شارك هذا الموضوع

الفكاهة في شعر القروي

  • الكاتب Mufed Nabzo
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-21
  • مشاهدة 14

__________________

الفكاهة في شعر القروي                            

  •             *مفيد فهد نبزو

يعتبر الشاعر القروي رشيد سليم الخوري في طليعة شعراء المهجر الذين تفاعلوا مع قضايا أمتهم ، وأدوا دورهم بإيمان عميق ،و حب صادق حيث راح يكرس  شعره وأدبه وخلاصة أفكاره لما فيه خير هذه الأمة وصلاحها ،فلا عجب إذا لُقِّبَ بقديس القومية العربية بعد أن أثرى الشعر العربي بنفائس الدرر الشعرية التي يمجد فيها العروبة ،ويعيش أفراحها وأتراحها بكل مصداقية وإبداع ، فإذا بهذه القصائد تتردد على الألسن بفخر واعتزاز، وترفرف مع خفقات أجنحتها النفوس التواقة إلى الحق والسلام .

لقد فاخر الشاعر القروي بيوم ميلاده في  - 17 – نيسان عام 1887م في قرية البربارة اللبنانية الغافية على هضبة مشرفة على البحر المتوسط بين مدينتي جبيل و البترون من  جبل لبنان ، وبهذا يقول :

إنْ فاخرَ الناسُ بأعيادهمْ    فعيدُ ميلاديَ عيدُ الجلاء .

فمن هو هذا الشاعر ، ومن أين جاءه هذا اللقب ؟!.

إنه رشيد بن سليم بن طنوس بن منصور بن حنا الخوري ، وتقلا ابنة أسعد بشارة الرحباني ، والذي هاجر إلى البرازيل عام 1913 م ، وهناك بدأ يبحث عن لقب يذيل فيه أشعاره ، ولم يوفَّقْ إلى أن اجتمع مع مجموعة من المحبين في جلسة أحبوا أن يعرفوا فيها  آنسة إليه ، فقالوا لها : هذا شاعر ، فرغبت أن تسمع شيئا ً من أشعاره ، وبعد أن أسمعها قالت له : إن شعرك قروي ، ففرح الشاعر بدلا ً من أن يستاء وشكرها قائلا ً : شكرا ً لك ِ لقد أوجدت ِ لي اللقب الذي أبحث عنه من زمن طويل  ، ومنذ ذلك اليوم رافقه هذا اللقب ولم يزل  حتى بعد غياب نجمه في  - 25- آب – 1985 م .

ومما عرف عن شاعرنا الكبير أنه كان ميالاً إلى الدعابة والفكاهة وعزفه على آلة العود  رغم طروحاته الجادة ، ومضامينه الواقعية التي لم يترك فيها غرضا ً من أغراض الشعر وموضوعا ً من مواضيعه إلا تطرَّق إليه ، وهذا ينسجم مع طبيعته المحبة المنفتحة و المفعمة بروح التفاؤل ، ونكران الذات ، والذوبان في بوتقة الجميع   ، فإذا كان للسخرية مكان في شعره أحيانا ً ،إلا أنه كثيرا ًما كان يطعِّمُ أبياته بالحكمة ، وخير دليل قصة تلك الآنسة التي استجاب لطلبها في نظم رباعية تخص لعبة النرد ، فما كان منها بعد أسبوعين إلا أن فاجأته بهدية هي عبارة عن طاولة زهر جميلة منقوشة أبياته على زواياها الأربع ، وذلك عام 1936 م ، والأبيات هي :

العبْ أخي ما نحنُ  إلا لعبة ٌ بيد القدرْ

العبْ أخي العبْ فما ردَّ المقاديرَ الحذرْ

صَنعتْ بنا الأيامُ ما بالزهر نصنعُ والحجرْ

لا يدفعُ اللهو الرَّدى لكنهُ ينسي الخطرْ.

 أما قصته سنة 1915 م مع بعض المهاجرين العرب في البرازيل فهي اقتراحه أن يطلقوا على بعضهم في المخاطبة والمكاتبة لقب سيِّد بدلا ً من  كلمة – خواجا –  وأفندي - بدلا ً فأحدث اقتراحه ضجة ورد فعل ، تناقلته بعض المجلات والصحف ، ثم ثبت اللقب العربي ، وكان مما قاله :

ما بين لفظة سِّيدٍ وخواجا            حربٌ لها هاجَ البريدُ وماجا

والناسُ في هذا قد انقسموا إلى        قسمين كلٌّ تابعٌ منهاجا

فالبعض يرغبُ في الجديدِ وبعضهمْ يهوى القديمَ لأنهُ قد راجا .

وداعبه صديقه العلامة توفيق قربان بقوله : ماذا لو قلت لك ما أبيضك وما أسودك وما أحمرك ! ففكر قليلا ً وقال استمع ماذا :

إلهي إنَّ حكمكَ في البرايا        بعيدٌ عن مداركنا القصارِ

تجودُ على الغبيِّ بلا حسابٍ     وتحرمُ شاعرا ً مرأى النُّضارِ

فوفِّقْ أيُّها المولى جوادا ً         كما تقضي بتوفيقِ الحمار ِ

وما كادا ينتهيان من القهقهة حتى تابع القروي ، وجاءه بهذه الأبيات :

يا أيُّها الدهرُ قدْ جفَّفتَ لي ريقي          وعن أحبَّايِ كم تقضي بتفريقي

أقضي زمانيَ والأحلامُ تخدعني           وليسَ يُثمرُ لي حلمٌ بتحقيق ِ

فيا سماواتُ جودي لي بتعزية ٍ         ويا صروفَ القضا أجري بتوفيق ِ.

فعادا إلى القهقهة ، وقربان يقول : صدق والله القائل : وعداوة الشعراء بئس المقتنى .

وحدثني ذات مرة الشاعر الكبير عبد الله يوركي حلاق صاحب مجلة الضاد الحلبية عن الشاعر القروي الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة ، وكيف مازحه ببيت جميل ضمَّنهُ تورية جميلة في قوله :

أيُّ رأس ٍ مهما سما وتعالى              لمْ يُدرهُ ويُحنهِ الحلَّاقُ ؟! .

ويتعجب القروي من المرائي الذي يبدو ذئبا ً في شكل خروف و بأسلوب ساخر فيقول :

قد عجبنا من مراءٍ         لان َ للناسِ مجسَّهْ

هو ذئبٌ في خروفٍ        كيفَ لا ينهشُ نفسَهْ .

ويوم كان الشاعر في مدينة مريانا البرازيلية سنة 1913 م ، حلق شاربيه ، ولامه بعض اللائمين على ضياعهما فردَّ هازئا ً قائلا ً:

قالوا حلقتَ الشاربين            ويا ضياع َ الشاربين ِ

فأجبتهمْ بلْ بئسَ ذان            ولا رأتْ عينايَ ذينِ

الشاغلينِ المزعجينِ             الطالعينِ النازلينِ

ثم يصورهما بعدسته الشعرية ، ويذكر ما يسببان له من متاعبَ وضيق  ، فيقول :

ويلي إذا ما أرهفا              ذنبيهما كالعقربينِ

إنْ ينزلا لجما فمي             أو يصعدا التطما بعيني .

ثم ينتقل ليبين علاقتهما بالأكل والشرب ، ووقوفهما كعبدين على باب المنخرين :

فإذا أردت ُ الأكلَ يقتسمانِ بينهما وبيني

وإذا أردتُ الشربَ يمتصان كالاسفنجتينِ

فكأنني بهما وقد        وقفا بباب ِ المنخرينِ

عبدانِ من أشقى العبيدِ تقاضيا ملكا ً بدين ِ.

وذات يوم افتقد شقيقه الشاعر المدني قيصر سليم الخوري قاموسه المنجد ، فنظم هذه الأبيات وأرسلها إلى صديقه الأديب حارث طه الراوي فنشرها في جريدة البلد في بغداد بتاريخ - 7- 3 – 1965 م ، ومما جاء فيها :

قدْ كان َ في مكتبتي منجدٌ           يا طالما سرنا وبتنا معا

وكانَ مهما غمضتْ جملة ٌ        يكشفُ عن غامضها البرقعا

والله لا أعلمُ كيف اختفى         فتَّشتُ عنه موضعا ً موضعا .

ثم يدور الحديث بينه وبين زوجته التي تعرف عدم مقدرته في شراء منجد آخر ، ويصور حالته من بعده فيقول :

من أينَ تشري منجداً آخرا ً     وأنتَ لا تقدرُ أنْ تدفعا ؟!.

مضى نهاري لمْ أذقْ لقمة ً      ومرَّ ليلي دونَ أنْ أهجعا

لمْ يبق َ لي صبرٌ على بعدهِ       قولوا لهُ بالله أنْ يرجعا .

وقرأ شقيقه الشاعر القروي القصيدة في الجريدة ، وهو في قريته البربارة بتاريخ – 20 – 3 – 1965 م ، وكان قد وجد القاموس بين كتبه ، فرده إليه مع جواب على نفس الوزن والقافية حيث قال :

أسمعتَ يا أطربَ مَنْ أسمعا              ما أرخمَ الصوتَ الذي لعلعا

لبَّيكَ يا قيصرُ تدعو أخا ً                  لو كان َ في القبر للبَّى الدُّعا

منجدكَ الهاربُ ما ضاعَ بلْ              أمَّلَ أنْ يلقى الذي ضيَّعا

عادَ إلى موطنهِ بعدما                    قلتُ لهُ : إنكَ لن ترجعا

ويؤكد على حرقة الغربة ومرارتها ، وما فيها من بروق خادعة فيقول :

قدْ خدعتهُ كأخيكَ المنى                إياكَ يا قيصرُ أنْ تُخدعا

أرجعتهُ اليومَ وفي قلبهِ               وجدٌ كوجدي يحرقُ الأضلعا

مَنْ لي وقدْ طالَ التنائي بأنْ          أراكما عمَّا قريبٍ معا .

وعندما شاع زي الفساتين القصيرة قال منتقداً هذه الموضة الجديدة :

مضى الخلخالُ حينَ الساقُ أمستْ    تطوِّقها عيونُ الناظرينا

كأنَّ الثوبَ ظلٌّ في صباحٍ              يزيدُ تقلُّصاً حيناً فحينا

تظنين َ الرجالَ بلا شعورٍ              لأنَّكِ ربَّما لا تشعرينا .

ولا يكتفي بهذا بل يربط بين العقل والدين والهوى ، والتهذيب والنفس وإبليس بقوله :

وليسَ بعاصم ٍ عقلٌ ودينٌ              فكم سلبَ الهوى عقلا ً ودينا

وماذا ينفعُ التهذيبُ نفسا ً              تحاربُ فيكِ إبليسَ اللعينا .

وفي الختام لابد أن نعلم أن شاعرنا القروي يذكر من صفاته إضافة إلى أنه كان يكهربه الجمال على أنواعه ، كان يضحك للنكتة البكر ضحكة ذات جلاجل وأجراس  ، ويغضب ولا يحقد ، وكثيرا ً ما كان يرضى في الحال ، وهو جريء صريح حتى الخشونة ، ولكن بلا مواربة ولا محاباة .

وإذا كنا اكتفينا بهذا القدر من الفكاهة في شعره ، فهذا لا يعني أنه لا يوجد هناك أيضا ً قصائد ومساجلات أخرى  تدل على ما اتسمت به نفس الشاعر القروي من حب للظرف والدعابة والمرح إلى جانب السمات الإنسانية الرائعة ، والقيم الوطنية الجليلة التي كانت تميز أغلب أشعاره ، وتتسم بها جلَّ قصائده ، فكان بحق الشاعر العربي المهجري الكبير و الصوت الحقيقي المعبر عن قضايا الأمة المصيرية في الوطن

والمهجر .

  • شاعر وأديب سوري

  • المصادر : ديوان الشاعر رشيد سليم الخوري – المجلد الأول – الطبعة السادسة – دمشق – 1983 م – منشورات اتحاد الكتاب العرب .

 

 

آراء الأعضاء

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري