شارك هذا الموضوع

الليبرالية السياسه ومبادئها الاخلاقيه .

  • الكاتب Aiso Abdullah
  • تاريخ اﻹضافة 2016-10-03
  • مشاهدة 26

 علم النفس الخلقي. 

من المفترض أن تكون للمواطنين الذين يقبلون إكراهات العقل العمومي عن طيب خاطر، ولا يمانعون في الخضوع للسلطة المعقولة، سمات مخصوصة. وإذا تقرر هذا، لزم أن تصبح سمات هؤلاء المواطنين موضوعا لعلم خاص، تتعدى تحليلاته المستوى الوظيفي إلى البحث في المبادئ والقوانين الكامنة خلف تشكل وتنامي روح المواطنة بأبعادها النفسية والخلقية، وهذا العلم هو علم النفس الخلقي الذي هو علم السلوك المعقول؛ وربما أصبح الانشغال بهذا الموضوع شرطا لتأسيس كل علم من العلوم الإنسانية مهما كان نوعه. يقول راولز بهذا الصدد:"ولعل أبرز خاصية من الخصائص المميزة لهذه القوانين (أو الميول) هو أن صياغتها تحيل على المحيط المؤسساتي بوصفه عادلا...وباعتباره معروفا لدى العموم بوصفه كذلك. إن لتصور العدالة، إذن، مكانته بين مبادئ علم النفس الأخلاقي. وهكذا، فإن تصور العدالة على أي نحو من الأنحاء يدخل في تفسير ما يقابله من المشاعر؛ فالفرضيات المتعلقة بالعمليات النفسية توظف المفاهيم الأخلاقية سواء اعتبرت هذه المفاهيم جزءا من النظرية السيكولوجية أم لم تعتبرها كذلك"([1]) ليس هناك إذن ما يمكن أن يحول دون توظيف المفاهيم الأخلاقية في الدراسات الاجتماعية والنفسية، بل إن إقصاءها يعتبر، برأي راولز، خطأ فادحا؛ وحجته في ذلك أن المشاعر الأخلاقية محايثة لبنية الطبيعة الإنسانية، شديدة الصلة بميلها الفطري للاجتماع والمعاشرة؛ وبالتالي، فإن استبعادها وعدم أخذها بعين الاعتبار في الدراسات التي تتناول المواقف والاتجاهات يعني بتر موضوع الدراسة وتفكيكه. إن ما يريد التأكيد عليه هو أن العنصر الأخلاقي يندرج على نحو من الأنحاء ضمن التكوين المميز للطبيعة السيكولوجية للإنسان، وسواء تعلق الأمر بمضمونها أو بسياقها الاجتماعي والمؤسساتي. ولكن، كيف تتحدد العلاقة بين البعد الأخلاقي للإنسان وطبيعته النفسية منظورا إليها من زاوية علم النفس؟يقدم راولز الجواب على هذا السؤال في كتابه "الليبرالية السياسية"، أورده في الجزء الثامن من المحاضرة الثانية تحت عنوان مثير: "السيكولوجيا الأخلاقية: فلسفية لا سيكولوجية". يقول في مستهل هذه الدراسة موضحا تصوره للسيكولوجيا الأخلاقية:".. وأؤكد على أنها سيكولوجيا أخلاقية مستمدة من التصور السياسي للعدالة كإنصاف. وهذه السيكولوجيا لم تنبثق من العلم المختص في دراسة الطبيعة الإنسانية، بل صدرت عن هيكل المفاهيم والمبادئ المستخدمة للتعبير عن تصور سياسي للشخص ومثل أعلى للمواطنة"([2]) يستمد علم النفس الأخلاقي، حسب نظرية راولز، مبادئه من هيكل نظري معياري، وتكمن وظيفته عنده في بناء تصور سياسي للشخص يساعد على تحقيق مثل أعلى للمواطنة. وإذا كانت هذه السيكولوجيا لا تنحدر من صلب العلوم التي تهتم بدراسة الطبيعة الإنسانية، فإنها تولي مع ذلك أهمية خاصة للتأثيرات المحتملة للعوامل المرتبطة بالطبيعة الإنسانية في التصورات والتوجهات الأخلاقية للمواطنين. يقول راولز:"إن الطبيعة الإنسانية وسيكولوجيتها الطبيعية مرنتان إلى حد الإباحية: بإمكانهما أن تضعا حدودا لتصوراتنا للشخص وللمثل العليا للمواطنة القابلة للبقاء والاستمرار، وللسيكولوجيات الأخلاقية التي تدعمها، ولكنها لا تستطيع أن تملي علينا تلك التي يتوجب علينا الأخذ بها"([3])يفهم من هذا القول أن الطبيعة الإنسانية، بحكم نوازعها الفطرية الإباحية، لا تنطوي في ذاتها على السبب الكافي لبروز المشاعر الأخلاقية ونموها. ولكن هذا النقص لا يبرر إسقاطها من المعادلة الأخلاقية، ما دامت تؤثر في تلك المشاعر بشكل من الأشكال من خلال رسم الحدود لحقل الممكنات. وعلى هذا يرى راولز بأن المثل العليا للمواطنة تستلزم توفر تصور للطبيعة الإنسانية ونظرية اجتماعية من أجل تحديد تصور للشخص المعقول يتناسب مع ما تسمح به الوقائع العامة المتصلة بالطبيعة الإنسانية، من جهة، وبالمجتمع من جهة أخرى. وفي غياب هذا الشرط، يكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحقيق التصور السياسي للعدالة والمثل الأعلى للمواطنة. يتعلق الأمر بالبحث في شروط بناء نظام سياسي يكون من المعقول جدا أن يُتوقع من المواطنين قبول سلطته والانقياد لقراراته، والانخراط في التعاون مع بعضهم البعض على مدى الحياة.ومن هنا تأتي أهمية علم النفس الأخلاقي بوصفه الوسيلة التي تمكن من بلورة وتحقيق تصور سياسي لمفهوم الشخص ومثل أعلى للمواطنة يكونان على قدر كبير من الانسجام مع الطبيعة الإنسانية في سياقها الاجتماعي. تلك هي مقاصد هذا العلم، وأما موضوعه فيتمحور حول الإحساس بالعدالة والمشاعر الأخلاقية، ويشمل البنيات الاجتماعية والسياسية التي تكيف سيرورتها النمائية. ولقد خصص راولز لهذا الموضوع فصلا كاملا في كتابه "نظرية العدالة" تحت عنوان "الإحساس بالعدالة" ، وقدم فيه وصفا تحليليا وافيا للإحساس بالعدالة وما يرتبط به من مشاعر أخلاقية، وبين كيفية تشكل ونمو القدرات الأخلاقية للمواطن المعقول، والمراحل التي تمر بها خلال سيرورتها النمائية، والقوانين التي تقف خلف هذه العمليات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإحساس بالعدالة بمثل، في إطار هذه النظرية، أرقى مرتبة من مراتب النمو الأخلاقي؛ وحدده كما يلي: "إن الإحساس بالعدالة هو، قبل كل شيء، استعداد ثابت للأخذ بوجهة النظر الأخلاقية والعمل بمقتضياتها بقدر ما تحددها مبادئ العدالة على الأقل"([4])يستفاد من هذا التعريف أن السيكولوجية الأخلاقية تتشكل وتنمو في انسجام مع مبدأ العدالة كإنصاف. إن دراسة النمو الخلقي، من وجهة النظر هذه، هي قبل كل شيء دراسة كيفية تشكل ونمو الإحساس بالعدالة وما يرتبط به من مشاعر أخلاقية. هذا هو الموضوع الأثير لعلم النفس الأخلاقي كما يتصوره راولز. وسوف نقدم فيما يلي عرضا سريعا لمراحل النمو الخلقي كما يتصورها راولز.1.3. مراحل النمو الخلقي حسب نظرية راولزينطلق راولز في دراسته لمراحل النمو الخلقي من التسليم بالقضية التالية: يحتاج النمو الخلقي لكي يتحقق إلى تنظيم المجتمع بشكل جيد، وكذلك فإن الإحساس بالعدالة هو الكفيل بإعادة التوازن لهذا المجتمع وضمان استقراره كلما تعرض لشتى أنواع الاختلالات والهزات. ويمر الإحساس بالعدالة خلال سيرورته النمائية بثلاث مراحل لها علاقة بمراحل العمر في حدود معينة، من جهة، ومراحل اندماج الفرد في المجتمع، من جهة أخرى؛ ويأتي هذا النمو كاستجابة للميل الطبيعي في الإنسان إلى التعامل بالمثل وفقا لمبدأ التبادلية. وهذه المراحل هي:أخلاق السلطةأخلاق التشاركأخلاق المبادئأولا - أخلاق السلطة: وهي أخلاق مرحلة الطفولة. تتشكل، بطبيعة الحال، تحت تأثير سلطة الوالدين داخل الأسرة التي تندرج ضمن البنيات الأساسية للمجتمع. يحتل الطفل في بنية السلطة خلال هذه المرحلة موقعا لا يؤهله لتقدير مدى صلاحية القواعد والأوامر الصادرة عن مراكز السلطة والقرار، خاصة وأن مداركه العقلية لا زالت في مراحل نموها الأولى، ولذلك يفتقر إلى القدرة على التسويغ والحجاج والإقناع، ولا يستطيع مقاومة الأوامر والنواهي التي يفرضها عليه والداه. وإذا كانت الأسرة مؤسسة من مؤسسات المجتمع المنظم بشكل جيد، فإنه من الفروض أن نسلم بصلاحية القواعد والتوجيهات الأسرية ومعقوليتها. ولكن الطفل لا ينظر إلى الأمور من هذه الزاوية لاعتبارات لها علاقة بميوله الفطرية، ومن أهمها: أنه يميل بالفطرة وبشكل عقلاني إلى تحقيق رغباته الذاتية أو ما يسميه راولز "المصلحة الذاتية العقلانية"؛ ولا يمتلك القدرة على إدراك وفهم نوايا الوالدين ومقاصدهما، ولا القدرة على تقدير مدى أهمية الأوامر والنواهي؛ وكذلك تعوزه القدرة على التسويغ، فهو لا يستسيغ مطلب الخضوع لسلطة الوالدين ولا يمتلك القدرة على إيجاد مبرر مقبول لمطلب الامتثال والخضوع لها؛ ولا يستطيع، في نفس الوقت، وضعها موضع شك وتساؤل ونقد استنادا إلى مبرر مقبول؛ ولا يميل بالفطرة إلى حب الوالدين.والنتيجة المحتومة هي أنه لا يوجد لدى الطفل ميل فطري للامتثال للسلطة. ومن هنا يطرح السؤال: كيف يمكن ترويضه لقبول سلطة الوالدين وتأهيله لقبول قرارات السلطة السياسية في المراحل اللاحقة من العمر؟يحصل التحول في هذا الاتجاه بفضل القانون السيكولوجي الأول الذي يمكن صياغته على النحو التالي: إذا أحب الوالدان طفلهما، تولد حب الوالدين في نفسه كرد فعل، فيبادلهما حبا بحب؛ وكلما زاد حب الوالدين لطفلهما، زاد حبه لهما. وتتجلى محبة الوالدين للطفل من خلال مجموعة من السلوكات التي تكشف له عن نواياهما الواضحة للعناية به، ومن أهما: مساعدته على تحقيق مصالحه الذاتية العقلانية؛ دعمهم لشعوره بالاعتبار الذاتي، وتأكيد تصوره لذاته وتثمينه؛ مساعدته على تحقيق رغبته في الاستقلال وتحمل المسؤولية.وبفضل هذه السلوكات تتشكل مشاعر وعواطف جديدة لدى الطفل. فعندما يتأكد من حب والديه له من خلال التجربة الحية التي تنكشف فيها النوايا الواضحة للعناية به، يطمئن على نفسه ليقينه أن أولئك الذين يمثلون السلطة في محيطه لا يكنون له المحبة لانضباطه، بل يحبونه لكونه شخصا جديرا بالاحترام، يستمد قيمته من ذاته، ويكون مجرد حضوره أو وجوده في البيت مصدرا للبهجة والمسرة.. وعندما ترتبط محبة الوالدين بالخبرة الحية للطفل بوصفها محبة خالصة غير مشروطة، تزداد ثقته بنفسه، فيتولد لديه الشعور بالاعتبار الذاتي ويتنامى؛ وعن هذا الشعور ينشأ حبه لوالديه، ويطرح نفسه كرغبة في إسعادهما من خلال الإذعان لأوامرهما ونواهيهما. ومن ثمة، تتشكل المشاعر الأخلاقية كنتيجة للقانون السيكولوجي الأول. فإذا كان الطفل يحب والديه، ويضع ثقته فيهما، وحصل أن انساق مع المغريات وخرق بعض القواعد فإنه لابد وأن ينتابه شعور بالذنب؛ وبلعب هذا الشعور دور القوة الدافعة للاعتراف بالخطأ.وخلاصة القول، إن الشعور بالذنب هو شعور أخلاقي، ينبثق عن التفاعلات الإيجابية التي يحكمها القانون السيكولوجي الأول. وعليه، فإن أي خرق للقواعد لا يصاحبه شعور بالذنب لهو الدليل القاطع على انعدام مشاعر المحبة والثقة في العلاقات الأسرية. ومن هنا يلزم التمييز بين الشعور بالذنب والخوف من العقاب. فعندما يكون الجو الأسري خاليا من مشاعر المحبة والثقة، يكون الشعور المهيمن على الأطفال هو الخوف من العقاب.ثانيا - أخلاق التشارك: إذا كانت أخلاق السلطة تتأسس على القواعد والتوجيهات (الأوامر والنواهي) التي يتوجب على الفرد الامتثال لها، فإن أخلاق التشارك تشمل المعايير الأخلاقية والنماذج المثلى المرتبطة بمواقع الأفراد وأدوارهم في المنظمات الاجتماعية. تُطبع هذه المعايير والقيم في نفوس الأفراد بواسطة مجموعة من الإجراءات والإشارات التي تصدر عن مراكز السلطة والقرار في المنظمات (الأسرة، المدرسة..) أو عن مجموعات العمل التي ينتمون إليها، والتي تدل على الاستحسان أو الاستهجان.تتشكل أخلاق التشارك تدريجيا كلما تقدم المرء في السن، وانتقل من موقع اجتماعي إلى آخر، ومن دور إلى آخر. وكلما تغير الدور والموقع، اضطر الفرد إلى اكتساب معايير وقيم جديدة، فيتمثلها ثم يستبطنها، وتطرح نفسها في شكل نماذج مثلى لما ينبغي أن يكون عليه صاحب الدور أو الموقع الجديد، بحيث يمكن الحديث عن التلميذ النموذجي، والأستاذ النموذجي، والزوج النموذجي، الخ. ومع مرور الزمن، يكتسب القدرة على فهم النماذج الجديدة وتفسيرها في ضوء أهداف المنظمة أو المؤسسة أو الجمعية التي ينتمي إليها، وعندئذ يتاح له تشكيل تصور واضح، إلى هذا الحد أو ذاك، عن نظام التعاون الشمولي الذي يحدد طبيعة المنظمة ووظائفها وأهدافها وغاياتها. ولما كان الفرد ينتمي في نفس الوقت إلى العديد من المؤسسات والتنظيمات، كان لابد أن يكتسب أنواعا عديدة من النماذج المثلى التي تتناسب مع مختلف المواقع والأدوار، وأن يجمع بينها في إطار توليفة واحدة.ولما كانت أخلاق التشارك تجمع في توليفة واحدة بين نماذج مثلى تتنوع بتنوع الانتماءات الاجتماعية للفرد، فإن اكتسابها يستلزم تنمية مجموعة من القدرات الخاصة، وفي مقدمتها القدرة على فك طوق التمركز حول الذات، والنظر إلى الأشياء من منظورات الآخرين الذين يحتلون مواقع مختلفة في المنظمات. عندما يكتسب المرء هذه القدرات يكون قادرا على إدراك الروابط التي تجمع بين النماذج المثلى في إطار نظام تعاون واحد. ولكن اكتساب هذه القدرات يستلزم تنمية القدرة على إدراك نوايا الآخرين ودوافعهم ومشاعرهم ومقاصدهم. ويجب التذكير هنا بأن ما يميز البنية المعرفية للطفل، مقارنة بالبنية المعرفية للراشد، هو انعدام أو ضعف القدرة على إدراك النوايا والمشاعر والمقاصد؛ وهذا ما يفسر عجز الطفل على رؤية الأشياء من منظورات متعددة.إن القدرات المذكورة مجتمعة هي التي تجعل من أفراد المجتمع مواطنين مؤهلين للانخراط في نظم التعاون. ينبغي أن يكون الفاعلون في المنظمات أو المؤسسات الاجتماعية على علم بأن أية قضية أو مشكلة تبدو مختلفة لمن ينظرون إليها من مواقع مختلفة، وأن يعلموا بأن للفاعلين الذين يحتلون مواقع مختلفة في تلك المنظمات دوافع وأهداف واستراتيجيات مختلفة، وأن يكتسبوا القدرة على اكتشافها وتقييمها من خلال فحص خطابهم وسلوكهم، كل ذلك من أجل العثور على نقط ارتكاز إستراتيجية للتشارك والتعاون.تلك إذن هي متطلبات المرحلة الثانية من مراحل النمو الخلقي. فعندما يكتسب الفرد القدرة على إدراك نوايا ومشاعر زملائه في العمل، وتتشكل الروابط العاطفية بينهم بحكم القانون السيكولوجي الأول؛ وعندما يفصح زملاؤه عن نية واضحة في العمل وفقا لما يقتضيه الواجب، تظهر مشاعر الصداقة والثقة المتبادلة، وتنمو باستمرار في مناخ سليم ومحفز على العمل. وهذا هو القانون السيكولوجي الثاني. يمكن صياغة هذا القانون في عبارة أخرى:عندما يلج شخص حقلا من حقول العمل، ويشعر بأن أعضاء التنظيم الجديد يمارسون نشاطهم بحماس، ويدرك نواياهم الواضحة لأداء واجباتهم على أحسن وجه، وعندما يظهرون له ولاءهم للمنظمة، ويعلنون اعترافهم بأن المبادئ التي يقوم عليها التنظيم عادلة ومنصفة، ويتأكد من أن ما يراه ويسمعه صحيح، ومن أن ما يحركهم هي الإرادة الصالحة الخيرة، تنبعث مشاعر الثقة في نفسه والرغبة في التماهي بهم، فيندمج في مجموعة العمل اندماجا كليا، فتتآلف القلوب، وتتوطد أواصر الصداقة بينه وبين أعضاء التنظيم، وتقوى وشائج المحبة والثقة المتبادلة بينهم. وهذا ما يجعله يستبطن المعايير والمثل العليا المرتبطة بموقعه الجديد في نظام التعاون. وعندما تتقوى الروابط بين أعضاء مجموعة العمل، تزداد الرغبة في التعاون والتشارك؛ ويشعر الفرد بالذنب عندما يقوم بتقييم عمله ويدرك أنه قصر في أداء واجباته.ولعل أهم ما يميز أخلاق التشارك هو أن الدوافع إلى إتقان العمل والتعاون مع الآخرين هي بواعث نفسية، وفي مقدمتها الرغبة في التماهي مع الزملاء الجادين في العمل والرغبة في نيل رضاهم. فإذا كان الفرد يعمل كل ما بوسعه لأداء وظيفته على أحسن وجه، فإنما يسعى من وراء ذلك إلى خلق انطباعات طيبة في نفوس الآخرين عن ذاته من أجل الحصول على مفعول رجعي إيجابي وإشارات تنم على الاستحسان؛ والقصد من ذلك كله يكمن في نيل رضاهم. وعلى هذه الخلفية تتشكل المشاعر الأخلاقية المصاحبة لعملية اكتساب النماذج المثلى المرتبطة بالمواقع والأدوار في المنظمات الاجتماعية تحت تأثير القانون السيكولوجي الثاني. ويرى راولز أن:”غياب هذه الميول [المشاعر الأخلاقية كشعور بالذنب] يدل على غياب روابط الصداقة والثقة المتبادلة“ إن الشخص الذي ينقصه الشعور بالذنب لا يحس بالعبء الملقى على كاهل الآخرين، ولا يصاب بالحرج والانزعاج إزاء شعورهم بالخيبة من نكثه للعهد وخرقه للثقة الموضوعة فيه"[5]يفرض القانون السيكولوجي الثاني نفسه بطريقة لا تختلف عن طريقة اشتغال القانون السيكولوجي الأول؛ فكما أن روابط المحبة تنشأ عن القانون الأول داخل الأسرة خلال المرحلة النمائية الأولى (أخلاق السلطة)، كذلك تتشكل روابط الصداقة ومشاعر الثقة في المنظمات والمؤسسات الاجتماعية عن القانون الثاني خلال المرحلة النمائية الثانية. يخضع النمو الخلقي، إذن، لقوانين سيكولوجية أشبه ما تكون بالقوانين الطبيعية، عنها تنشأ المشاعر الأخلاقية، وهي التي تتحكم في نموها وتطورها. تتجلى هذه المشاعر بطرق مختلفة، وتفصح عن نفسها من خلال الاعتراف الصريح بالخطأ وخرق القواعد والمعايير، والرغبة الملحة في تصحيح الحيف أو الأذى الذي لحق بالآخرين من جراء ذلك.وهكذا تطرح الآلية الأخلاقية نفسها كبديل عن أساليب الزجر والعقاب التي تولد مشاعر الخوف والحذر؛ ومن حسناتها أيضا أنها تزيد من قدرة الفرد على التحكم في الذات، وضبط النفس، وتجنب الوقوع في حومة الغضب والاستياء. ويدل غياب المشاعر الأخلاقية في حياة العمل داخل المنظمات على تفكك الروابط الاجتماعية الأساسية وانتفاء مشاعر المحبة والصداقة والثقة التي يقوم عليها نظام المجتمع بوصفه نظام تعاون منصف. ويعتبر فقدان الحس الخلقي وتفكك الروابط الاجتماعية في المنظمات ضربا من ضروب الاستلاب الذي يسميه إميل دوركايم بالأنوميا، ويسمى في علم النفس الاجتماعي الأنجلوسكسوني بفقدان المعايير؛ وتسمى المنظمات التي تعاني من هذه الأعراض المرضية بالمنظمات الأنيمية.ثالثا: أخلاق المبادئ: إذا كانت السمات المميزة للشخص الذي ولج مرحلة أخلاق التشارك تتلخص في نيته الواضحة للعمل وفقا للمعايير والمثل العليا المرتبطة بموقعه في المنظمة أو المؤسسة الاجتماعية التي يشتغل فيها، فإن ما يميز الشخص الذي بلغ المرحلة الثالثة هو إيمانه العميق بمبادئ العدالة الأكثر سموا وإنصافا. فإذا كان الشخص في مرحلة أخلاق التشارك يرغب في أن يصير أستاذا نموذجيا، فإنه أصبح الآن يرغب في أن يكون عادلا..يقول راولز:”إن فكرة الفعل العادل والعمل على تطوير المؤسسات العادلة، أصبح لها عنده [في المرحلة الثالثة] جاذبية شبيهة بجاذبية النماذج المثلى..“([6])ولهذه المرحلة قانون سيكولوجي خاص بها، نصوغه على النحو التالي: عندما تتشكل مشاعر المحبة والصداقة والثقة المتبادلة بفعل القانون الأول والقانون الثاني، يظهر الميل إلى الاعتراف بعدالة المؤسسات، ولا يتحقق ذلك ما لم يشعر العاملون فيها بأن جميع الأفراد والمجموعات يستفيدون من مواردها بشكل منصف، وينتج من ذلك إحساس بالعدالة، ويطرح نفسه كآلية من آليات الضبط الاجتماعي التي تلعب دورا أساسيا في الحفاظ على توازن المجتمع واستقراره من خلال تقوية الروابط الاجتماعية. يقول راولز عن هذا: ”بدون إحساس مشترك بالعدالة لن يكون لروابط الحياة المدنية وجود“([7]). ويفصح الإحساس بالعدالة عن نفسه بطريقتين:- يتجلى في المقام الأول من خلال الاعتراف بالمؤسسات العادلة وقبول سلطتها. ولا يظهر الأفراد ولاءهم لها، ولا ينقادون طواعية لقراراتها ما لم يتيقنوا من أنها تخدم مصالح الجميع؛ وإن هي بدت لهم عادلة منصفة للجميع، تراهم يبذلون كل ما بوسعهم للحفاظ على نظامها واستقرارها كرد فعل إيجابي تلقائي، ويشعر الفرد بالذنب كلما أخل بواجباته والتزاماته إزاءها.- ويتجلى الإحساس بالعدالة أيضا من خلال الرغبة في العمل من أجل بناء المؤسسات العادلة أو إصلاح المؤسسات القائمة، والرغبة في توسيع مجال تطبيق مبادئ العدالة. ويشعر الشخص بالذنب كلما تصرف بطريقة مناقضة لإحساسه بالعدالة.يتبين من خلال عرض مراحل النمو الخلقي الثلاث بأن السيرورة النمائية تجري في كل مرحلة وفقا لمبدأ التبادلية المتأصل في الطبيعة الإنسانية. ففي المرحلة الأولى، تنبثق مشاعر المحبة في وجدان الطفل إن شعر بأنه محبوب، فيبادل والديه حبا بحب، وعندما يصبح شابا، ويلتحق بمؤسسات اجتماعية أخرى، تبدأ المرحلة النمائية الثانية، فتتشكل مشاعر الصداقة والثقة والمسؤولية إذا تعامل معه أعضاء المظمة وفقا لهذه القيم؛ وعندما ينضج ويصبح راشدا، يستبطن قيم العدالة إن هو أحس بأن المواطنين يتعاملون معه في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية وفقا لقواعد الاحترام المتبادل ومبدأ الإنصاف. وهذا يدل على أن النمو الخلقي يتحقق من خلال عمليات التفاعل العاطفية-الوجدانية؛ فإذا كانت هذه العمليات تجري وفقا لمبدأ التبادلية، أدى ذلك إلى تنامي الإحساس بالعدالة.ويرى راولز أن أهم ما يميز كل مرحلة من المراحل النمائية عن غيرها هو نوعية الرغبات التي يصبو الفرد إلى تحقيقها. ومن هذه الوجهة، فإن النمو الخلقي هو عملية الانتقال من نوع معين من الرغبات إلى نوع آخر، كما هو مبين في الخطاطة التالية . 

أتمنى لكم قراءة ممتعه عبدالله عيسو .

آراء الأعضاء

الأوسمة

مواضيع مميزة

انشر مواضيع واحصل على ربح فوري