شارك هذا الموضوع

الشاعر عبد الرحمن الأبنودي.. شاعر الشمس

"من كتر ما شُفت

ما باصدقش إيماني

أنا شاعر الشمس

وآدي الشمس ناكراني

تنساني في فرحها

في الحزن فاكراني"

     كلما وصل إلى مسامعي خبر موت أحد المبدعين الذي حملوا إيمانهم بقيمة الأدب بين ضلوعهم، وعاشوا عاكفين على مشاريعهم الأدبية مخلصين لها، ينتابني حزن وإحباط شديدين؛ ذلك لأنني على يقين أن المبدع في بلادنا مثله مثل عامل النظافة الذي يقضي عمره ينظف ويجمّل لكن لا يراه أحد، بل لا يعترف بوجوده أحد من الأساس، ومع ذلك لا يكف عن التفاني في عمله.

    أول ديوان وقع في يدي للشاعر عبد الرحمن الأبنودي كان ديوان "الزحمة"، أعاره لي أحد الأصدقاء. كانت نسخة مهلهلة، قديمة، متآكلة الغلاف من كثرة ما تناولتها الأيادي في تلك الواحة البعيدة. أذكر أني أخذت الديوان معي إلى الحقل. وبعد أن رتَّبت مجاري المياه وتأكدت أن كل شيء على ما يرام، جلستُ في ظل الشجرة الكبيرة، أعلى الربوة. قرأته، وأعدت قراءته. كان ذلك أول عهدي بالشاعر عبد الرحمن الأبنودي...

Image title


    أجهدني الحرّ والعمل اليومي المقيت في الحقل. ألقيتُ بالفأس، طوحته على طول ذراعي وفردتُ طولي أمسح العرق الذي يقطر على جبهتي بكم جلبابي بينما عيناي لا تحيدان عن ظل الشجرة الوافر أعلى الرابية. إن أقصى ما أتمناه الآن هو الوصول إلى الظل، والجلوس قليلا لالتقاط الأنفاس.. عندما اتكأت بظهري على الجذع الضخم، سمعتُ هاتفي الجوَّال يرن. رفعتُ رأسي أرمقه بنظرة غيظ. كان معلقا في أحد الأفرع المائلة بينما تداعبه نسمة الهواء فيتأرجح مثل بندول ساعة قديم، وأنا في حيرة: ما بين تكبد عناء الوقوف ومن ثَم التقاطه، وبين تجاهله تمامًا. في الأخير، لم أستطع أن أقاوم فضولي لمعرفة المتحدث. كان واحدا من الأصدقاء الذين يداومون على السؤال عني وتفقد أخباري، في هذه المرة ألقى السلام دون أن يمنحني ضحكته الرائقة، ثم قال مباشرة: "عبد الرحمن الأبنودي مات". قذفها في وجهي دون توطئة، على غير عادته في مثل تلك الأمور. همستُ في سري "مات"؛ تلك الكلمة الخفيفة في نطقها تخلّف في القلب هموما ثقيلة كالجبال.   

    طالما رأيتُ الشاعر عبد الرحمن الأبنودي شجرة وارفة تمد فروعها القوية وتفرش ظلها البارد؛ شجرة ظليلة فوق الرابية، تستطيع أن تراها واضحة من بعيد، ومن أي اتجاه. لقد رحل الشاعر النجم، بعد رحلة زاخرة أحبه فيها من أحبه( وهم كُثر) وحقد عليه فيها من حقد. كل ذلك العطاء ولم يحصل إلا على جائزة واحدة، هي جائزة الدولة التقديرية عام 2001م! جائزة واحدة فقط، برغم كم إنجازاته ومدى تأثيره في تيار شعر العامية المصرية والذي لا ينكر أثره إلا حاقد أو جاحد.

    "عبد الرحمن الأبنودي مات"؛ قالها صديقي هكذا، بالنص، ولم يزد عليها، بينما مرت فترة صمت انتظر فيها أن أنطق. مرَّت فترة من الصمت، صمت الكون فيها معي وسكنت حركته، كأنه يقف دقيقة حدادا على روح الشاعر.. هنيهة من الصمت لم ننطق فيها معا بينما قلبينا ينبضان عبر الأثير:   

"يا هل ترى الليل الحزين
أبو النجوم الدبلانين
أبو الغناوي المجروحين
يقدر ينسّيها الصباح
أبو شمس بترش الحنين؟"

   فترة من الصمت لا أدري أطالت أم قصرت، لكنها سمحت للمشهد بأن ينفتح على شاب يتكئ بظهره على جذع شجرة ضخم فوق رابية تطل على مروج خضراء حولها رمال صفراء وصخور متناثرة؛ يقرأ، في شغف، ديوان لشاعر يتعرف على إبداعه للمرة الأولى، ثم لا يكف عن قراءته بعد ذلك. عبد الرحمن الأبنودي، ذلك الإنسان الذي أحبه الجميع بلكنته الصعيدية وصفاء وجهه ونقاء ابتسامته يظل شجرة وارفة الظلال فوق رابية.. ربما تجف الشجرة وتضمر جذورها ثم تموت، لكن يبقى أثرها في قلوب من استظلوا بها ذات يوم، وفي وجدان من استرشدوا بها، لذلك أقول إن التجارب الصادقة لا تسجنها الظروف القاهرة، ولا يقتلها التجاهل بل يزيدها اشتعالا.. تلك هي التجارب المبدعة التي تجذب الأرواح، تجعلها تنسجم في خفة وشفافية مع مجاهل ذلك الكون الواسع وتتوحد فيه، لتنمو بقعة من الضوء داخلنا، تظل تتوهج وتكبر حتى تصبح مثل مدينة مسحورة غارقة في الضوء. يرغمك الإبداع الصادق على الإحساس بأنك إنسان، تعيش، تشعر بالفرح والحزن، وتمتلك القدرة على الحلم، رغم أن الأحلام في بلادنا نبتة صغيرة يضرب حولها الحصار كي تذبل قبل أن  تتذوق طعم الماء.    

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري