شارك هذا الموضوع

الرحالة ابن بطوطة

  • الكاتب nasa27 3ama
  • تاريخ اﻹضافة 2016-11-09
  • مشاهدة 82
الرحالة ابن بطوطة لا يُذكر اسم أدب الرحلات إلا ويرد بالبال أول ما يرد اسم ابن بطوطة، ولد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم الطنجي في مدينة طنجة في يوم الإثنين السابع عشر من شهر رجب سنة 703 هجرية الرابع والعشرين من فبراير سنة 1304 ميلادية لأب من أوساط الناس، أما ابن بطوطة فهو الاسم الذي اشتهر به، كان ابن بطوطة مفطورًا على حب الرحلة والسفر والتجوال، بدأ رحلته سنة 725 هجرية قاصدًا الحج وكان في الثانية والعشرين من عمره، يقول د. حسين مؤنس: إن ابن بطوطة كان مُهَيئًا نفسيًّا وجسديًّا للمطلب العسير الذي أراده وأعانه الله عليه فاستمتع بما أراد وأمتعنا معه، ومن لطائف حديثه في رحلته أنه كان يذكر كل شيء حتى الصادع الذي يلم به أو المغص الذي يصيبه أو الرمد الذي يشكوه، فيزيدنا استمتاعًا بقراءته، فنحن مع مُحَدِّث بارع وحديثه كله مفيد، حتى حديثه عن أمراضه وأوجاعه عظيم الفائدة فهو يعطينا فكرة عن الأدوية وأساليب التداوي في أيامه، ويكشف لنا عن حقيقة أكبر وهي أن مستوى العلاج لم يكن منخفضًا كما نظن؛ فقد كان للناس معارف طبية كثيرة جدًّا، وكانت أدويتهم على بساطتها نافعة ناجعة، وهذا جانب من جوانب الحضارة الإسلامية عظيم، وإليك نماذج من رحلات ابن بطوطة. قال الشيخ أبوعبد الله: كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفردعام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدًا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضلالصلاة والسلام، منفردًا عن رفيق أنس بصحبته، وركب أكون في جملته؛ لباعث على النفسشديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم، فجزمت أمري على هجرالأحباب من الإناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيورللوكور، وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهماوصبًا، ولقيت كما لقيا من الفراق نصبًا، وسني يومئذ ثنتان وعشرون سنة. قال ابن جزي،أخبرني أبو عبد الله بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم الإثنين السابع عشر منرجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة. وصلنا مدينةالجزائر، وأقمنا بخارجها أيامًا إلى أن قدم الشيخ أبو عبد الله وابن القاضي فتوجهناجميعًا على منبجة إلى جبل الزان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية. وكان أمير بجايةإذ ذاك أبا عبد الله محمد بن سيد الناس الحاجب، وكان قد توفي من تجار تونس الذين صحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره، وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب،وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن جديدة ليوصلها إلى ورثته، فانتهى خبرهلابن يد الناس المذكور، فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم. ولما وصلنا إلى بجاية كما ذكرته أصابتني الحمى فأشار عليّ أبو عبد الله الزبيدي بالإقامة فيها حتى يتمكن البرء مني، فأبيت وقلت: إن قضى الله عز وجل بالموت فتكون وفاتي بالطريق، وأنا قاصد أرض الحجاز، فقال لي: إما أن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك دابة وخباء، وتصحبنا خفيفًا، فإننا نجد السير خوف غارة العرب في الطريق، ففعلت هذا وأعارني ما وعد به جزاه الله خيرًا، وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الإلهية فيتلك الوجهة الحجازية. وسرنا إلى أنوصلنا مدينةقسنطينةفنزلنا خارجها، وأصابنامطر جود، فاضطررنا إلى الخروج عن الأخبية ليلاً إلى دور هنالك، فلما كان من الغدتلقانا حاكم المدينة، وهو من الشرفاء الفضلاء، يُسمى بأبي الحسن، فنظر إلى ثيابيوقد لوثها المطر فأمر بغسلها في داره، وكان الإحرام منها خَلِقًا فعبث مكانهإحرامًا بعلبكيًّا، وصرَّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، فكان ذلك أول ما يفتح به عليَّ في وجهتي. ورحلنا إلى أنوصلنا مدينة بونة، ونزلنا بداخلها، وأقمنا بها أيامًا ثم تركنا بها من كان فيصحبتنا من التجار لأجل الخسوف في الطريق، وتجردنا للسير، وواصلنا الجد، وأصابتنيالحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف، ولا يمكنني النزولمن الخوف، إلى أن وصلنا مدينة تونس، فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد الله الزبيدي،ولقاء أبي عبد الله النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسلام والسؤال، ولم يسلم عليّأحد لعدم معرفتي بهم، فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة، واشتدبكائي فشعر بحالي بعض الحجاج، فأقبل عليَّ بالسلام والإيناس، وما زال يؤنسني بحديثهحتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين. قال ابن جزي:أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن إبراهيم السلمي، هو ابنالحاج البلفيقي: أنه جرى له مثل هذه الحكاية قال: قصدت مدينة بلش من بلاد الأندلسفي ليلة عيد برسم رواية الحديثة المسلسل البعيد عن أبي عبد الله بن الكماد، وحضرتالمصلى مع الناس، فلما فرغت الصلاة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام، وأنافي ناحية لا يسلم عليّ أحد فقصد إليَّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل عليَّبالسلام والإيناس وقال: نظرت إليك رأيتك منتبذًا عن الناس، ولا يسلم عليك أحد،فعرفت أنك غريب، فأحببت إيناسك، جزاه الله خيرًا. ثم وصلنا إلى مدينة قابس، ونزلنابداخلها وأقمنا بها عشرًا لتوالي نزول الأمطار. ثم خرجنا منمدينة قابس قاصدين طرابلس، وصَحَبَنا في بعض المراحل إليها نحو مائة فارس، أويزيدون، وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب وتحامت مكانهم، وعصمنا الله منهم،وأظلنا عيد الأضحى في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وصلنا إلى مدينة طرابلس،فأمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس، فبنيت عليها بطرابلس ثمخرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم، من عام تسعة وعشرين وسبعمائة ومعي أهلي وفي صحبتيجماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم، وأقام الركب في طرابلس خوفًا منالبرد والمطر وتجاوزنا مسلاته ومسراته وقصور سرت، وهنالك أرادت طوائف العرب الإيقاعبنا ثم صرفتهم القدرة، وحالت دون ما راموه من أذيتنا. ثم توسطناالغابة، وتجاوزناها إلى قصر برصيصا العابد، إلى قبلة سلام وأدركنا هنالك الركبالذين تخلفوا بطرابلس، ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتًالبعض طلبة فاس، وبنيت بها بقصر الزعافية، وأولمت وليمة حبست لها الركب يومًا،وأطعمتهم. الوصول إلى الإسكندرية ثم وصلنا في أولجمادى الأولى إلى مدينة الإسكندرية حرسها الله، وهي الثغر المحروس والقطر المأنوس،العجيبة الشأن الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودين، كرمتمغانيها ولطفت معانيها وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، فهي الفريدة فيتَجَلِّي سناها، والخريدة تجلى في حلاها، الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترقالمحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكل بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليهاانتهاؤها وقد وصفها الناس فأطنبوا، وصنفوا في عجائبها فأغربوا، وحسب المشرف إلى ذلكما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك. ذكر أبوابها ومرساها ولمدينةالإسكندرية أربعة أبواب، باب السَّدرة، وإليه يشرع طريق المغرب، وباب رشيد، وبابالبحر، والباب الأخضر، وليس يفتح إلا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور،ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أَرَ في مراسي الدنيا مثله، إلا ما كان من مرسى كولموقاليقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرادق ببلاد الأتراك، ومرسى الزيتون ببلادالصين وسيقع ذكرها. ذكر المنار قصدت المنار فيهذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدمًا، وصفته أنه بناء مربع ذاهب في الهواء، وبابهمرتفع على الأرض، وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه، وضعت بينهما ألواح خشب يعبر عليهاإلى بابه، فإذا أزيلت لم يكن له سبيل، وداخله موضع لجلوس حارس المنار، وداخل المناربيوت كثيرة، وعرض الممر بداخله تسعة أشبار، وعرض الحائط عشرة أشبار، وعرض المنار منكل جهة من جهاته الأربع مائة وأربعون شبرًا، وهو على تل مرتفع ومسافة ما بينه وبينالمدينة فرسخ واحد في بر مستطيل، يحيط به البحر من ثلاث جهات إلى أن يتصل البحربسور البلد، فلا يمكن التوصل إلى المنار في البر إلا من المدينة، وفي هذا البرالمتصل بالمنار مقبرة الإسكندرية. وقصدت المنار عندعودتي إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة؛ فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لايمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر، رحمه الله قد شرع في بناء منارمثله بإزائه فعاقه الموت عن إتمامه. ذكر أمير علابور استشهاده وكان أمير علابوربدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذي تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزاليغير على الكفار منفردًا بنفسه فيقتل ويسبي حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار،كان طويلاً ضخمًا يأكل الشاة عن آخرها في أكلة، وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصفمن السمن بعد غذائه، على عادة الحبشة ببلادهم، وكان له ابن يدانيه في الشجاعة،فاتفق أن أغار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار، فوقع به الفرس في مطمورةواجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقتارة، والقتارة: حديدة شبه سكة الحرث يدخلالرجل يده فيها فتكسو ذراعه، ويفضل منها مقدار زراعين وضربتها لا تبقي، فقتله بتلكالضربة، وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية وقتلوا رجالها وسبوا نساءها ومافيها وأخرجوا الفرس، وتوجه إلى دهلي فخرج عليه الكفار، فقاتلهم حتى قتل، وعاد الفرسإلى أصحابه، فدفعوه إلى أهله، فركب صهر له فقتله الكفار عليه أيضًا. ثم سافرنا إلىمدينة كاليور، ويقال فيه أيضًا كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع في رأس شاهقعلى بابه صورة فيل وفيال من الحجارة، وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين وأميرهذه المدينة أحمد بن سير خان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذهالسفرة. ودخلت عليه يومًاوهو يريد توسيط رجل من الكفار، فقلت له: بالله لا تفعل ذلك فإني ما رأيت أحدًا قطيقتل بمحضري فأمر بسجنه، وكان ذلك سبب خلاصه. ثم رحلنا منمدينة كاليور إلى مدينة برون، مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار أميرها محمد بنبيرن التركي الأصل، والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليهاليلاً وأبوابها مغلقة، فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيرًا، وكانوا يعجبون في شأندخوله. وأخبرني محمدالتوفيري من أهلها، وكان جارًا لي بها، أنه دخل داره ليلاً وافترس صبيًّا من فوقالسرير، وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس، فخرج أحدهم لحاجة، فافترسه فخرجأصحابه في طلبه، فوجدوه مطروحًا بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه، وذكروا أنه كذلكفعل بالناس. ومن العجب أن بعضالناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع، وإنما هو آدمي من السحرة المعروفينبالجوكية يتصور في صورة سبع، ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به جماعة ولنذكربعضًا من أخبار هؤلاء السحرة. ذكر السحر الجوكية وهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب منها: أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب، وكثير منهم تحفر له تحت الأرض وتبنى عليه، فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء، ويقيم بها الشهور، وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة. ورأيت بمدينةمنجور رجلاً من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة، وأقام بأعلاها، لا يأكلولا يشرب مدة خمسة وعشرين يومًا، وتركته كذلك فلا أدري كم أقام بعدي. والناس يذكرونأنهم يركبون حبوبًا يأكلون الحبة منها لأيام، معلومة أو أشهر فلا يحتاج في تلكالمدة إلى طعام أو شراب، ويخبرون بأمور مغيبة، والسلطان يعظهم ويجالسهم ومنهم منيقتصر في أكله على البقل، ومنهم من لا يأكل اللحم، وهم الأكثرون، والظاهر من حالهمأنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لديهم في الدنيا وزينتها، منهم من ينظر إلىالإنسان فيقع ميتًا من نظرته، وتقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميتوجد من دون قلب، ويقولون: أكل قلبه، وأكثر ما يكون هذا في النساء، والمرأة التيتفعل ذلك تسمى كفتار. حكاية امرأة كفتار لما وقعت المجاعةالعظمى ببلاد الهند بسبب القحط، والسلطان ببلاد التلنك نَفَّذ أمره أن يعطي لأهلدلهي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم؛ فجمعهم الوزير ووزع المساكين منهمعلى الأمراء والقضاة ليتولوا إطعامهم، فكان عندي منهم خمسمائة نفس، فعمرت لهم سقائففي دارين وأسكنتهم بها، وكنت أعطيهم نفقة خمسة أيام في خمسة أيام. فلما كان في بعضالأيام أتوني بامرأة منهم، وقالوا: إنها كفتار وقد أكلت قلب صبي كان إلى جانبهاوأتوا بالصبي ميتًا؛ فأمرتهن أن يذهبوا بها إلى نائب السلطان، فأمر باختبارها، ذلكبأن ملئوا أربع جرات بالماء وربطوها بيديها ورجليها، وطرحوها في نهر الجون، فلمتغرق، فعلم أنها كفتار، ولو لم تَطْفُ على الماء لم تكن كفتار، فأمر بإحراقهابالنار، وأتى أهل البلد رجالاً ونساءً فأخذوا رمادها، وزعموا أنه مَن تبخر به أمنفي تلك السنة من سحر كفتار. حكاية سحر الجوكية بعث إليّ السلطانيومًا وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه، وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من هؤلاءالجوكية وهم يلتحفون بالملاحف، ويغطون رؤوسهم؛ لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتفالناس آباطهم، فأمرني بالجلوس فجلست، قال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياهما لم يره، فقالا: نعم؛ فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في لهناء فوقنامتربعًا، فعجبت منه وأدركني الوهم فسقطت إلى الأرض، فأمر السلطان أن أسقى دواءعنده، فأفقت وقعدت، وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلاًله من شكارة كانت معه،فضرب بها الأرض كالمغتاظ، فصعدت إلى أن علت عنق المتربع، وجعلت تضرب في عنقه، وهوينزل قليلاً حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل، ثمقال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت، فانصرفت عنه وأصابنيالخفقان، ومرضت حتى أمر لي بشربة أذهبت ذلك عني. ولنَعُد لما كنابسبيله فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أموري ثم إلى منزل كجرا وبه حوض عظيمطوله نحو ميل، وعليه الكنائس فيها الأصنام قد مثل بها المسلمون، وفي وسطه ثلاث قبابمن الحجارة الحمر على ثلاثة طِباق، وعلى أركانه الأربعة أربع قِباب، ويسكن هنالكجماعة من الجوكية وقد لبدوا شعورهم، وطالت حتى صارت في طولهم، وغلبت عليهم صفرةالألوان من الرياضة، وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم، ويذكرون أن من كانتبه عاهة من مرض أو جذام يأوي إليهم مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى. وأول ما رأيت هذهالطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان، وكانوا نحو الخمسين، فحُفِرَ لهم غارتحت الأرض وكانوا مقيمين به لا يخرجون إلا لقضاء حاجة. ولهم شبه القرنيضربونه أول النهار وآخره وبعد العتمة، وشأنهم كله عجب، ومنهما الرجل الذي صنعللسلطان غياث الدين الدامغاني سلطان بلاد المعبر حبوبًا يأكلها تقوية على الجماع،وكان من أخلاطها برادة الحديد، فأعجبه فعلها، فأكل منه أزيد من مقدار الحاجة، فمات،وولى ابن أخيه ناصر الدين فأكرم هذا الجوكي ورفع قدره. ثم سافرنا إلىمدينة جنديري، مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يسكنها أمير أمراء تلك البلد عز الدينالبنتاني هو المدعو بأعظم ملك، وكان خيِّرًا فاضلاً يجالس أهل العلم، وممن كانيجالسه الفقيه عز الدين الزبيري والفقيه العالم وجيه الدين البياني، نسبة إلى مدينةبيانة التي تقدم ذكرها، والفقيه القاضي المعروف بقاضي خاصة، وإمامهم شمس الدين،وكان النائب عنه على أمور المخزن سمي قمر الدين، ونائبه على أمور العسكر سعادةالتلنكي من كبار الشجعان، وبين يديه تعرض العساكر، وأعظم ملك لا يظهر إلا في يومالجمعة أو في غيرها نادرًا. ثم سرنا منجنديري إلى مدينة ظهار، وهي مدينة المالوة أكبر عمالة تلك البلاد، وزرعها كثيرخصوصًا القمح، ومن هذه المدينة تُحمل أوراق التنبول إلى دهلي، وبينهما أربعة وعشرونيومًا، وعلى الطريق بينهما أعمدة منقوش عليها عدد الأميال فيما بين كل عمودين، فإذاأراد المسافر أن يعلم عدد ما سار في يومه، وما بقي له إلى المنزل أو إلى المدينةالتي يقصدها قرأ النقش الذي في الأعمدة فعرفه، ومدينة ظهار إقطاع للشيخ إبراهيمالذي من أهل ذيبة المهل. اليوم أبتدئالقراءة بعد صلاة الصبح فأختم عند الزوال، وأجدد الوضوء وأبتدئ القراءة فأختمالختمة الثانية عند الغروب، ولم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر، واعتكفت فيها أربعينيومًا.

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري