شارك هذا الموضوع

الخال الخارق

جدتي الطيبة، خابرتها مساء أمس وكم كنت سعيدة مستبشرة بسماع ذلك الصوت الملائكي الذي يقطر حنانا ورحمة. شرعت تسألني عن حالي واحوالي وتنقل الي احداث العيد السعيد في دياري البعيدة القريبة.

أخبرتني جدتي انها وعلى حين غرة من الزمن تلقت اتصالا مفاجأ، أبكاها وأسعدها وحرك حنينا عمره سنين طويلة.. ما يقارب العشرين عاما مضت. فمن يا ترى كان المتصل؟!

                          ****

ذلك الرجل المنسي بين غياهب السجون، الذي كان يوما قائدا مفدى، يمشي على الأرض هوناً فيزلزل بخطواته كيان دولة زائلة..

صديق حميم لأحد أخوالي الذي كان بمثابة أخ له ولإخوته أيضا، كنا نراه خالا لنا. عرفناه مناضلا مقاوما ووحشا ضاريا لا يقهر. اختطفه الاوغاد فجأة ورموا به في عتمة السجون ليواجه ما تبقى من سني عمره بين الجدران والقضبان.

 كان عمري في تلك الأيام لا يجاوز السادسة، لكن أطياف الرجل المناضل ما زالت تعشعش في زاوية ما من زوايا ذاكرتي المنخورة كغربال قديم.

طيف فارع الطول مفرط النحافة، كانت هناك لوثة من الشيب تصبغ مقدمة رأسه، لا أدري لعلها تميل يمينا أو الى اليسار قليلا.

ما زلت أغمض عيني وأرى رسم ملامحه في ظلام جفوني حاولت تذكر لون بشرته على وجه التحديد فلم تسعفني ذاكرتي الى هذا الحد، لكنه على الأغلب قمحي كلون سنابل قمح المروج التي يداعبها نسيم الوطن.. الوطن الذي قدم له عمره على كفوف الراحة فأخذه! كان مستعدا أن يفديه بروحه بعد.. لكن الوطن اكتفى بجسد وقلب وشبه حريه وترك له روحا حره.

أيضا احمل ما بين ثنايا ذاكرتي رسما لمنزله الذي يقع يمينا بعد منتصف مخيمنا الصغير، حيث كانت غرفة المعيشة التي يستقبلونا بها، غرفة مربعه على هيئة مجلس عربي ومراتب تفترش الأرض الباردة. نجلس عليها ونمد ارجلنا ونغطيها بملاءات كانت العجائز تغطي ارجلهن بها فنفعل مثلهن. كانت هناك خزانة بعدة درفات تقابلنا وتستند الى الحائط؛ فوقها كان يظهر جزء من بندقية مركونة هناك، فوق الحافة العليا. كنا أنا وأخي الأصغر ننظر اليها بولهٍ ودهشةٍ وإثاره ونهمس فيما بيننا بهمهمات لم استحضر أي منها رغم جهودي الجبارة للاستذكار. لكني أذكر جيدا تلك البندقية الرشاشة التي كانت أول سلاح حقيقي لمسته بيدي هاتين وحدقت اليه بعينين متحجرتين متعجبتين.. ربما كانت تلك المرة الأولى لكن من يدري انها ستكون الأخيرة!!

                                  ****                  

مع مرور تلك السنين العجاف استطاع الخال أن يسطر نصرا ويحقق إنجازا ملموسا، فأكمل دراسته العليا وحصَّل درجة الماجستير في اللغة الإنجليزية؛ حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ويدرس مساجين شباب مما علمه الله وعلمته الأيام.. وهو كذلك صان ذاكرته فلم ينسنا..

إنه يحمل بين أوراقه حكما كبيرا يجاوز اضعاف متوسط عمر البشر الطبيعي، ويحمل بين ضلوعه قلباً نابضاً بالشجاعة والأمل، ومعنوية عالية ويقينا عجيبا خارقاً بأن سيأتي يوم يقهر به سجانه لا محالة.

                                    ****

جدتي الحبيبة تحدثني كيف استطاعت ان تحزر من هو بعدما يقارب العشرين عاما منذ اخر مرة حادثته بها، لكنها تمكنت من التخمين الصحيح بمجرد انه قهقه جذلاً فعرفته من رنين ضحكته.

أجل يستطيع الزمن والأيام والبشاعة والاحتلال والجنود وكل قهر العالم وألمه أن يغيروا ملامحنا وحياتنا وتفكيرنا وتصرفاتنا بعد؛ لكنهم أبداً لن يستطيعوا خنق ضحكة صادقة تنبع من قلوبنا الطاهرة!

بيسان عناب

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري