شارك هذا الموضوع

أظنٌه في الجنٌة


***
كان جديٌ "مسعود الزارعي" قارئاً نهماً وبارعاً وكانت له محاولات في سرد الروايات والقصص. ولكن بسبب حادث فقد فيه بصره.. إعتزل ماكان يطمح إليه.ز ولكنه كان راوِ وقاص شفهي بإمتياز..كانت علاقتي به قويٌة جداً.. لحد أنك إذا زرته للبيت ستجدني عنده ..منذ أن كنت طفلاً صغيراً يلعب بعكازه.. إلي أن كبرت وأنا أقراءُ عليه الروايات .. كان جدٌي "مسعود الزارعي" يستمع لي بوجل، كلما قرأت له ، لم يستسغ القراءة من أحد غيري بسبب علاقتي القويٌة به.. لم يقبل القراءة حتي من زوجته، التي لم تمكث معه منذ زواجه فترة لاتقل عن أربعة سنوات عندما أختاره القدر..القدر الذي لايعرف الخرائط المقلوبة ولايعرف مسعوداً ولايعرف أبوبكر حتي ،ضد، أخبرته أن هنالك رواية جميلة تتكلم - عنك -عن مسعود.. وخريطته.. وحنقه. إنها رواية ضد.. أبتسم بتعجٌب وبإهتمام أكثر من السابق...وقد بدأت في تلك الليلة القراءة عليه..وكان يستمع بحزم صارم.. ولكننٌي كلٌما قرأت له منها سطراً وجملةً وصفحةً، كان يستمع إليٌ كأنه هو الذي يقرأها لي، وكلما راقت له صفحةً أو جملةً أو سطراً من الرواية، كان يضرب بعكٌازه الأرض، كأنه موسي النبي، لالشيء، ولكن لأعيد له ما كنت قد أمليته عليه، مرة ثانية، كنت أشعر بعيونه تتابع معي بالكلمة، وبالسطر ،وبالجملة،وبالصفحة، لقد كان يشكٌل فيه فعل القراءة علاقة حميميٌة وجسدية مع الرواية، "ضد"، لقد كان ذكيٌا لدرجة أنك إذا وقفت بجانبه، ورأيت محياه، تقسم ..علي أنه ينظر وليس كفيفاً، وكانت جميع حواسه تشارك، كانت أذناه ترجع صدي الكلمات التي كنت أقرأها وأملٌها عليه، وكان أنفه يشم رائحة أوراقها، وصمغها، وحبرها الذي كُتبةْ منه، بل أنه كان يجلس مع الكاتب وقت كتابته سطورها روحياً، حتي حاسٌة ذوقه كانت تشارك في تفاعله مع السطورعند القراءة، وكان قلبه يجمٌعُ بحب..بحب كل جملة وحب كل سطر، وحب.. هو حب الكلمات التي كنت أقرأها له، كنا نتجادل أحياناً ، ونتفق في أحيانِ أخري..عن الخريطة.. والأشخاص والأفكار المقلوبة ..وعن مسعود.. وعنإبراهيم الخليل حتي، وكان يرد عليٌ بقوله: تعمٌق جيداً في النص بصورة حميميٌة ولاتلجأ إلي التأويل.. فقط أنظر إليها كتجربة عارمة،ومهيمنة، ستعرف مايقوله ـ قلب ـ الكاتب.. وتذكر جيداً.. ياأبوبكر.. أنه لايستطيع أحد أن يعيد من جديد خلق العالم وتعريفه عبر الصفحات.. سوي فكرة ..كانت.. مقلوبة..
وكنت أقول وهو يستمع لي: الناس هنا لاتقرأ ياجدٌي، ولاتهتم بالكتب أبداً، أنهم أشبه بشوال محشو بالحطنة المعجونة بالتمر..علي أنني لاأسخر منهم ومن سذاجة ماتحتويه عقولهم.. إلا انهم لايستخدمونها إلا في الأكل والنوم والخوف..أنهم لايهتمون البته بالكتب ياجدٌي,, إلا إذا تخيٌلوها في عيونهم كتباً (غذائية) صالحة للأكل..ولاأستبعد ياجدٌي إحتماليٌة أن يأكلو أوراق الكتب إذا جاعو.. (ماعاذا الله) فأنا أقدس السطور.. أقدس الصفحات.. وأقدس الكتب.. جميعها جدٌي .. أؤكد لك ذلك .. أتسمعني.. أين تسرح. 
- نحن في باص سريع ياولدي..لايتٌسع للبعض قراءة الكتب ولكني أؤكد لك أنها ـ الكتب ـ (غذائية) ولكن الناس ياولدي إذا جاعو لا ينظرون. إذا ظُلِمُو لا يتطلعون ..إلا القليل.. المهم ألا تقذف أنت الكتب ـ الألواح ـ وتتركها.. 
- وأنت لاتنظر ياجدٌي؟ فيبتسم ويرد عليٌ قائلا 
- ولكنني أستمع ياولدي، وهي.. لعمري.. أقوي حاسٌة جسديٌة،..وحميميٌة من النظر، ولكن ستتغير أحوال الناس عمٌا قريب ..عمٌا قريب ..ياولدي لاتيأس.. سوف تري الناس يمشون في يوم ما ، علي أقدامهم.. وليس رؤوسهم 
- عمٌا قريب(بصوتي المتهكم) !!، هذه أحلام عجوز في تموز.. ياجديٌ.. إلاٌ إذا ضربت بعكٌازك الأرض.. فتنفجر منه أثنتيٌ عشرة.. فكرة.. أو كتاباً.. ولكن نحن عرب ياجدٌي ولانمشي علي أقدامنا هذا منكر (أستغفر الله)!, فيحملق بغريزته في مصدر الصوت.. لي مباشرة.. وبأسلوب حاد يلح عليٌ.. فقد كان عصبياً بسبب السجائر.. 
- تابع القراءة، تابع القراءة وإلا أخذت منك الكتاب وقرأتُ وحديٌ .. بمفرديٌ..لاوقت لأحاديثك ومرافعاتك الفارغة.. هيٌا ياولد.. بسرعة.. فإن القراءة عليه كانت بمقدورها أن تكون عقائديٌة إلي حد بعيد..كان يسميه الوحي الأدبيٌ
وبكلمة "حسناً" أُكملُ له باقي السرد ، وأستمر في القراءة له ،و ما فاظت به كلمات الرواية . ويتقلب بإصغاء و بوجدان، وضوء النهارفي العشٌية يتسلل من نافذة المربوعة.. و يغسل المكان كله .. ماعدا جبهته العريضة والتي كانت أقتم منطقة من بشرة وجهه الفاتحة والنظرة.. ونظٌارته السوداء التي كان يضعها.وكان يقول:إذا عرفت القراءة والكتابة وعرفت "ضد"الشخص الواقف علي الجانب الأخر فيك ياولدي فإنك عرفت "طريق أخر إلي الجنة".. ولكنه لم يسعفه الحظ بسماع رواية "عبدالرحمن ورقيٌة" رواية" طريق أخر إلي الجنة" وهي لنفس الكاتب الكبير والمتواضع "إبراهيم عثمونه", كان هادئاً في أخر أيامه، سعيداً عندما كنا نجلس معاً.. .زرته يوم 17/9/2016 وفي أخر ليلة له في حياته.. أبتسم لي عندما مدتُ له طاساً من الشاي قبل مغادرتي المنزل.. وقلت له: هيٌا ياجدٌي بالسٌلامة - فقد أوصلت له الرسالة -..ورد بدوره عليً وقال مودٌِعاً.. بالسٌلامة. 
(أظنٌه في الجٌنة)

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري