروبة والإسلام!!.

وما يشهده العراق وسوريا واليمن ليبيا وغيرها من الدول العربية خير شاهد حي على قولنا هذا, أما في القرون الأولى من الإسلام فنذكر وكمثال ما حصل في زمن الدولة الأيوبية, قال إبن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ / 10/ 2960 (( ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة (613هـ) [ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ] وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى أَنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ، قَبْلَ مَرَضِهِ، أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ بِمِصْرَ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ الْعَادِلُ: سُبْحَانَ اللَّهُ! أَيُّ حَاجَةٍ إِلَى هَذِهِ الْيَمِينِ؟ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مِثْلَ بَعْضِ أَوْلَادِي. فَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ طَلَبَ هَذَا وَاخْتَارَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَيْهِ. فَقَالَ الْعَادِلُ: كَمْ مِنْ كَبْشٍ فِي الْمَرْعَى وَخَرُوفٌ عِنْدَ الْقَصَّابِ، وَحَلِفَ، فَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَنْ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ وَالرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ ,وَلَمَّا عَهِدَ الظَّاهِرُ إِلَى وَلَدِهِ بِالْمُلْكِ جَعَلَ أَتَابِكَهُ وَمُرَبِّيَهُ خَادِمًا رُومِيًّا، اسْمُهُ طُغْرُلْ، وَلَقَبُهُ شِهَابُ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ، كَثِيرُ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ, وَلَمَّا تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ، أَحْسَنَ شِهَابُ الدِّينِ (طُغْرُل) هَذَا السِّيرَةَ فِي النَّاسِ، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَأَزَالَ كَثِيرًا مِنَ السُّنَنِ الْجَارِيَةِ، وَأَعَادَ أَمْلَاكًا كَانَتْ قَدْ أُخِذَتْ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَقَامَ بِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ أَحْسَنَ قِيَامٍ، وَحَفَظَ بِلَادَهَ، وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ بِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَمَلَكَ مَا كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَى الظَّاهِرِ مُلْكَهُ وَمَا أَقْبَحَ بِالْمُلُوكِ وَأَبْنَاءِ الْمُلُوكِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ الْغَرِيبُ الْمُنْفَرِدُ أَحْسَنَ سِيرَةً، وَأَعَفَّ عَنْ أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَأَقْرَبَ إِلَى الْخَيْرِ مِنْهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ فِي وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ سِيرَةً مِنْهُ، فَاللَّهُ يُبْقِيهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ كُلُّ حَسَنٍ وَجَمِيلٍ )).

وقد علق رجل الدين الصرخي الحسني على هذا المورد في المحاضرة الثانية والثلاثون من بحث " وقفات مع توحيد التيمية الجسمي الأسطوري) قائلاً:

{{... أقول: لا أعرف بالضبط مِن أي شيء يعجب ابن الأثير ؟! هل تكذيبًا وتسفيهًا لما يحكى؟!! أو أنّه يريد التمجيد بالعادل وزعم أنّ له كرامة بحيث علم أو تنبأ بموت غازي عندما قال {كَمْ مِنْ كَبْشٍ فِي الْمَرْعَى وَخَرُوفٌ عِنْدَ الْقَصَّابِ}؟!! حيث قال ابن الأثير إنّ الظاهر غازي قبل مرضه قد أرسل للعادل !!! لكن هذا يخالف ويعارض ما نقله قبل أكثر مِن سطرين حيث قال {وَلَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ عَهِدَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ.... تنبيه: خادم مملوك رومي صار وصيًّا على السلطان والبلاد والعباد، الزنكي مملوك، والأيوبي مملوك للزنكي، والخادم الرومي مملوك للأيوبي، فهذا الخادم الوصي الحاكم السلطان الآمر الناهي هو مملوك مملوك المملوك، والمالك الأصلي تركي، فعلى المتحدِّث بالعروبة والمتحدِّث بالقوميّة أن يتنازل عن مدّعاه ويرجع إلى الإسلام وعدالة الإسلام ورسالة الإسلام السماويّة العادلة، وإنّه لا خير في القوميّة والعروبة إذا لم ترجع إلى الإسلام وعدالة الرسالة الإسلامية السماويّة، والحمد لله وحسب نقل ابن الأثير أنّ هذا الرومي قد أحسن السيرة بين الناس وحكم بالعدل!!! .... رَفَعَ طُغْرُل مظلوميات كثيرة قد فعلها ابن صلاح الدين الممضى تنصيبه وعمله مِن الملك العادل، فاستقامة وعدالة هذا الخادم الرومي كشفت انحراف وظلم وفساد ملوك وسلاطين ذلك الزمان، وكما قال ابن الأثير وهو يكمل كلامه ...}}.

وما دفعنا لذكر تعليق المرجع الصرخي على هذا المورد لتمامية الطرح ودقته في وصف الحالة التي عاشها مدعي القومية من العرب المسلمين, الذين جعلوا بلاد العرب والمسلمين ومنذ عصور طويلة جعلوا المسلمين بين أكباش في المرعى وبين خراف عند القصابين, فهناك من العرب من سفك دمه وهناك من يقف بطابور الإنتظار وآخرين تتم تهيئتهم للموت والقتل والتهجير وإنتهاك الحرية والكرامة والعرض والمقدسات مبتعدين كل البعد عن الإسلام وعدالته والرسالة الإنسانية التي جاء بها.


بقلم :: احمد الملا

شارك هذا الموضوع

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة